أقلام وأراء

د. مروان إميل طوباسي: حين يَخسر أوربان، هل يبدأ العَد التنازلي لنتنياهو؟

د. مروان إميل طوباسي 14-4-2026: حين يَخسر أوربان، هل يبدأ العَد التنازلي لنتنياهو؟

لم تكن الخسارة التي تعرض لها فيكتور أوربان شأناً مجرياً (هنغارياً) داخلياً فقط، فالرجل لم يكن مجرد رئيس حكومة في تلك البلاد، بل أحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي عالمياً، وصاحب نموذج “الديمقراطية غير الليبرالية” داخل الاتحاد الأوروبي ، بل ومصدّراً رمزياً لها خارج أوروبا . لذلك ، فإن تراجع موقعه رغم ان الفائز بالانتخابات يبقى من حلفائه مع بعض التباين ، يطرح سؤالاً حول بدأ انحسار هذه الموجة التي تصاعدت خلال السنوات الماضية ، أم أنها تعيد تشكيل نفسها تحت ضغط الوقائع ؟
لسنوات ، شكل أوربان رأس حربة في تحدي مؤسسات الاتحاد الأوروبي ، ومرجعية سياسية لتيارات يمينية شعبوية صاعدة ، من البرازيل مع الخاسر جايير بولسينارو، إلى دونالد ترامب في الولايات المتحدة الذي تتراجع أصواته بنتيجة سياسة الحروب ودعم أسرائيل والاوضاع الداخلية ، مروراً بخطابات الهوية القومية في أوروبا ، وصولاً إلى نماذج يمينية محافظة متشددة مثل جورجيا ميلوني ، والفرنسية ماري لوبان وآخرين كما متسوتاكيس باليونان . حيث تداخل هذا المسار مع خطاب مناهض للهجرة ، وصعود نزعات محافظة ، وابتداع سرديات ثقافية-دينية مثل “المسيحية الأوروبية” التي التقت ، في بعض تجلياتها السياسية مع المسيحية الصهيونية.

غير أن قراءة خسارة أوربان لا تكتمل دون وضعها في السياق الاوسع الذي أشرت له ، فهذه الموجة لم تتراجع دفعة واحدة ، بل تتعرض لاختبارات متباينة . وهذا يشير إلى أن ما نشهده ليس انهياراً كاملاً لتيار ، بل إعادة تموضع له تحت ضغط الأزمات الاقتصادية وخاصة في قطاع الطاقة واسعار السلع والخدمات ، بنتيجة حرب أوكرانيا بالوكالة ضد روسيا والحرب الإقتصادية ضد الصين كما وإلى العدوان ضد إيران ولبنان وقبلها الإبادة في غزة ، وتوترات الهجرة، وتبدلات المزاج الاجتماعي داخل المجتمعات الغربية.

خسارة أوربان لا تعني نهاية اليمين المتطرف الشعبوي ، لكنها تعني نهاية مرحلة من الخطاب الصدامي الصاخب ، وبداية انتقال نحو براغماتية أكثر حذراً لإعادة إنتاج نفسها داخل النظام السياسي القائم . وهذا التحول ، وإن بدا أوروبياً ، إلا أنه يحمل أصداء تتجاوز القارة العجوز إلى خرائط السياسة العالمية وبدايات التحولات الجارية بالنظام الدولي من ما نشاهده اليوم برفض دول أوروبية وعالمية في رفض العدوان الامريكي الإسرائيلي على إيران ولبنان ، كما عدم قبول المشاركة في حصار الموانئ الايرانية ومضيق هرمز الذي ابتدأ اليوم ، بالرغم من انه كان مفتوحا قبل العدوان للملاحة الدولية .

في هذا الإطار ، تبدو التداعيات على بنيامين نتنياهو واضحة ، فقد شكل أوربان حليفاً سياسياً وأيديولوجياً له ، وغطاءً داخل الاتحاد الأوروبي حالَ دون تشكل مواقف أكثر صرامة تجاه سياسات إسرائيل وجرائمها . وبالتالي ، فإن تراجع موقعه يعني بدرجة أو بأخرى ، تقلص هامش المناورة أمام نتنياهو داخل أوروبا ، واحتمال بروز مواقف أكثر تشدداً في ملفات الأستيطان والضم والحرب المستمرة على غزة ، وعلى عموم الإقليم .

فالعالم الذي سمح بصعود خطاب “القوة بلا قيود” بدأ يواجه نتائج هذا المسار . ومن بودابست إلى واشنطن مروراً بتل أبيب، يبدو أن هذا النموذج بات أمام اختبار حقيقي ، ليس فقط في صناديق الاقتراع ، بل في قدرته على الاستمرار داخل بيئة دولية أكثر اضطراباً وأقل تسامحاً مع المغامرات السياسية المفتوحة التي تهدد الاقتصاد والامن والسلم الدوليين .

بالنسبة القوى التقدمية حول العالم المناهضة لسياسات اليمين الفاشي والامبريالية الأمريكية الإسرائيلية اليوم ، ولنا نحن الفلسطينيين ، فأنه لا يكفي رصد هذا التحول أو الاكتفاء بملاحظته ، فالتغير في المزاج الدولي لا يمنح حقوقاً تلقائية ، لكنه يفتح نوافذ سياسية نادرة تتطلب قراءة دقيقة واستثماراً واعياً لمصلحة قضايا العدالة والتحرر والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، بما فيها قضية شعبنا الذي أكتوى بمواقف وسياسات اليمين حول العالم . فالتاريخ لا يمنح الفرص بشكل متكرر ، بل يمرّ بها مرة واحدة غالباً لمن يحسن التقاطها .

قد لا تكون خسارة أوربان مجرد خبر أوروبي عابر ، بل إشارة إلى بداية تضييق المساحات أمام سياسات اليمين المتطرف في أكثر من ساحة ، ومنها السياسات التي يقودها نتنياهو .

فهل نمتلك نحن واصدقاؤنا حول العالم القدرة على تحويل هذا التحول إلى فرصة سياسية فعلية ، أم سنتركه يمر كما مرت محطات كثيرة دون استثمار حقيقي في لحظتها التاريخية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى