أقلام وأراء

د. عمرو حمزاوي: ما بعد الحرب… تفكيك الصراع بين العرب وإيران

د. عمرو حمزاوي 14-4-2026: ما بعد الحرب… تفكيك الصراع بين العرب وإيران

في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، لم يعد ممكنًا التعاطي مع قضايا الأمن والاستقرار بمنطق الدولة المنفردة أو عبر استدعاء تحالفات ظرفية ومؤقتة. فالتحديات التي تواجه الدول العربية اليوم تتسم بالتشابك والتعقيد، وتتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية لتطال بنية النظام الإقليمي بأسره. من هنا تبرز ضرورة التفكير الجاد في ترتيبات جماعية للأمن والاستقرار، ترتكز إلى تعاون عربي-عربي وثيق، وتنفتح في الوقت ذاته على علاقات استراتيجية وأمنية متوازنة مع أطراف إقليمية ودولية، بما يحقق المصالح المشتركة ويقلل من احتمالات الصراع.

لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن الاعتماد على القوى الخارجية وحدها لضمان الأمن لم يكن خيارًا ناجحًا على المدى الطويل. فهذه القوى، مهما بدت ملتزمة، تحكمها في نهاية المطاف حسابات مصالحها الخاصة، وقد تعيد ترتيب أولوياتها أو تنسحب من أدوارها في لحظات مفصلية، تاركة فراغًا أمنيًا خطيرًا. كما أن الرهان على الردع العسكري وحده، دون بناء منظومة تعاون إقليمي، يؤدي في كثير من الأحيان إلى سباقات تسلح واستقطابات حادة، تزيد من احتمالات المواجهة بدلًا من تقليصها.

في المقابل، فإن بناء ترتيبات جماعية للأمن العربي يتيح للدول العربية أن تتحول من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، وأن تبلور رؤية مشتركة لمصادر التهديد وكيفية التعامل معها. وهذا يتطلب، أولًا، الاعتراف بأن الأمن في المنطقة هو أمن مترابط، وأن استقرار أي دولة عربية يتأثر، سلبًا أو إيجابًا، بما يجري في الدول الأخرى. كما يتطلب، ثانيًا، تطوير آليات مؤسسية للتشاور والتنسيق، سواء في المجالات السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية، بما يسمح بإدارة الأزمات بشكل جماعي ويحد من تداعياتها.

غير أن الحديث عن ترتيبات جماعية للأمن لا يمكن أن يقتصر على الفضاء العربي وحده، بل ينبغي أن ينفتح على الإقليم بمكوناته المختلفة، وعلى النظام الدولي. فالجغرافيا السياسية للشرق الأوسط تفرض تداخلًا عميقًا بين الدول العربية وغير العربية، كما أن قضايا الأمن في المنطقة، مثل أمن الممرات المائية والطاقة ومكافحة الإرهاب ومنع انتشار الأسلحة، تتطلب تعاونًا واسع النطاق. ومن ثم، فإن بناء علاقات استراتيجية مع أطراف إقليمية ودولية ينبغي أن يكون جزءًا لا يتجزأ من أي رؤية عربية للأمن الجماعي.

في هذا السياق، تبرز أهمية إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إيران. فالتوترات والصراعات التي طبعت هذه العلاقة في العقود الأخيرة لا يمكن إنكارها، كما لا يمكن التقليل من المخاوف المشروعة لدى العديد من الدول العربية إزاء السياسات الإيرانية. غير أن تحويل هذه المخاوف إلى قناعة راسخة باستحالة التعايش، أو إلى خطاب يقوم على استدعاء سرديات العداء التاريخي بين العرب والفرس، لا يسهم في بناء الأمن، بل يعمق الانقسامات ويغلق أبواب الحلول.

إن التاريخ، مهما حمل من صراعات، لا ينبغي أن يكون سجنًا للحاضر والمستقبل. فالمنطقة شهدت أيضًا فترات من التفاعل والتعاون بين العرب والفرس، كما أن العلاقات بين الشعوب لا تختزل في صراعات الأنظمة أو تنافساتها. والأهم من ذلك أن التحديات الراهنة، من أزمات اقتصادية إلى تهديدات بيئية وأمنية، تفرض على جميع الأطراف البحث عن مساحات مشتركة للتعاون بدلًا من الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.

