هآرتس: الدولة والمستوطنون معا يطردون فلسطينيين من القدس
هآرتس 16/4/2026، نير حسون: الدولة والمستوطنون معا يطردون فلسطينيين من القدس
بعد أسبوعين على انتهاء حرب الأيام الستة أعلنت صحيفة “معاريف” لقرائها: “تم اكتشاف كنز مدفون من الكتب المقدسة ولفائف التوراة في كنيس مهجور في البلدة القديمة”. وكتب الصحافي غبريئيل تسفروني في ذلك المقال بان “محمد عبد الغني (60 سنة)، وهو تاجر خضراوات في القدس، حرس كنيس ومدرسة توراة حاييم الشهيرة الموجودة على طريق الآلام في قلب الحي الإسلامي لمدة 38 سنة”. محمد باشا عبد الغني حافظ على آلاف الكتب منذ ان هجر اليهود الحي الإسلامي في اعقاب احداث العام 1929. بعد أسبوعين سيضطر ابنه مفيد باشا (76 سنة) وزوجته وشقيقته (83 سنة) و 9 من أبناء عائلته، من بينهم كبار في السن، الى مغادرة المبنى الصغير الذي يقولون انهم ولدوا فيه وعاشوا فيه طوال حياتهم. هذا جاء بعد ان وافقت المحاكم على موقف الدولة، التي عملت بالتعاون مع جمعية عطيرت كوهانيم وأصدرت لهم امر بالاخلاء.
ومثلما هي الحال في سلوان والشيخ جراح والبلدة القديمة فان سبب اخلاء عائلة الباشا هو ان المبنى كان في السابق بملكية وقف يهودي. والقانون يسمح فقط لليهود بالمطالبة بالممتلكات التي كانوا يملكونها قبل العام 1948. أما قانون أملاك الغائبين فيمنع الفلسطينيين من المطالبة بالممتلكات الفلسطينية التي هجرت خلال الحرب. بدأت القصة القانونية المحيطة بمنزل الباشا في العام 1908، عندما خصص الحاخام اسحق فينوغراد، وهو احد حاخامات القدس، المبنى لمدرسة “توراة حاييم” الدينية. وبع 21 سنة، في اعقاب احداث الشغب في 1929 هجر اليهود المبنى.
ولكن في العام 1931 وقعت المدرسة الدينية اتفاقية مع عبد الغني للحفاظ على العقار المتبقي مقابل ايجار وحق الإقامة في المجمع. وفي العام 1948 وقع على ما يبدو عقد ايجار بين العائلة والمدرسة الدينية. لقد حافظة عائلة الباشا على العقار اليهودي في فترة الانتداب البريطاني والحكم الأردني. وبعد احتلال البلدة القديمة في العام 1967 اعادوا العقار، بما في ذلك مكتب تشمل آلاف الكتب والاثاث والتحف المقدسة. في العام 1983 افتتحت المدرسة الدينية “عطيرت يروشالم”، التي تعتبر ذروة نشاط “عطيرت كوهانيم” في المدينة، في مبنى مجاور. يترأس هذه المدرسة الدينية الحاخام شلومو افنر، الذي يعتبر الزعيم الروحي لجمعية عطيرت كوهانيم.
في غضون ذلك استمرت العائلة في السكن في المبنى المجاور للمدرسة الدينية لمدة 51 سنة بدون انقطاع. طوال هذه الفترة لم يتصل القيم العام في وزارة العدل، الذي كان يعمل على اخلاء المستأجرين الفلسطينيين من عقارات أخرى في شرقي القدس، مع العائلة ولم يطلب منها حتى دفع الايجار. وحسب هغيت عوفران من حركة “السلام الان”، التي ترافق العائلة، فانه يمكن تفسير صمت القيم مدة 51 سنة بطريقتين. الأولى هي ان العقار لم تتم مصادرته من قبل القيم الأردني، الذي حرص على تسجيل العقارات اليهودية على اسمه. الثانية هي وجود عقد ايجار يعطي المستوطنين حق ايجار محمي.
