خمسة أسباب تبرر عدم مهاجمة إيران - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

خمسة أسباب تبرر عدم مهاجمة إيران

0 273


مركز الناطور للدراسات والابحاث

يتوقع أن تصبح إيران خصماً أقوى من أي طرف آخر واجهته الولايات المتحدة منذ عقود، ويجب أن تتردد الولايات المتحدة كثيراً قبل إطلاق أي ضربة عسكرية ضدها، فإيران تملك أقوى جيش تواجهه واشنطن وهي لا تشبه غرينادا، أو بنما، أو الصومال، أو هايتي، أو البوسنة، أو صربيا، أو أفغانستان، أو العراق بأي شكل.

 بعد أن أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير الدفاع ليون بانيتا إقرار تخفيضات كبرى في ميزانية وزارة الدفاع قريباً، فإن مؤيدي خيار استعمال القوة، الذين يسعون إلى منع إيران من تطوير أسلحة نووية بأي ثمن، يفتقرون إلى “الإمكانات” اللازمة التي يمكن أن يعتمدوا عليها.

وبعد أن يتقلص حجم الجيش الأميركي بواقع 80 ألف جندي تقريباً، وبما أن التخفيضات الواسعة ستؤثر في الفروع الحيوية المختلفة، فقد تصبح “عملية الحرية الإيرانية” مستبعدة أكثر مما كان يتمنى مؤيدو استعمال القوة سابقاً.

لا شك أن تراجع احتمال حصول مواجهة عسكرية مع إيران يُعتبر خبراً سيئاً بالنسبة إلى من شعروا بالقلق من تصريح الوزير بانيتا الذي أعلن الشهر الماضي أن إيران قد تحصل على سلاح نووي قبل نهاية عام 2012 (مع أن هذا الأمر كان مستبعداً).

 وبينما يقل عدد الأشخاص الذين يؤيدون فكرة تسلح إيران نووياً من خارج النظام الإيراني، فلا شك أن أي قرار قد يؤدي إلى اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية يستحق نقاشاً معمّقاً أمام الشعب الأميركي. غير أن الاكتفاء بقرع طبول الحرب بشكلٍ صاخب من أجل قمع الأصوات المعارِضة هو حل بديل هش عن النقاش الحقيقي والفاعل.

لا بد من التعمق بخمس نقاط أساسية قبل أن يختار صانعو القرار الخطوة التي ستتخذها الولايات المتحدة، إذ تحتل هذه النقاط أهمية خاصة مع اقتراب انتخابات عام 2012 ومع تزايد الدعوات إلى تفضيل الحل العسكري:

 

 

أولاً، تملك إيران أقوى جيش تواجهه الولايات المتحدة منذ عقود. ولا تشبه إيران غرينادا، أو بنما، أو الصومال، أو هايتي، أو البوسنة، أو صربيا، أو أفغانستان، أو العراق بأي شكل. في جميع هذه البلدان، هزم الجيش الأميركي خصماً يعجز عن مضاهاة القوات الأميركية البرية والبحرية والجوية المتفوقة في مجالها، أما الجيش الإيراني، فهو أكثر كفاءة بكثير ويملك إمكانات أكبر، ولا شك أنه فهم طبيعة الاستراتيجيات الأميركية بعد مراقبة الحرب في العراق طوال عقد من الزمن.

على سبيل المثال، تبرع البحرية الإيرانية المنظمة في القتال الساحلي، وقد تكون قادرة على إغلاق مضيق هرمز لمدة تكفي لزعزعة الاقتصاد. تجسد التدريبات البحرية الأخيرة التي قامت بها البحرية الإيرانية استراتيجية واضحة قد تسعى إلى إغلاق المضيق تزامناً مع محاولة إغراق سفن القتال الأميركية التي تدخل إلى تلك المنطقة، وسيؤدي هذا الوضع إلى خسائر كبرى بالنسبة إلى قطاع الشحن التجاري وإلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية.

