جواد بولس يكتب - عندما بكت «عدالة» في المحكمة العليا الإسرائيلية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

جواد بولس يكتب – عندما بكت «عدالة» في المحكمة العليا الإسرائيلية

0 93

جواد بولس – 14/2/2020

أجازت «محكمة العدل العليا» الإسرائيلية في التاسع من الشهر الجاري ترشيح النائبة هبة يزبك ضمن لائحة «القائمة المشتركة» الانتخابية، في الانتخابات المقبلة للكنيست الإسرائيلي، في قرار صاخب ولافت، شارك في صياغته تسعة من أعضائها، حيث اصطف خمسة قضاة منهم لصالحها، في حين عارضهم أربعة، برزت من بينهم رئيسة المحكمة استر حايوت.

تستحق تداعيات هذه القضية مراجعة شاملة ومستفيضة؛ فهي، بنظري، تثير جملة من التساؤلات الخطيرة حول سلوكيات معظم القادة السياسيين الناشطين بيننا، ومعهم عدد من مؤسسات المجتمع المدني وجمعياته «غير الحكومية»؛ وتكشف، في الوقت نفسه، عمق الهوة القائمة بين «الحقيقة الفوقية» الزائغة، وما يستهلكه الناس من بضاعات سياسية تلقّم لهم بنمطية مدجِّنة.

يقدم «عدالة – المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل» خدمات قانونية جليلة للمجتمع العربي في الدولة؛ وهو يقوم بمهماته وفق استراتيجيات عمل متوافق عليها مع موكليه؛ لكنه يبقى، كما يتضح من اسمه، ذا مكانة عامة مميزة، تمنحه قوة تأثير كبيرة يجب إخضاعها، من حين إلى آخر، للمناقشة الواسعة والتقييم، بمسؤولية ومهنية وموضوعية. قام المركز بتمثيل النائبة هبة يزبك أمام محكمة العدل الإسرائيلية، بعد أن قررت لجنة الانتخابات العامة شطب ترشيحها، بتهم مستفزة مثل دعمها للكفاح المسلح ضد دولة إسرائيل. أرفق المركز بالالتماس تصريحا مشفوعا بقسم النائبة،حاولت فيه دحض التهم الموجهة إليها، بعد أن طالبها المستشار القانوني للدولة بتوضيح مواقفها أزاء مسألة استعمال العنف، والحق في استعمال الكفاح المسلح، وموقفها من قضية قتل الجنود الإسرائيليين. رفض المستشار القانوني للحكومة، بعد اقتناعه بتوضيحات النائبة وتبريراتها، تأييد شطبها من الترشح ضمن القائمة المشتركة، وعبّر عن موقفه الداعم لترشيحها، أمام المحكمة العليا.

استعرض التماس «عدالة» رزمة من الادّعاءت القانونية العامة، ودعّمها بمواقف النائبة التي أوردتها في تصريحها، وأتت فيه على تفنيد «التهم» التي وجهها لها أعضاء الأحزاب اليمينية.

رغم أهمية مناقشة تداعيات القضية وانعكاساتها على حياتنا اليومية، لاسيما على علاقتنا بجهاز القضاء الإسرائيلي، وما يتعلق بأخلاقيات العمل السياسي بيننا، قررت ألا أتعرض لها بالتفصيل في هذه المقالة؛ لأنني، ببساطة، أخشى من تأثير مناقشتها السلبي على»شهية» الناخبين العرب، الضعيفة أصلًا، على الاقتراع، رغم أننا على مسافة عشرين يومًا فقط من موعد الانتخابات. لن يختلف اثنان على أن الجهاز القضائي في إسرائيل، وعلى رأسه المحكمة العليا، عملوا بشكل واضح كأدوات تخدم بمنهجية سياسات الدولة القمعية ضدنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل. ولئن مارست تلك المحاكم، في الماضي، عنصريتها ضدنا بنوع من الخبث والحذر، نجدها، منذ سنوات، تفعل ذلك بسفور وبدون أقنعة، وبلا مساحيق تجميل.

لم أكن أنا شخصيًا بحاجة لقراءة قرار المحكمة، المكون من ثمانين صفحة، كي أخلص إلى أننا نلهث على خطوط النهاية المدوّية؛ أو أننا نختنق، عمليًا، في بطن الحوت، وليس كما جاء في تعقيب «مركز عدالة»، المكتوب بأدب ودبلوماسية حريرية، فحسب؛ إذ صرحوا، بأنه رغم «المصادقة على ترشح النائبة يزبك، بفارق صوت واحد، فإن رأي أقلية القضاة في الحكم القضائي يثير قلقًا شديدًا، إذ أنه لا يكترث بالأسس التي تم تحديدها في سوابق قضائية منذ 20 عامًا، ويضع مستقبل التمثيل السياسي للمواطنين العرب في خطر»!

“لمركز «عدالة» مكانة مميزة، تمنحه قوة تأثير كبيرة يجب إخضاعها للمناقشة الواسعة والتقييم، بمسؤولية ومهنية وموضوعية “.