لم يرفع الوصي دعوى قضائية لاخلاء المبنى الا في العام 2018. وحسب السكان الفلسطينيين وحركة “السلام الان” فان من قدم الدعوى لم يكن القيم (نيابة عن الدولة)، بل جمعية عطيرت كوهانيم التي استخدمت القيم كغطاء. والدليل على ذلك هو ان المحامي الذي قدم الدعوى نيابة عن الدولة هو المحامي ابراهام سيغال، الذي يمثل “عطيرت كوهانيم” في عشرات القضايا لاخلاء الفلسطينيين من بيوتهم. سيغال يمثل أيضا الكثير من الجمعيات اليمينية الأخرى. وكان الشاهد الرئيسي للادعاء في القضية مسؤول رفيع في عطيرت كوهانيم، وهو براك واينبرغ. نقل القيم القضية الى سيغال، رغم ان جمعية عطيرت كوهانيم يتوقع ان تكون المستفيد الرئيسي من اخلاء السكان الفلسطينيين. وكتب واينبرغ في الفقرة الثانية في افادته في المحكمة: “أنا ممثل وخريج مدرسة “عطيرت يروشاليم” الدينية. وقد عملت لسنوات في جمعية عطيرت كوهانيم وبناتها”.
طالب سيغال، نيابة عن الدولة، باخلاء السكان الفلسطينيين الـ 12 الذين يعيشون في ست شقق صغيرة في المجمع. وتولى الدفاع محامي مولته السلطة الفلسطينية، وحسب بعض أبناء العائلة فانه لم يقدم كل الادعاءات الوثائق ذات الصلة للمحكمة. وبناء على ذلك حكم القضاة بان السكان الفلسطينيين لم يقدموا الدليل على استمرار اقامتهم في بيوتهم، ولم يتم استدعاء الجيران لتقديم شهاداتهم حول تواجد اشخاص من عائلاتهم هناك.
يدعي المستاجرون بان القيم لم يشرح للمحكمة عن وجود احتمال معقول لوجود عقد ايجار يجعلهم “مستاجرين محميين”، لا يمكن اخلاءهم في مثل هذه الحالة. ويشير الفلسطينيون أيضا الى ان العقار “نقل” الى الوقف (عمليا، لشركة عطيرت كوهانيم التي تدير الوقف) في بداية العام 2019. بكلمات أخرى، كان من المفروض ان تتنحى الدولة عن القضية منذ ذلك الحين، وان تدار بين طرفين خاصين: الوقف والعائلات الفلسطينية. ولكن القيم، من خلال سيغال، استمر في إدارة الدعوى ضد العائلة. وكون الدولة، وليس جهة خاصة، هي التي تقاضي وتدير القضية يعطيها مزايا كثيرة. فمثلا، تستفيد الدولة من “الاعفاء” من قانون التقادم، ولديها هامش مرونة في تقديم خرائط القياس وآراء الخبراء مقارنة بالمدعين من القطاع الخاص.
قبل سنة رفضت قاضية محكمة الصلح في القدس، بالا يهلوم، كل ادعاءات الفلسطينيين وامرت باخلاء الشقق. وخلال جلسات الاستماع تفقدت القاضية المبنى، وفي حكمها أعطت أهمية لوجود انبعاج على جانب باب احدى الشقق، الامر الذي قد يشير الى وجود المازوزة في السابق. وكتبت بان “هذا يدعم استنتاج ان يهود يلتزمون بالوصايا كانوا يعيشون هناك بالفعل”. وانتقدت العائلة على عدم تقديم ادلة على الإقامة الدائمة في المبنى، وأكدت على ان الوثائق المقدمة حول حقوق الملكية تتعلق بجزء آخر في المبنى، وليس الشقق التي طالب القيم باخلائها.
في شهر تموز رفضت المحكمة المركزية (القضاة عوديد شاحم ودافيد جدعوني ونمرود فيليكس) الاستئناف، وفي شهر شباط الماضي رفض القاضي يحيئيل كشير أيضا الاستئناف الذي قدم للمحكمة العليا وامر باخلاء المبنى في منتصف شهر شباط. ووافق بعد ذلك، لاسباب إنسانية، على تأجيل الاخلاء الى 26 نيسان. وقد قدم المستاجرون قدم آخر لتمديد موعد الاخلاء، ولكن لم يتخذ قرار حتى الآن.