من هنا، فإن المطلوب ليس تجاهل الخلافات مع إيران أو التقليل من خطورتها، بل إدارتها ضمن إطار سياسي ودبلوماسي يسعى إلى تقليل التوترات وبناء الثقة تدريجيًا. ويمكن في هذا الإطار العمل على ملفات محددة تشكل مصالح مشتركة، مثل أمن الملاحة في الخليج، واستقرار أسواق الطاقة، ومكافحة التنظيمات المتطرفة، بما يفتح الباب أمام حوار أوسع حول قضايا أكثر حساسية. كما أن الانخراط في ترتيبات إقليمية تضم إيران ودولًا عربية وأطرافًا دولية يمكن أن يوفر آليات لضبط السلوك وتفادي التصعيد.

في الوقت ذاته، ينبغي أن يكون الانفتاح على إيران جزءًا من رؤية أوسع للعلاقات الإقليمية، تشمل أيضًا تركيا، وفقًا لمصالح كل دولة عربية وحساباتها. فالأمن الجماعي لا يقوم على استبعاد أطراف بعينها، بل على إيجاد توازنات تتيح الحد من الصراعات وتعزيز فرص التعاون. وهذا يتطلب قدرًا عاليًا من البراغماتية السياسية، والابتعاد عن المقاربات الأيديولوجية التي تقسم المنطقة إلى معسكرات متناحرة.

أما على المستوى الدولي، فإن بناء علاقات استراتيجية مع قوى كبرى ينبغي أن يتم على أساس تنويع الشراكات، وتجنب الارتهان لطرف واحد. فالتعددية في العلاقات الدولية تتيح للدول العربية هامشًا أكبر من الحركة، وتمكنها من تحقيق توازن في علاقاتها بما يخدم مصالحها. كما أن الانخراط في المؤسسات الدولية والإقليمية، والمساهمة الفاعلة في صياغة قواعد النظام الدولي، يعزز من قدرة الدول العربية على حماية مصالحها والدفاع عن قضاياها.

غير أن كل ما سبق يظل مرهونًا بوجود إرادة سياسية عربية حقيقية لتجاوز الخلافات البينية، وبناء حد أدنى من التوافق حول أولويات الأمن والاستقرار. فبدون هذا التوافق، ستظل أي مبادرات للتعاون عرضة للتعثر، وسيبقى النظام الإقليمي عرضة للاختراقات والتجاذبات. ومن هنا، فإن إصلاح العلاقات العربية-العربية، وتعزيز الثقة بين الدول، يشكلان شرطًا أساسيًا لنجاح أي مشروع للأمن الإقليمي الجماعي.

كما أن الأمن لا ينفصل عن التنمية. فالدول التي تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة تكون أكثر عرضة للاضطرابات الداخلية، وأقل قدرة على مواجهة التحديات الخارجية. ومن ثم، فإن ترتيبات الأمن الجماعي ينبغي أن تتضمن أيضًا أبعادًا اقتصادية وتنموية، تقوم على تعزيز التكامل بين الاقتصادات العربية، وتطوير البنى التحتية المشتركة، وخلق فرص عمل، بما يسهم في تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.

في النهاية، فإن البحث عن ترتيبات جماعية للأمن والاستقرار في العالم العربي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة التحديات الراهنة. غير أن هذا البحث لن يؤتي ثماره إذا ظل أسيرًا لرؤى تقليدية تقوم على الإقصاء والصراع الصفري، أو إذا استمر في استدعاء سرديات تاريخية تعمق الانقسامات. المطلوب هو تبني رؤية جديدة، واقعية وبراغماتية، تعترف بتعدد الفاعلين في المنطقة، وتسعى إلى إدارة الخلافات بدلًا من تأجيجها، وتضع أسسًا لتعاون إقليمي ودولي يحقق الأمن والاستقرار للجميع.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى