شؤون اقليمية

تقرير عن معهد واشنطن – مناورات “الرسول الأعظم” الإيرانية الأحدث أقل استعراضاً من سابقاتها

معهد واشنطن – فرزين نديمي – 28/2/2017

في 21 شباط/فبراير، اختتم «فيلق الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني مناورة “الرسول الأعظم 11″، في إطار سلسلة من الاستعراضات العسكرية السنوية التي تنطوي عادةً على إطلاق صواريخ حديثة ومتطورة وإجراء مناورات للأسطول البحري واختبارات علنية على نحو كبير لأسلحة جديدة، وغيرها من البادرات الكبرى. غير أن المناورات هذا العام كانت على مستوى منخفض نسبياً حيث نشر «الحرس الثوري الإسلامي» عدداً محدوداً فقط من الوحدات البرية على المناطق الحدودية الشرقية وركّز على تكتيكات مكافحة التمرّد، إلى جانب بعض عمليات “القلوب والعقول” الكلاسيكية الرامية إلى استمالة السكان المحليين الفقراء.

قد تكمن عدة أسباب وراء هذا التغيير. ويبدو أن أحدها يتمثّل بحدوث تحوّل في تقييم إيران للتهديدات، من التركيز على قوات تقليدية نافذة على غرار الجيش الأمريكي إلى حروب بالوكالة/حروب أهلية تشمل جهات فاعلة من غير الدول وحركات تمرّد محتملةعبر الحدود. لكن هذا التغيير كان جلياً منذ عام 2014 على الأقل، من دون أن يؤثّر على مناورات الصواريخ التي أُجريت على مدى العامين الماضيين. وقد يكمن عامل محتمل آخر في تشكيل الفريق الجديد المعني بشؤون الأمن والدفاع للرئيس ترامب، والذي قد يكون له تأثير مطمئن ومهدئ على موقف إيران العسكري الفظ في الغالب، على الأقل مؤقتاً. ومن ثم أيضاً، تشير التقارير عن اختبار صاروخ سري في 29 كانون الثاني/يناير إلى أن برنامج طهران للبحث والتطوير المتعلق بالصواريخ بالكاد تأثّر بالتغييرات التي شهدتها واشنطن.

وعلى كل حال، كانت مناورات هذا العام الأقل بهرجةً منذ انطلاق الاستعراضات في 2006 – ولا يمكن مقارنة ذلك إلا بما حصل عام 2014 عندما [قرر] المرشد الأعلى علي خامنئي إلغاء المناورات بشكل كلي وسط المفاوضات النووية المكثفة مع مجموعة «دول الخمسة زائد واحد». إلّا أن دوافع إيران المتباينة على ما يبدو كانت واضحة في ذلك الوضع أيضاً، إذ استأنف النظام المناورات بكامل مجدها الاستفزازي بعد عام وسط مفاوضات مكثفة على نحو مماثل، إلى جانب عمليات منفصلة للكشف عن صواريخ وإجراء اختبارات عليها.

هدف “الرسول الأعظم”

تُجري القوات البرية والبحرية التابعة لـ «الحرس الثوري الإسلامي» مناورات “الرسول الأعظم” بشكل منفصل عن “القوات المسلحة الإيرانية” (أو “ارتش”) التي تمارس تدريباتها الخاصة ومناوراتها النادرة بالاشتراك مع «الحرس الثوري». ولطالما استغل القادة الإيرانيون مناورات «الحرس الثوري» كمناسبة لإيصال رسائل سياسية وتعزيز قدراتهم الرادعة، سواء ضد إسرائيل أو القوى الغربية التي تحافظ على وجود عسكري كبير قرب حدودهم.

