أقلام وأراء

محمد أبو الفضل: لماذا عادت إثيوبيا إلى التفاوض مع مصر

محمد أبو الفضل 20-7-2023: لماذا عادت إثيوبيا إلى التفاوض مع مصر

شغل هذا السؤال بال الكثير من المصريين خلال الأيام الماضية عقب إعلان إثيوبيا موافقتها في بيان مشترك مع مصر على التفاوض لحل أزمة سد النهضة، والذي (التفاوض) توقف بصورة شبه رسمية على مدار السنوات الثلاث الماضية، ولا أحد يعلم الدوافع التي أدت إلى قيام رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد بالتوقيع على بيان العودة إلى المفاوضات والقبول بتحديد أربعة أشهر كمدة زمنية للتفاهم والتوصل إلى حل مناسب.

زادت الحيرة لدى شريحة من المصريين مع قيام آبي أحمد بجولة في العاصمة الإدارية الجديدة بشرق القاهرة التي يعتبرها النظام المصري رمزا للجمهورية الجديدة، وإعجابه بما يتم فيها من مشروعات تنموية، ثم إصدار بيان خاص أشاد فيه الرجل بما يحدث في مصر من تطورات، لافتا فيه إلى حكمة رئيسها عبدالفتاح السيسي.

تبدو مواقف رئيس وزراء إثيوبيا انقلابا سياسيا في موقفه من مصر التي ظلت حتى وقت قريب تتّهم برغبتها في حرمان بلاده من مشروعها العملاق، وتنطوي على تغير في حساباته الإقليمية بعد اندلاع الحرب في السودان أو أن القاهرة استسلمت للأمر الواقع ولا تملك وسائل تمكنها من ممارسة ضغط قوي على أديس أبابا.

قد تكون كل التكهنات حاضرة في عملية فهم التغير الظاهر في موقف آبي أحمد خلال زيارته إلى القاهرة الأسبوع الماضي للمشاركة في قمة دول جوار السودان، والتي بدت في جوهرها قمة لتطبيع العلاقات بين هذه الدول أكثر من كونها قمة لوقف الحرب في السودان وتفكيك القواعد التي يمكن أن تحولها إلى أزمة إقليمية ممتدة.

ما يمكن إضافته إلى التفسير السابق أن مصر استنفدت الكثير من أدواتها السياسية في حث إثيوبيا على توقيع اتفاق مُلزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، وظهرت قيادتها أمام الرأي العام وكأنها لم تبذل الجهد اللازم للوصول إلى الصيغة التي تحافظ على حقوق القاهرة التاريخية في مياه نهر النيل، وتحتاج إلى تحرك سياسي جديد يعيد القيادة الإثيوبية إلى الجلوس حول طاولة المفاوضات.

لم تفصح القاهرة أو أديس أبابا عن شيء من الأسس التي بموجبها تجلسان مجددا للتفاوض، كذلك لم يستشف من البيان المشترك أن هناك طرفا ثالثا يشارك كوسيط في محادثات لم يرشح شيء عن ضوابطها، واستبعد منها السودان لدواع مفهومة فرضتها الحرب وتداعياتها، ما يعني أن اللقاءات ثنائية ولن تحوي طرفا إقليميا أو دوليا.

يشير هذا الشكل إلى أن إثيوبيا أحرزت هدفا في مرمى مصر، فالتفاوض الثنائي يؤكد عدم وجود ضامن أو طرف ثالث يشهد على المباحثات حيث لدى المسؤولين في أديس أبابا غرام في فن المراوغة، والخطورة أن المفاوض الإثيوبي ربما يصر على البدء من نقطة الصفر، وفي هذه الحالة لن تكفي الأشهر الأربعة المتفق عليها، فقد جلست مصر والسودان وإثيوبيا عشر سنوات في حضور وساطات عديدة ولم يتحقق تقدم ملموس.

تراهن القاهرة على أن قناعتها بالتعامل بمرونة مع أديس أبابا لا تزال طريقا جيدا في ظل انتفاء الخيارات الخشنة بعد أن تحول سد النهضة إلى كيان حقيقي عندما أعلن الانتهاء من أعمال التشييد والتخزين الرئيسية، ولا سبيل سوى عدم التخلي عن التفاوض الذي التزمت به مصر كمنهج وهي تواجه أشد أنواع التعنت الإثيوبي حساسية، فقد تحصل على جزء من حقوقها يضمن لها تخفيف الأضرار الواقعة عليها.