 في ما يخص خيار الحرب، قد يؤدي نشر أنظمة دفاعية جوية في بلدان مثل إيران إلى منحها أحد أفضل الأنظمة الدفاعية المضادة للطائرات التي يمكن أن تواجهها الولايات المتحدة في ساحات القتال، وقد تتمكن تلك الأنظمة من إلحاق الخسائر بالقوة الجوية الأميركية بشكل غير مسبوق منذ حرب فيتنام، ونظراً إلى تراجع إمكانات القصف، فقد تكون الخسائر كبيرة بشكل غير مقبول.

على عكس العراق، لن يسلم الجيش الإيراني النظامي والحرس الثوري الإيراني أسلحتهما فور رؤية القوات الأميركية الميدانية، فقد راقب الطرفان، أكثر من أي عنصر آخر في النظام، أحداث أفغانستان والعراق لاستخلاص الدروس حول كيفية هزم الأميركيين.

ثانياً، تُعتبر وزارة الاستخبارات والأمن الوطني (جهاز التجسس الإيراني) من بين الأجهزة الأكثر كفاءة في العالم. طوال الثلاثين سنة الماضية، نجح عملاء وزارة الاستخبارات والأمن الوطني في مطاردة واغتيال المعارضين والمسؤولين السابقين في عهد الشاه، وفي مكافحة التهديدات الحقيقية أو المحتملة التي يواجهها النظام.

 لاتزال وزارة الاستخبارات والأمن الوطني قادرة على تنفيذ الاغتيالات وعمليات التجسس وغيرها من الاعتداءات المتنقلة ضد الحكومات والأهداف المدنية، إذ يستعين جهاز التجسس على الأرجح بعملاء سريين في الولايات المتحدة أيضاً.

صحيح أن المعلومات ليست وافية في هذا المجال، لكن تبرز بعض الأسباب التي تدفعنا إلى الاعتقاد بأن منصور أرباب سيار (الإيراني الذي اتُّهم بمحاولة التعامل مع تجار مخدرات لاغتيال السفير السعودي على الأراضي الأميركية) كان مرتبطاً بوزارة الاستخبارات والأمن الوطني. صحيح أن تلك الجهود أُحبطت في الوقت المناسب، ولكنها تشير إلى أي درجة ستكون وزارة الاستخبارات والأمن الوطني مستعدة للتمادي في عملياتها.

 كانت وزارة الاستخبارات والأمن الوطني معروفة أيضاً باستهداف المغتربين الإيرانيين واعتقال أفراد عائلاتهم وتعذيبهم جسدياً، وقد يصبح بعض الأميركيين الإيرانيين (مجموعهم مليون أو مليون ونصف نسمة) أهدافاً لهذه الاستراتيجيات.

ثالثاً، يستطيع “حزب الله” المدعوم من إيران شن اعتداءات كثيرة بما يفوق قدرات “القاعدة” نفسها، فبعد ثلاثة عقود على اكتساب الخبرة من محاربة الإسرائيليين في لبنان وشمال إسرائيل، يُعتبر “حزب الله” شبكة دولية قادرة على تنفيذ اعتداءات واسعة النطاق ضد الولايات المتحدة ومصالحها في الخارج، وذلك نظراً إلى ارتباطه المزعوم باتحاد تجارة المخدرات في أميركا اللاتينية.

يُقال إن خلايا “حزب الله” تنشط في الولايات المتحدة، وأوروبا، وأميركا اللاتينية، وأماكن أخرى، ما يجعل من هذه المنظمة تهديداً فعلياً وليس افتراضياً. بعد قصف الثكنات البحرية الأميركية (بيروت، عام 1983)، وقصف مقر الرابطة الأرجنتينية الإسرائيلية المشتركة (بوينس آيرس، عام 1994)، وقصف أبراج الخُبَر (المملكة العربية السعودية، عام 1996)، فضلاً عن تنفيذ اعتداءات كثيرة أخرى برعاية الحزب، سجّل “حزب الله” تاريخاً حافلاً بالإرهاب العالمي. في حال هاجم الجيش الأميركي إيران، من المتوقع أن يطلق “حزب الله” سلسلة من الاعتداءات المضادة التي يصعب إحباطها أكثر من عمليات “القاعدة”.