وخلال مناورات “الرسول الأعظم 1” في عام 2006، هدّدت طهران بإغلاق مضيق هرمز في حال اندلاع عمليات قتالية، كما نفذّ «الحرس الثوري الإسلامي» تدريباً زرع بموجبه ألغاماً بحرية قرب الممر المائي المزدحم. وخلال التمارين الثلاثة التالية، نشر النظام مجموعات كبيرة من الزوارق السريعة حول الخليج وأطلق صواريخ “شهاب 3” وغيرها من الصواريخ باتجاه أهداف صحراوية داخل إيران. وخلال مناورات عام 2010، أغارت قوات الكومندوس البحرية التابعة لـ «الحرس الثوري» على سفينة مسحوبة من الخدمة وأضرمت فيها النار خلال بث تلفزيوني مباشر.

ورفع «الحرس الثوري» السقف بصورة أكثر حتى خلال مناورات العاميْن 2012 و 2015. ففي الأولى، نفّذت عناصرهم هجوماً بالصواريخ على نموذج بالحجم الطبيعي لقاعدة جوية أمريكية إقليمية في الصحراء الإيرانية الوسطى، بإطلاقهم وابل من القذائف من مواقع إطلاق منفصلة. وفي الثانية، حاولوا إغراق حاملة طائرات صورية بالصواريخ، في وقت كانت فيه القوى العالمية منخرطة في مفاوضات شاقة ترمي إلى التوصل إلى اتفاق نووي مؤقت (في نيسان/أبريل 2015) وإلى الصيغة النهائية من «خطة العمل المشتركة الشاملة» (في تموز/يوليو 2015). وفي ذلك الوقت، نسب قادة «الحرس الثوري» الفضل بنجاح المفاوضات في النهاية إلى جهود الردع العسكري الخاصة بهم. وبعد أشهر، واصلت إيران تنظيم “أحداث منفصلة تعزّز قوة الردع”، مثل اختبار الصاروخ البالستي الجديد “عماد” ومرافقة صحفيي التلفزيون في جولة مصحوبة بمرشدين على مجمع للصواريخ تحت الأرض.

وفي الآونة الأخيرة، أفادت بعض التقارير أن أعضاء من الحكومة الإيرانية سعوا إلى إدارة رسائل الجمهورية الإسلامية عبر الحدّ من الأنشطة مثل الاختبارات العلنية للصواريخ البالستية المتوسطة المدى وعمليات إطلاق الأقمار الصناعية. وحتى مع ذلك، لا يمكن اعتبار التخفيف من نطاق مناورة “الرسول الأعظم” هذا العام مؤشراً حاسماً على رغبة طهران في تهدئة تدريجية للتصعيد مع الولايات المتحدة. لكن يمكن أن يعكس التصنيف المتكرر لنائب قائد «الحرس الثوري الإسلامي» حسين سلامي للولايات المتحدة على أنها قوة ضعيفة ويائسة لديها جيش بالٍ وغير مستعد ولم يعد يشكل تهديداً على إيران – وهو وصف كرّره في 20 شباط/فبراير. ولعلّ إحدى طرق تصوير هذا الضعف تتمثّل في إعداد فيلم طويل لرسوم متحركة تمحو فيه القوات الإيرانية البحرية الأمريكية والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة (وقد

ادّعى منتج الفيلم أنه أنتجه بشكل مستقل، لكن وصوله الوشيك إلى دور السينما الإيرانية يُعدّ دليلاً واضحاً على أنه برعاية النظام).

وفي الوقت نفسه، أوضح قائد القوات البرية في «الحرس الثوري الإسلامي» محمد باكبور خلال مؤتمر صحفي عُقد في 18 شباط/فبراير، أن «الحرس الثوري» ربما يحاول التصدي لما يعتبره تهديداً متنامياً من قبل تمرد تقوم به جماعات مسلحة إيرانية عرقية (تشمل عناصر كردية) في المناطق الحدودية. ووفقاً له، لن تكون الصواريخ البعيدة المدى ذات فائدة تذكر ضد هذا النوع من الأعداء، بل إن الأسلحة التي يفضَل استخدامها هي الطائرات المسلّحة بدون طيار وما يُعرف بـ”الصواريخ الموجهة” (ربما صاروخ “فجر 5” الجديد مع ريش التحكم) والألغام الأرضية والعبوات الناسفة والمدافع البعيدة المدى ومجموعات العمليات الخاصة الصغيرة – أي نفس أنواع القدرات التي تمّ تسليط الضوء عليها خلال مناورة “الرسول الأعظم” هذا العام.