تدخل إثيوبيا جولة جديدة من المفاوضات بعد أن كسبت رهانها على فرض الأمر الواقع ورفض التوقيع على اتفاق مُلزم يحافظ على ما تراه مصر حقوقا تاريخية أبدية لا يجب المساس بها، ولم تمانع في تشييد سد النهضة، لكن أديس أبابا تنصلت من كل التعهدات بعد أن فهم منها إمكانية تحويلها إلى اتفاق قانوني في البداية.

انتهت هذه المرحلة وشرعت إثيوبيا في القيام بالملء الرابع قبل أيام، وهو الأكبر والأضخم والأكثر تأثيرا على مصر، ولا تريد أن تخوض هذه المرحلة الحرجة وسط تشويش من القاهرة، لذلك قبلت بالتفاوض كنوع من إبراء ذمتها أمام العالم، خاصة أنها أعلنت حرصها على عدم الإضرار بمصالح مصر.

التزمت إثيوبيا طوال السنوات الماضية عمليا بمبدأ عدم الإضرار، وفي المرات التي تصور فيها البعض أنها عجزت عن الملء بالصورة المخطط لها كان الهدف من وراء ذلك الاستجابة لمطالب مصر في زاوية عدم الإضرار دون التوقيع على اتفاق مُلزم لها، والذي يعد اللغز الذي تحرص أديس أبابا على عدم حل شفرته كي لا تنسف مخططاتها في حرية تصرفها لإقامة مشروعات سدود تعتزم تشييدها لاحقا.

يعد التفاهم وتغليب المصالح المشتركة نقطة إيجابية للمفاوض الإثيوبي، وأقل خسارة ممكنة لنظيره المصري الذي لم يأل جهدا في المباحثات على مدار السنوات الماضية، ولم يفلح انحياز المفاوض السوداني إليه بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في إقناع أديس أبابا أو الضغط عليها لتغيير ثوابتها المعلنة من سد النهضة.

يوحي الاتفاق بين البلدين على التفاوض بأنهما يرغبان في الحفاظ على استمرار العملية السياسية، لأن كلفة الاعتراف رسميا بانهيارها كبيرة على قيادتهما، فالرئيس السيسي مقدم على انتخابات رئاسية في غضون أشهر قليلة وربما تكون أزمة سد النهضة أحد المنغصات والقضايا التي يمكن أن يستغلها معارضوه للنيل من برنامجه، والعودة إلى المفاوضات قد تمنحه سلاحا للرد عليهم.

تقدم الصيغة الرضائية والهادئة التي بدا عليها رئيس وزراء إثيوبيا لمعاوني الرئيس السيسي فرصة لاستثمارها سياسيا في مخاطبة الداخل المصري، خاصة أن البيان المشترك المتعلق بالعودة إلى التفاوض صدر من القاهرة، وما تلاها من خطاب عاطفي تبناه آبي أحمد فجأة جرى التعامل معه على أنه اعتراف بقوة الموقف المصري وأن الصبر على مدار سنوات بدأت تظهر ملامحه الإيجابية.

كما أن آبي أحمد لا يستطيع مواصلة الدخول في خصومة مع مصر في ملف سد النهضة وهو يريد القيام بدور إقليمي كبير في وقف الحرب في السودان، ويسعى للبعد عن الصدام مع القاهرة فيها بعد تلميحات قالت إنه يدعم موقف قوات الدعم السريع، بينما مالت مصر منذ بداية الحرب إلى موقف الجيش السوداني.

يعلم رئيس وزراء إثيوبيا أنه لن يتمكن من تحقيق اختراق في أزمة السودان وهو في خلاف حاد مع مصر، فأراد تبريد العلاقات عبر القبول بالعودة إلى طاولة مفاوضات تظل نتائجها المستقبلية مجهولة طالما أنه لم يعلن عن تغيير جوهري في موقف بلاده، ما يجعل دوائر مصرية لا تعول كثيرا على حصد مكاسب من هذه العودة.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى