د. مروان إميل طوباسي: مؤتمر “فتح” الثامن هل نعيد تعريف الصراع ونؤكد على الهوية أم نعيد إنتاج الوهم؟
د. مروان إميل طوباسي 17-4-2026: مؤتمر “فتح” الثامن هل نعيد تعريف الصراع ونؤكد على الهوية أم نعيد إنتاج الوهم؟
في هذه اللحظة المفصلية، يأتي انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، ليس كاستحقاق تنظيمي فحسب، بل كاختبار وطني سياسي عميق لقدرتنا على إعادة تعريف معركتنا الوطنية في ظل طبيعة الصراع القائمة، وفي مواجهة أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية منذ عقود.
فما نواجهه اليوم لم يعد مجرد احتلال عسكري تقليدي يمكن إنهاؤه عبر مسارات تفاوضية غائبة عملياً، بل مشروع استيطاني إحلالي متكامل، يقوم على نفي وجود شعبنا الفلسطيني، وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بما يقطع الطريق على أي إمكانية حقيقية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة. فالاستيطان يتسارع ويتسع، والضم يتكرّس، والفصل والتقسيم الجغرافي الملون يزداد تعقيدا، في سياق واضح يهدف إلى فرض واقع نهائي يعيد إنتاج الاحتلال بصيغ جديدة كما وفرض الوصاية التي تنتزع حق شعبنا بتقرير المصير.
وفي هذا السياق، لا بد من إعادة تعريف طبيعة الصراع بوصفه صراعا بين مشروعين متناقضين لا يمكن التوفيق بينهما:
الأول، مشروع استيطاني إحلالي صهيوني، يقوم على نفي وجود الشعب الفلسطيني وإحلال مجتمع استعماري مكانه.
الثاني، مشروع وطني تحرري فلسطيني، يستند إلى حق شعبنا في الوجود وتقرير المصير والعودة، وبناء دولته المستقلة ذات السيادة والديمقراطية واسقاط المشروع الاستعماري في فلسطين.
إن فهم الصراع بهذه الصيغة يحرّر الوعي السياسي من أوهام الحلول الجزئية، ويعيد توجيه البوصلة نحو إدارة صراع طويل الأمد، لا يُختزل في مسار تفاوضي ترفضه إسرائيل أساساً بعد ان استغلته لتمرير مشاريعها، بل يقوم على مراكمة عناصر القوة الوطنية في مواجهة مشروع إحلالي مستمر يسعى لتنفيذ رؤية “إسرائيل الكبرى”.
ومن هنا، تبرز جدلية الدولة الفلسطينية في ظل المعطيات القائمة، فهل ما زال هدف إقامة الدولة على حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧ قابلًا للتحقق؟ أم أننا أمام واقع يجري فيه تفكيك هذا الإمكان بشكل منهجي؟
هذا السؤال لا يمس الثوابت، بل يتعلق بآليات تحقيقها. فالدولة ستبقى هدفا وطنيا جامعا يستند الى جوهر القرار الأممي ١٨١، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الانتقال من ذلك القرار وسلسلة الاعتراف السياسي بالدولة التي ابتدأت مع اعلان وثيقة الاستقلال، إلى الترجمة والتجسيد الفعلي في ظل اختلال عميق في موازين القوى والوقائع على الارض التي تجري بدعم أمريكي وبصمت جزء من المجتمع الدولي الذي لم يرتقي لمسوؤلية محاسبة إسرائيل او لم يتجرأ عليها، بل يمارس ازدواجية المعايير حول نصوص القانون الدولي وميثاق هيئة الأمم المتحدة.
وهنا، لا يمكن قراءة هذا الواقع بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث تتقاطع مشاريع “الشرق الأوسط الجديد” مع مساعٍ لإعادة تشكيل الإقليم بما يضمن تفوق إسرائيل وهيمنتها، في ظل صراعات مفتوحة وضغوط متزايدة تهدف إلى إعادة هندسة المنطقة.