رابعاً، تُعتبر إمكانات إيران الإلكترونية مثيرة للإعجاب وهي تشهد تطوراً متزايداً، ومن المتوقع أن يؤدي أي اعتداء على البنى التحتية النووية الإيرانية إلى شن اعتداء إلكتروني مضاد وغير مسبوق. وسيستهدف هذا الاعتداء على الأرجح بيانات مهمة في القطاعين العام والخاص وسيسعى إلى نشر الفوضى وتعطيل الأنظمة وتدمير البيانات.

خامساً، بعد عشر سنوات على تنفيذ العمليات القتالية المكثفة، يستحق الجيش الأميركي استراحة من الحرب، فقد أرهقت حربا أفغانستان والعراق المقاتلين الأميركيين وعائلاتهم واستنزفتا المعدات التي يعتمدون عليها. قد يؤدي أي “اعتداء محدود” على إيران إلى تصعيد الوضع ونشوب حرب أوسع، ما يصعّب على الجيش الاستفادة من الراحة لإعادة شحن طاقته.

 عند التفكير باحتمال استعمال القوة العسكرية ضد إيران، يجب أن تدرك الجهات المعنية وجود مصالح مهمة على المحك، إذ يعتبر النظام الإيراني أنه يحارب في سبيل صموده، لكن تبقى المجازفة أقل بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

 حتى الضربة المستهدفة ضد منشآت إيران النووية ستستدعي رداً يتجاوز أهداف الولايات المتحدة “المحدودة”، وقد يؤدي الانسحاب الأميركي من العراق وتقليص حجم القوات العسكرية في أفغانستان (يقع البلدان في غرب وشمال إيران على التوالي) إلى حث القيادة الإيرانية على إبطاء عملية تطوير “قنبلة شيعية”، لكن سيساهم أي اعتداء استراتيجي تشنه الولايات المتحدة في تعزيز التعنت الإيراني وترسيخ أسوأ مخاوف النظام.

تشكل خطابات محمود أحمدي نجاد العدائية استعراضاً سياسياً ممتعاً، فغالباً ما تكون تلك التصريحات مجرد كلام شفهي، لكن يخطئ من يظن أن أحمدي نجاد سيكتفي بالتهديد الشفهي من دون تنفيذ أقواله في المرحلة المقبلة، بل يحرص النظام الإيراني على تجنب المخاطر أكثر مما يظن البعض. يُعتبر صمود النظام مسألة بالغة الأهمية وهي تفسر سلوك النظام راهناً، وقد يؤدي استنزاف صبر النظام إلى تحويل التهديدات الفارغة إلى واقع ملموس، ولا شك أنه سيضعف أي جهد يبذله الرئيس باراك أوباما لتوفير الأموال في ميزانية الدفاع.

في نهاية المطاف، قد يتبين أن إيران هي أقل قدرة مما وصفتُها، وقد يكون الصراع العسكري مع إيران أقل كلفة (من الناحية البشرية والمالية) من جميع التوقعات، لكن لا بد من مقاربة جميع الخيارات قبل اللجوء إلى الصراع العسكري من أجل التوصل إلى أفضل الحلول.

من الضروري أن تحدد الولايات المتحدة قيمة إيران التي تخلو من الأسلحة النووية، ولو أن الأميركيين فهموا تكاليف حرب العراق قبل اندلاعها، لما أبدوا موافقتهم عليها بأي شكل. نظراً إلى المشقات الاقتصادية الراهنة في الولايات المتحدة، لا يمكن السماح بتكرار الأمر نفسه .

 

Adam Lowthe r -The Diplomat

ترجمة القوة الثالثة * 13/1/2012

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.