هآرتس – بقلم دمتري شومسكي - الطريق الى نكبة اخرى - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – بقلم دمتري شومسكي – الطريق الى نكبة اخرى

0 42

هآرتس – بقلم  دمتري شومسكي  – 13/1/2020

“هل من المحتم أن يكون القوميون الاسرائيليون المهووسون بالاغلبية اليهودية مستعدين لاستيعاب المواطنين العرب الجدد في بلادهم؟ أليس واضحا أن الطريقة الوحيدة لمنع نكبة اخرى هي تقسيم البلاد واقامة دولة فلسطينية قابلة للعيش الى جانب اسرائيل؟”.  

من الصعب عدم الاستغراب من التساذج الوقح في رد اسرائيل على بيان المدعية العامة في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، فاتو بنسودا، بأنه يوجد اساس لفتح تحقيق ضدها بتهمة ارتكاب جرائم حرب في المناطق. باعادة صياغة لاقوال المحامي دوففايسغلاس في حينه، أنه طالما أن الفلسطينيين لم يتحولوا الى فنلنديين فان عقد اتفاق سلام معهم غير وارد في الحسبان – يمكن القول إن اسرائيل الرسمية، كما يتبين مثلا من البيان الحازم للمستشار القانوني للحكومة، افيحاي مندلبليت، في الرد على بيان المدعية العامة – بدون شك اسرائيل تعتبر نفسها فنلندا، أو أي دولة اخرى لا تسيطر على شعب آخر: “اسرائيل هي دولة قانون ديمقراطية”، قال مندلبليت، “وهي ملزمة وتعمل على احترام القانون الدولي والقيم انسانية. هذا الالتزام استمر ويستمر بثبات خلال عقود عبر كل التحديات والازمات التي مرت بها اسرائيل. وهو متجذر في طابعها وفي قيمها… ويتم ضمانه عن طريق جهاز قضائي قوي ومستقل إسمه يسبقه في كل ارجاء العالم” (“هآرتس”، 21/12).

المثير للدهشة ليس تجاهل الاحتلال، بل العكس، سيكون من المبسط قليلا الادعاء بأن أمامنا انكار للاحتلال، ليس أكثر من ذلك. حتى لو كان واضحا أن اسرائيليين كثيرين، ولا نقول الاغلبية، يعتقدون بأن “المناطق” غير “محتلة”، بل “محررة” – حيث أن مندلبليت نفسه وايضا من وجهت اقواله لهم، يدركون جيدا حقيقة أن اسرائيل تتحكم بمصير ملايين الاشخاص الذين مكانتهم السياسية لا تساوي مكانة الحكام الاسرائيليين. ما يثير الدهشة حقا، وحتى يثير الرعب الكبير من اعلان مندلبليت، هو الموجود في طيات النص، الذي يقول إن تحكم اسرائيل بالفلسطينيين في المناطق والاستيطان الاسرائيلي المدني على اراضيهم، يعتبران عملا قانونيا وشرعيا كليا، ويتفقان مع “احترام القانون الدولي والقيم الانسانية”.

من المعروف أن اسرائيليين كثيرين، حتى لا نقول الاغلبية، على قناعة بأنه لا يوجد أي تناقض بين سلب حقوق المواطنة والقومية من الفلسطينيين وبين القيم الانسانية واحترام سلطة القانون. وهذا جزء من عدة تبريرات (“نحن نقوم بحمايتهم من داعش”، “نقدم لهم فرص عمل”، “لقد خرجنا من غزة”، وغيرها). ولكن يمكن الافتراض أن ممثلي اسرائيل الرسميين لم يكونوا ليتجرأوا على التفاخر بالالتزام بسلطة القانون والعدل بهذه الوقاحة لولا أنه ايضا في نظر اللاعبين الرئيسيين  في المجتمع الدولي، سحق الكرامة القومية والانسانية للشعب الفلسطيني اعتبر ظاهرة قانونية وشرعية وتتفق بشكل جيد مع المعايير القيمية والانسانية.

اجل يجب الاعتراف بأنه في العالم المسيحي الحالي بشكل عام وفي العالم الغربي بشكل خاص، مسألة الحقوق القومية للفلسطينيين تثير قدر غير قليل من الانزعاج الذي يتراوح بين هز الكتفين وحركة يد رافضة. في نظر نبلاء واثرياء العالم – المسيحيون في معظمهم – الشعب الفلسطيني يعتبر هراء تاريخي. شعب زائد، عائق امام اليوتوبيا الدينية اليهودية – المسيحية التي تمس الآن قلوب المزيد من المسيحيين في عالمنا ما بعد العلماني، وليس فقط قلوب افنغلستييترامب. لذلك، ليس من المدهش أن سلب الحريات الاساسية لهذا الشعب الزائد – الشعب المصمم الذي يرفض التنازل عن وطنه والاعتراف بالحقوق الحصرية لأهل الكتاب المقدس في ارض الكتاب المقدس – لا يعتبر خرق لـ “القانون الدولي والقيم الانسانية”. بالعكس، في هذه الرواية الدينية – السياسية فان النضال من اجل حرية هذا الشعب يمكن عرضها بسهولة كعمل غير اخلاقي – هكذا بالضبط يُعرض مرة تلو الاخرى مؤخرا في اطار المعادلة المثيرة للرعب، “معارضة الاحتلال والاستيطان تساوي اللاسامية”.

عندما يعتبر قمع واهانة شعب ما ظاهرة طبيعية ومعيارية من ناحية دينية، في حين أن الاحتجاج ضدهم يوصف كمس بالنظام العالمي السليم – فان هذا الشعب يكون واقعا تحت خطر وجودي. وفي الحقيقة يصعب التصديق بأن الترانسفير الجزئي للشعب الفلسطيني الذي كان يتم تبريره جيدا بمزيج من المبررات الامنية والاخلاقية “مناهضة للاسامية”، كان سيثير الآن معارضة كبيرة من قبل المجتمع الدولي. لذلك، في الوقت الذي يناقش فيه البروفيسور يهودا باور اذا كان معنى حق العودة هو ابادة جماعية في جوهره (“هآرتس”، 4/7) فانه من المحتمل أننا نوجد الآن على بعد شعرة من التطهير العرقي للفلسطينيين.

هل قيادة السلطة الفلسطينية التي تتخيل أنها تقف على رأس دولة كاملة تشعر بالخطر الذي يحدق بشعبها ازاء تشويش معايير الاخلاق السياسية الدولية في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية؟ هل تشعر بأن نشطاء الـ بي.دي.اس، الفلسطينيون وغير الفلسطينيون، بدعوتهم الغبية وغير الاخلاقية من الجامعات الغربية المريحة ضد حق اسرائيل في الوجود، يقومون بشحن دواليب الدعاية الاسرائيلية التي تبث الخوف من الفلسطينيين؟ وماذا بخصوص جميع اعضاء اليسار في اسرائيل الذين يدعون، سواء بتحمس أو بيأس، من اجل اقامة الدولة الواحدة بين النهر والبحر؟ ألا يعرفون أن هذه الدولة يمكن أن تظهر مثل شرك لتهجير الشعب الفلسطيني، حيث أنه في نهاية المطاف هل من الحتمي أن يكون القوميون الاسرائيليون المهووسون بالاغلبية اليهودية مستعدين لاستيعاب المواطنين العرب الجدد في بلادهم؟ أليس واضحا أن الطريقة الوحيدة لمنع نكبة اخرى هي تقسيم البلاد واقامة دولة فلسطينية قابلة للعيش الى جانب اسرائيل؟.

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.