هآرتس: بديل للاستراتيجية القائمة
هآرتس 15/4/2026، اوري بار – يوسيف: بديل للاستراتيجية القائمة
كتب بول جونسون، وهو احد ابرز مؤرخي القرن العشرين، في كتابه بعنوان “تاريخ العصر الحديث” عن العمليات التي ادت الى تدمير اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية: “كان القادة العسكريون والسياسيون المدنيون في اليابان جميعهم بارعون في التكتيك، ولم يكن أي واحد منهم استراتيجي. جميعهم كانت لهم افكار مدهشة للبدء في الحرب، لكن من الاول وحتى الآخر من بينهم، من العام 1931 وحتى الهزيمة المرة في 1945، لم يقف أي ياباني، مدني أو عسكري، لتقييم بواقعية كيف يمكن ان تنتهي الحرب”.
أنا اتساءل ماذا كان سيقول جونسون لو انه سمع تصريح رئيس المعارضة في اسرائيل، يئير لبيد، عند بدء الحرب ضد ايران. لم يتردد لبيد في تذكيرنا بان “شعب اسرائيل قوي، الجيش وسلاح الجو قويان، واقوى قوة في العالم تقف الى جانبنا. في مثل هذه اللحظة نقف في صف واحد وننتصر معا. لا وجود لتحالف أو معارضة، بل شعب واحد وجيش اسرائيلي واحد نقف كلنا خلفه”. تميز خطاب لبيد بالحزم، لكن هذه اللهجة كانت مشتركة بين جميع قادة المعارضة اليهود.
حتى الان وفي ظل شعور الجميع بالمرارة من نتائج الحرب، وتكرار المعلقين على الشاشات الوعد بجولة حرب اخرى، وفي ظل غياب أي بديل في الافق، لم ينهض أي احد للقول بصوت مرتفع: الامر انتهى. نحن ضربنا ودمرنا وتسببنا بالاذى، وبالطبع قمنا بالتصفية، ولكن النظام في طهران ما زال قائما، واليورانيوم المخصب مخبأ في مكان ما، ويجري ترميم منظومة الصواريخ، وما زال حزب الله يقاتل، ولم يقل الحوثيون كلمتهم الاخيرة حتى الآن.
هذه كارثة. اذا كان هناك درس واضح من الحرب الاخيرة فهو ان القوة لن تحل كل شيء، وأنه يجب البحث عن بديل. هذا البديل موجود، وقد اثبتت التجربة التاريخية فعاليته. كلمة المفتاح هنا هي “الاحتواء” – وهي استراتيجية مصممة لمنع انتشار ووجود تهديدات غير محتملة على أمل ان تؤدي الاحداث التاريخية في نهاية المطاف اما الى انهيار الخصم أو دفعه الى اليأس والتنازل عن الافكار التي يروجها الآن.
على الصعيد العالمي يتمثل النموذج بسياسة الاحتواء التي اتبعتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة الى حين انهيار الكتلة السوفييتية في العام 1991. كان الصدام الايديولوجي بين القوتين العظميين حاسم ولا هوادة فيه. تمثلت الرؤيا الشيوعية في انتصار الاشتراكية والقضاء على الامبريالية والرأسمالية، بينما تمثلت الرؤيا الامريكية بعالم ديمقراطي واقتصاد رأسمالي. عمليا، حذرت القوتان من استخدام القوة العسكرية ضد بعضهما البعض، وتمكنتا من الحد من خطر اندلاع حرب نووية. في نهاية المطاف الغلبة كانت للاستراتيجية الامريكية، وتحقق الانتصار بدون اطلاق رصاصة واحدة.
استراتيجية الاحتواء لدى المشروع الصهيوني معروفة باسم “الجدار الحديدي”، وهو مصطلح صاغه جابوتنسكي وتبناه بن غوريون. الاثنان اعتبرا ان استخدام القوة هو الاساس الذي يضمن بقاء الدولة اليهودية في مواجهة التهديد العربي. ولكنهما ادركا ايضا أن القوة هي وسيلة، ومهمتها هي اجبار الخصم على التنازل عن طموحاته في القضاء علينا. وكلاهما توقع ان العرب سيرغبون في نهاية المطاف في انهاء الصراع، وبالتالي، سيتحقق أمن المشروع الصهيوني.
لقد صدقت توقعاتهما. فقد اثبتت انتصارات الجيش الاسرائيلي في المعارك، لا سيما نتائج حرب الايام الستة، للعرب بانهم لا يملكون القدرة على القضاء على دولة اسرائيل. وبالتالي، عليهم قبول وجودها. وكان اتفاق السلام مع مصر التعبير الاوضح على ذلك. حتى ان تساحي هنغبي، الذي كان رئيس المعارضة التي ناضلت ضد الانسحاب من شبه جزيرة سيناء، اقر بذلك في نهاية المطاف.
ولكن هناك تعبير آخر لا يقل اهمية عن نجاح الجدار الحديدي الاسرائيلي، وهو مبادرة السلام العربية للجامعة العربية في 2002، التي دعت الى انهاء الصراع واعتراف الدول العربية بدولة اسرائيل وتطبيع العلاقات معها مقابل الانسحاب من الاراضي التي احتلتها في 1967. وكان آباء الصهيونية، وعلى رأسهم بن غوريون، سيرون في هذه المبادرة تحقيق لحلم جيل كامل. أما ورثتهم، قادة المعارضة، تجاهلوها كليا، وبالتالي، لم يعد مطروح الا الرؤية البديلة التي طرحها نتنياهو وهي “العيش على حد السيف”. ومصير هذه الرؤية مرهون بنا في كل مرة.
يمكن لاستراتيجية الاحتواء أن تساعد ايضا ضد ايران، وينبغي ان يستند جوهرها على عناصر اساسية: الاول، منع ايران من امتلاك قدرة نووية عملياتية، الامر الذي يمثل تهديد وجودي. ومن اجل تحقيق ذلك يمكن التخلي عن بعض الجوانب الاخرى مثل التسلح بالصواريخ. فالخطر الناتج عنها لا تتم ازالته بالكامل، لكنه لا يعتبر تهديد وجودي. من الافضل ترك تغيير النظام لآخرين، بل ويمكن، حسب شروط معينة، التنازل حتى بشان القدرة النووية اذا تحقق هذا الهدف.
الثاني هو تخفيف شدة المواجهة مع ايران. ان العداء التاريخي بيننا وبين النظام الايراني يجعل هذا الهدف صعب جدا. لكن تصعيد نتنياهو المستمر للتهديدات لا يزيد ايران ألا تصميما على الانتقام. ينبغي ان يكون الهدف اضعاف هذا الدافع وليس تقويته.
اضافة الى ذلك، كما اشار داني سترونوفيتش (“هآرتس”، 12/4)، فانه من الضروري ايضا العمل دبلوماسيا لتعزيز المصالح المشتركة مع المحور المناهض لايران، لا سيما سوريا والسعودية والحكومة اللبنانية. قد يكون محور هذا المسعى هو استعداد اسرائيل لقبول اقتراح السلام الذي قدمته جامعة الدول العربية من حيث المبدأ والتحرك نحو حل الدولتين.
صحيح ان كل ذلك يظهر الآن وكأنه كارثيا، الا ان التمسك بالخيار البديل الحالي يعرضنا لاخطار اكبر بكثير.