يقول مفيد الباشا، الذي يعيش مع زوجته في شقة صغيرة تتكون من غرفة وردهة تستخدم كغرفة معيشة ومطبخ صغير: “لا يوجد لنا مكان آخر”. وأشار الى الغرفة الوحيدة في البيت وقال: “انا وجميع اخوتي ولدنا هنا”. وهو متقاعد من عمله في تجليد الكتب، ويحصل على راتب تقاعد. وأضاف: “لا يقل سعر السكن الان عن خمسة آلاف شيكل. أين ساذهب؟”. وقال ان الوثائق المتعلقة بحقوق العائلة في البيت فقدت في حريق اندلع هناك في اربعينيات القرن الماضي. ابنه محمد قال: “الامر لا يقتصر على المال، فوالدي يذهب للصلاة في المسجد الأقصى كل يوم في الساعة الرابعة فجرا، وهي مسافة دقيقة ونصف سيرا على الاقدام. لذلك لا يستطيع قبول فكرة اضطراره الى مغادرة البيت”.
في السنوات الأخيرة كشفت “هآرتس” بان دائرة القيم العام في وزارة العدل تعمل بجدية لصالح جمعيات المستوطنين. في هذا السياق يدفع قدما القيم العام بانشاء أربعة احياء يهودية جديدة في قلب الاحياء الفلسطينية في القدس على أراض كانت بملكية اليهود قبل العام 1948.
وتقول عوفران: “هذا ظلم فادح. هناك مئات آلاف الإسرائيليين الذين يعيشون بامان في عقارات كانت بملكية الفلسطينيين قبل العام 1948، وفي شرقي القدس القانون يسمح بنزع ملكية الفلسطينيين عن مباني كانت بملكية اليهود قبل العام 1948. الحكومة وضعت آلية لنزع ملكية الفلسطينيين وطردهم من شرقي القدس. والقيم العام الذي هو جسم حكومي تحول الى ذراع تنفيذية رئيسية لهذه السياسة”.
من القيم العام في وزارة العدل جاء: “المحامي سيغال مثل القيم العام بسبب خبرته في إدارة مثل هذه الإجراءات. ولا يعتبر تمثيله لعملاء آخرين في قضايا مشابهة تضارب في المصالح. تجدر الإشارة الى ان جمعية عطيرت كوهانيم المذكورة في طلبكم لا صلة لها، حسب معرفتنا، بهذه الدعوى. وحتى بعد الافراج عن العقار لصالح الوقف، ووفقا لقرار المحكمة، يستمر القيم العام في العمل كأمين على الوقف. هذا عقار معقد يضم عدة أجزاء، ولا تتضح حدوده الا من خلال إجراءات الافراج عن العقار. وقد بدأت إجراءات الاخلاء بناء على ذلك. وسيستمر القيم العام في العمل على اخلاء المتعدين على العقارات الخاضعة لادارته، أينما كانوا، عندما يتضح ان لاصحاب العقار حق فيه”.
وصرح المحامي سيغال قائلا: “ان ما يتضح من أسئلة المراسل هو كذب وتضليل. الادعاء بان جمعية عطيرت كوهانيم هي المستفيد الرئيسي من اخلاء المتعدين على الممتلكات هو ادعاء باطل، لأنه لا تربطها أي صلة بالعقار الذي امرت المحكمة العليا باخلائه. ان جمعية “عطيرت يروشالم” هي المستفيدة من الوقف وليس جمعية عطيرت كوهانيم. ثانيا، حسب حكم صدر عن المحكمة المركية في القدس فان القيم العام هو القيم على الوقف، وبالتالي، هو يستمر في إدارة الدعوى. وقد ظهرت هذه الادعاءات الباطلة ضمن طلب استئناف قدمه المعتدون للمحكمة العليا، والذي تم رفضه”.