وكانت لجنة الانتخابات المركزية قد اعتمدت، في قرار شطبها، على مجموعة «بوستات» كانت قد ألصقتها النائبة يزبك، خلال سنوات سابقة، في مناسبات مختلفة على صفحتها الخاصة؛ ومنها مثلًا ما نشرته بعد اغتيال الأسير المحرر سمير قنطار، وآخر استذكرت فيه روح الشهيدة دلال المغربي. واعتمدت اللجنة كذلك على بعض تصريحاتها الاعلامية التي جرى توظيفها، بوقاحة من قبل اليمين، لتظهر وكأنها تدعم فيها قتل الجنود الاسرائيليين – فتبنتها اللجنة. لن أتطرق إلى حيثيات القضية، كما تقدّم في البداية، لكنني أود أن أؤكد على أن الوضع أخطر بكثير مما تحاول «عدالة» أن تصفه؛ فقرار المحكمة برمته ينذر بالأخطر، وهو يعرّي على الملأ آخر درجات هاويتنا الوشيكة، وليس فقط «مستقبل تمثيلنا السياسي»، كما جاء في بيان مركز عدالة. فالقضية، برأيي، لا تقف عند ما كتبه «قضاة الأقلية»؛ والمصيبة لا تختصر «بمشاعر القلق» التي تحدثوا عنها؛ فمن مثل»عدالة» تعرف الحقيقة، ومن مثل محاميها يستطيع تقدير حجم القرابين التي قدمتها النائبة يزبك، أمام القضاة، على مذابح المبدئية والحق؛ كي لا تنزع الشرعية «عن وجودنا وتاريخنا وسياقاتنا وتجريمها» وذلك كما صرحت هي، بوجع، بعد أن «انصفها» عدل مقصلة إسرائيل المخاتل.

لا أكتب كي أزايد على أحد؛ فقد قلت قبل ثمانية أعوام، عندما شطبوا ترشيح النائبة حنين زعبي، زميلة هبة في حزب التجمع، ثم «أنصفها» «سيف صهيون»، أننا نعيش في حالة « أنوماليا» رهيبة، نكون فيها مجبرين على التماس العدل من «ظبية» الجلاد، وعلى دفع أثمان العاجزين الذين تكون أحلامهم «ورطات» وتصير أصباحهم أكوام سراب. لقد أهبت، منذ سنوات، بفلسطينيي الأراضي المحتلة، أن يقاطعوا المحكمة العليا الإسرائيلية؛ فهم، كشعب يرزح تحت الاحتلال، غير مجبرين إلى اللجوء اليها مثلنا؛ أما نحن، المواطنين في الدولة، فمن حقنا أن نطالبها بالعدالة وبالمساواة وبالعيش بكرامة وبأمان.

تضيق الهوامش أمامنا وتوصد جميع المنافذ؛ ولا يشذ عن ذلك جهاز القضاء وعلى رأسه المحكمة العليا، التي هاجمتها وسكنتها قوى الظلام؛ فيكفي أن نقرأ سير قضاتها الحاليين، لنتنبأ بأحكامهم الأكيدة، تمامًا كما حصل في قضية النائبة يزبك. لن اتطرق إلى تناهيد الوجع، كما نطقت بها الكلمات وتلقفها كل واحد من القضاة التسعة؛ لكنني أعرف أن ما كان صحيحًا قبل 20 عامًا لم يعد صالحًا في زمن الجراد؛ واعرف، كذلك، بعد أن قرأت قرار القضاة، انه لولا اللجوء إلى سحر «الحيلة» ولبسها، لما ابتلع «قضاة الأكثرية»، طوعاً، حبة الوهم، ولما قبلوا أن تتحول دلال المغربي من عروسة الشهيدات، ورمز المقاومة الفلسطينية إلى وسيلة ايضاح استحضرها ذلك «البوست» كرمز مجازي لدور المرأة في يوم عيدها العالمي؛ ولولا الاحتماء في إشراقات التبرير وعبثه، لما قبل حكماء «الاوليمب» أن يُجدل وعد سمير قنطار محرمة بيضاء على عصا رفعت على صفحاتنا الفيسبوكية احتجاجًا ضد الاغتيالات السياسية.

هذا القرار أكثر من مقلق فهو موجع ومستفز. لكن لتيه العرب في اسرائيل أثمان، ولدخولهم إلى «قصر المواطنة» شعاب وحيَل؛ فنحن، هكذا تكلمت ابنة الحكمة الفلسطينية باسم «التقية» في معابد بني صهيون، نؤمن بحق الشعوب أن تعمل من أجل حريتها، ونؤمن أيضًا أن لكل شعب حقه في تقرير مصيره؛ لكننا نفرق، صدقوها أو لا تصدقوها، بين هذا الحق ودعواتنا لتحقيقه عن طريق القتل والعنف الذي لا نرضاه بحق أي شخص، كان من كان؛ سواء كان جنديا ببدلته العسكرية أو بدونها، أو كان مجرد مدني. لقد صدقها خمسة قضاة، وأربعة، لا يحبون السحر، سينتظرون العدل مثلنا في آذار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.