غير أن قراءة هذه التحولات يجب أن تنطلق من المصلحة الوطنية الفلسطينية، لا من الاصطفاف مع أي محور. فالتجارب لا تُستنسخ، لكنها تُقرأ، وما تثبته صراعات المنطقة هو أن الحسم لم يعد سريعاً كما كان، بل بات صراعا طويل الأمد قائما على الصمود والاستنزاف ومراكمة مصادر القوة.
الا ان السؤال الأخطر لا يتعلق فقط بطبيعة الصراع، بل بنا نحن:
ما هي “فتح” اليوم؟ هل ما زالت حركة تحرر وطني تقود مشروعا كفاحيا؟ أم إطارا سياسيا يدير سلطة تحت الاحتلال دون سلطة كما وصفها يوماً الأخ الرئيس؟ أم مزيجا غير محسوم بين الاثنين؟
هذه ليست أسئلة اتهامية، بل أسئلة وجودية وهوياتية. لأن الغموض في تعريف الذات يعكس بالضرورة غموضا في تحديد الاتجاه.
لقد نجحت “فتح” حين كانت واضحة في هويتها كحركة تحرر، أما اليوم، فإن هذا الوضوح يتآكل لصالح ازدواج بين خطاب تحرري وممارسة مقيدة باعتبارات السلطة والتزاماتها الدولية التي قيدتنا بجزء منها دون الوصول الى إنهاء الاحتلال. وهذا الازدواج لم يعد ممكنا الاستمرار فيه دون كلفة سياسية وتنظيمية متزايدة.
وينطبق الأمر ذاته هنا على أدوات الصراع، فلم تعد بندقية الأمس وحدها كافية، كما لم تعد المفاوضات وحدها مجدية في حال وجودها. نحن أمام تعددية في الأدوات تتمثل في مقاومة شعبية منظمة ومتصاعدة باستحضار تجربة الانتفاضة الكبرى، فعل سياسي ودبلوماسي مقاوم، مسار قانوني دون تراجع امام المحاكم الدولية، معركة وعي ورواية ومقاطعة وتضامن دولي متصاعد. لكن المشكلة ليست في تعدد الأدوات، بل في غياب الاستراتيجية التي توحدها.
فهل نمتلك اليوم تصوراً متكاملاً لإدارة الصراع ؟ أم أننا نتحرك بردود الفعل؟
إن أخطر ما يواجه أي حركة تحرر ليس قلة الإمكانيات، بل غياب الرؤية والإرادة السياسية وتنظيم تكامل الادوات.
من هنا، فإن المؤتمر الثامن لا يمكن أن يكون مجرد استحقاق تنظيمي، بل يجب أن يكون لحظة مراجعة نقدية حقيقية، تعيد تعريف المشروع الوطني، وتحدد هوية “فتح”، وتبني استراتيجية قادرة على الفعل، لا الاكتفاء بإدارة التراجع او المراوحة في نفس المكان.
وهنا نحن أمام مفترق طرق، إما إعادة إنتاج الواقع القائم تحت مسمى “الواقعية السياسية”، أو الانطلاق نحو إعادة بناء مشروع تحرري “بعقلانية ثورية” قادر على مواجهة طبيعة وحقيقة الصراع دون خطأ الانزلاق بالتكيف معه.
ففي لحظات التحول الكبرى، لا يكون الانتظار أو التردد موقفا محايداً، بل شكلًا من أشكال الخسارة المؤجلة.
إن إعادة تعريف معركتنا الوطنية لم تعد مسألة تحتمل وجهات النظر، بل ضرورة وطنية واجبة امام رفض التحالف الأمريكي الإسرائيلي الاستعماري لأي حلول سياسية تنهي هذا الصراع التاريخي. أما إن لم نَفعل، فإن كلفة الانتظار قد تكون أكبر من أن تُحتمل.