المحصلة

من الصعب معرفة النية الحقيقية لصناع القرار الإيرانيين في وقت يبدو فيه الصراع جلياً بين الإفراد المتطرفين فكرياً داخل «الحرس الثوري الإسلامي» والواقعيين داخل حكومة الرئيس حسن روحاني. وقد يكون التغيير الذي طبع مناورات “الرسول الأعظم” هذا العام نابعاً من رغبة في تجنّب أي مواجهة مع الإدارة الأمريكية الجديدة، أو الطبيعة المتغيرة للتهديدات التي تتصورها الجمهورية الإسلامية في الخارج والداخل أو كل ما سبق. ولا يمكن معرفة إن كانت هذه التغييرات تمثّل تحولاً طويل الأمد أو أنها مجرد ردّ مؤقت على التطورات الأخيرة (على سبيل المثال، تنامي حدة الانتقادات وتشديد العقوبات من قبل إدارة ترامب عقب إطلاق الصاروخ في 29 كانون الثاني/يناير).

وبالإضافة إلى ذلك، يواصل المسؤولون المتشددون وقادة «الحرس الثوري» إصدار تحذيرات علنية حول تزايد التحديات الداخلية التي تهدد بتجريد “الثورة” من “فكرها الجهادي”، ويتمّ توجيه هذه التحذيرات بشكل متزايد إلى حكومة روحاني. ففي 10 شباط/فبراير، اعترض الجنرال يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري الأعلى للمرشد الإيراني، على الإدارة الإستراتيجية للفرع التنفيذي في البلاد على كافة المستويات تقريباً. وبالمثل، لطالما استخدم «الحرس الثوري» مناوراته العسكرية الكبيرة لمواجهة إشارات المصالحة التي يرسلها المسؤولون في الحكومة المؤيدين للانخراط مثل وزير الخارجية جواد ظريف، ولكي يُظهر للولايات المتحدة والجهات الفاعلة الأخرى بأنه يجب ألا تفرط في حماستها حول آفاق تحسين العلاقات الإيرانية مع الغرب.

وعند هذا المستوى، يبدو أن «الحرس الثوري» يعيش صراعاً يتعلق بهويته. فكونه كياناً إسلامياً ثورياً، يتمتع بـ “تكليف”، أي تقليد موروث من قبل آية الله روح الله الخميني. ووفقاً لهذا النموذج، يجب ألا تقف أي مصالح أو سياسة أو حسابات دنيوية أخرى في طريق واجبه الديني الثوري، ومن الناحية التاريخية، غالباً ما اتخذ «الحرس الثوري» خطوات تتعارض مع مصالح إيران القومية. ومع ذلك، فاليوم، من الواضح أن الوقائع الجيوسياسية والتطورات المحلية تعقّد هذه المهمة “الإلهية”.

وحيث تُجرى الانتخابات الرئاسية الإيرانية بعد أشهر قليلة فقط، وفي حين يبدو أن المتشددين حريصون على التصدي أمام انعدام حماسة معسكر روحاني لإجراء مناورات صاروخية مثيرة للجدل، فليس هناك ما يضمن أن الميل إلى التهدئة الذي طبع المناورات العسكرية التي جرت في شباط/فبراير سيستمر في المستقبل. لكن يجب على الجهات الفاعلة الرئيسية للسياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية – سواء

في القطاعات الدينية أو الدبلوماسية أو العسكرية – أن تدرك أن إرسال إشارات متباينة في منطقة مجاورة تسودها الفوضى لن يساهم سوى في زيادة احتمال سوء التفسير وحدوث تصعيد في الموقف.

*فرزين نديمي هو محلل متخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج ومقره في واشنطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى