عبد المجيد سويلم: دول الإقليم وتشوُّش الحسابات والرّهانات
عبد المجيد سويلم ٢-١١-٢٠٢٣: دول الإقليم وتشوُّش الحسابات والرّهانات
على مدى عدّة عقود خلت ظلّ النظام العربي مشوّشاً، وبقيت مراهناته خاسرة، وحساباته مغلوطة. ومنذ اتفاقيات “كامب ديفيد” بين مصر وإسرائيل دخل النظام العربي في أزمة التصدُّع والانقسام، واستفحل الأمر في “حرب الخليج الثانية”، وحاول هذا النظام العربي “التماسك” في مرحلة مؤتمر مدريد، و”انخرط” هذا النظام في دعم ما “نتج” عن هذا المؤتمر من اتفاقيات جديدة في كلّ من “وادي عربة”، و”اتفاقيات أوسلو”، وما تبعها من مُراهنات على نجاح هذه الاتفاقيات في وضع حدٍّ نهائي للصراع العربي الصهيوني، وما تمخّضت عنه من مراحل متتالية من الإخفاقات الكبيرة في كبح هذا الصراع، أو الحدّ من الأطماع الإسرائيلية، أو وقف الصلف الإسرائيلي، أو تقليص حجم التأييد الأميركي والغربي للسياسات الإسرائيلية بصورةٍ جدّية، بل ولا حتى بصورةٍ شكليّة.
وعندما وصلنا إلى “المرحلة “الترامبية” لم يقف النظام العربي في وجه الصلف الجديد، الذي لم يعد إسرائيلياً فقط، وإنّما تحوّل إلى صلفٍ أميركي سافر، وحاول الأردن، وحاولت منظمة التحرير الفلسطينية أن تتمرّد على هذا الصلف دون أن يكون لهما معاً ما يكفي من الإسناد، والدعم، ودون أن يتجاوز مثل هذا الدعم من قبل بعض البلدان العربية الوازنة حدود “التعاطف” الضمني، وانتهت الأمور إلى موجة “التطبيع” الجديدة، ما عمّق أزمة هذا النظام العربي، ووضع النظام الإقليمي كلّه في صراعات بينية جديدة وصلت إلى اصطفافات تركية وإيرانية أنذرت، واستمرت في أن تنذر بأزمات كبيرة، إبّان أزمة بلدان الخليج مع قطر، وإبّان اصطفاف تركيا ضدّ بلدان الخليج العربي في هذه الأزمة، والصراع المفتوح بين تركيا ومصر في ليبيا، وتفاقم الحرب اليمنية، وصولاً إلى الحرب السودانية التي ما زالت تدور دون أيّ آفاقٍ جدّية بإنهائها.
99 % من حالة التهالك والتهتُّك في منظومة العلاقات البينية العربية، وفي تصدُّع وهشاشة النظام الرسمي العربي تنبع من درجة الارتهان للولايات المتحدة، ومن الرهان على دورها، والخضوع لإرادتها، والخنوع لمصالحها، على حساب المصالح الوطنية والقومية لهذا النظام، خصوصاً وأنّ المصالح والرؤى والسياسات الأميركية كانت، وما زالت تضع إسرائيل في صُلب هذه المصالح والرؤى، وكذلك السياسات، وهو الأمر الذي أدّى دائماً إلى أن لا يتجاوز النظام العربي الدائرة الأميركية المرسومة من مصالحها، وأن يظلّ تحت مظلّتها، وأن لا يحاول أكثر من الامتعاض اللفظي، والاعتراض المراوغ على نظام السطوة والإخضاع الأميركي.
نحن هنا نتحدّث عن دول ما يسمّى معسكر “الاعتدال العربي”، عموماً، وعن البلدان الأكثر تأثيراً في الإقليم العربي، دون أن نُلغي دور الدول العربية التي وقفت إلى هذه الدرجة أو تلك، وبهذا القدر أو ذاك ضدّ هذه السطوة، دون أن تتمكّن من صدّها أو ردعها مطلقاً.
ثمّ جاءت مرحلة المصالحات والاستدارات، وخصوصاً بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، التي تحوّلت إلى حربٍ روسية “أطلسية”، وأدّت إلى اصطفافات جديدة “غربية” غير مسبوقة ضدّ روسيا، ودخل الصراع الأميركي الصيني على خطّ هذه الحرب، وبدأت تتشكّل معالم تغيُّرات كبيرة في نظام العلاقات والتوازنات الدولية نحو نظامٍ عالمي جديد تحاول الولايات المتحدة و”الغرب” أن تتماسك وتتوحّد في مواجهة استحقاقاته، وتبعاته على دور ومكانة ومصالح القوى المؤثّرة فيه.
لم يفهم النظام العربي إلّا لماماً أن هذه المتغيّرات أصبحت على الأبواب، وأن إسرائيل بعد أن سيطر عليها “اليمين” الجديد لن تقبل بأقلّ من تصفية القضية الفلسطينية، وأنّها باتت تعتبر خنوع وخضوع النظام العربي، وبحثه عن علاقات طبيعية مع إسرائيل ليس سوى “الرخصة” الرسمية لهذه التصفية، وأنّ الولايات المتحدة التي جاهرت أحياناً بالاختلاف مع هذا “اليمين” لن تتوانى لحظةً واحدة في الدفاع عن هذا “اليمين” إذا تعلّق الأمر عند أيّ درجةٍ إلى الدفاع عن إسرائيل ضدّ من يهدّدها، أو حماية إسرائيل بكلّ ما تمتلك من قوّة للإبقاء على قوّتها وتفوّقها، وتؤجّل إلى أجلٍ غير مسمّى حماية إسرائيل من نفسها التي كانت تتشدّق بها.
ولم يفهم النظام العربي أنّ الإقليم وفق هذا الواقع سيتمّ ترتيبه على قاعدة أنّ الاستقرار فيه منوطٌ بقبول العرب للتصوُّر الإسرائيلي لهذا الإقليم، ولهذا بالذات فقد قبل النظام العربي عملياً بالخطة الإسرائيلية لتدمير حركة حماس، معتقداً بأنّ هذا الهدف ممكن في ظلّ التبنّي الكامل له من قبل أميركا، ومن قبل “الغرب” كلّه.
وإذا كان النظام العربي قد رفض التهجير، لما يشكّله من أخطارٍ على الأمن الوطني لمصر والأردن ولبنان، إلّا أنّه ما زال يراهن على أن تقوم الولايات المتحدة بكبح جماح هذا التهجير مستقبلاً، ولم يتمرّد النظام العربي حتى الآن، ولا يبدو أنّه سيتمرّد أبداً على التهجير الداخلي الذي سيبقي أكثر من مليون فلسطيني في العراء، وأن التدمير الهمجي سيحوّل الحياة في القطاع إلى واقعٍ تستحيل فيه الحياة البشرية بأدنى متطلّبات الحياة الطبيعية، أو تنعدم فيه فرص القدرة على البقاء نفسه.
باختصار هنا، فإنّ النظام العربي يراهن، وما زال يراهن على الوعود الأميركية ما بعد إزالة “الصداع” الذي اسمه “حماس” وفصائل المقاومة، وبعد أن يتمّ تغيير الواقع السياسي في غزّة، وبعد أن يكون كلّ أهل القطاع قد تقطّعت بعيشهم كلّ السُّبُل.
النظام العربي، الذي يلمح أنّ ما تقوم به إسرائيل، ليس هو للدفاع عن النفس، وهو محاولة لتصفية القضية الفلسطينية، لكنهم يعتقدون أنّ تصفية القضية الفلسطينية هي التهجير، وليس تدمير قطاع غزّة.
وبما أن التهجير قد تمّ وقفُه مؤقّتاً على الأقلّ، فإنّ أقصى المطلوب هو أن تتمّ “مُراعاة” بعض الاحتياجات الإنسانية في أثناء قيام إسرائيل بحرق القطاع وتدميره، ومع تواصل قتل الآلاف من المدنيين، وبقبول النظام العربي بأنّ الاحتياجات الإنسانية هي تلك التي تحدّدها إسرائيل، وأنّ لها الحقّ الحصري في تحديد ما يدخل وما لا يدخل، ويعود لها وحدها تحديد الكمّيات، ونوعية الاحتياجات، وهي التي تفرض أيّ مستشفى سيتم إخراجه من الخدمة، وأي منطقة سيتم تهجيرها، وأيّ المناطق التي سيتم “الإقامة” بها إلى حين أن يتحوّل أكثر من مليوني فلسطيني إلى لاجئين جُدد، وإلى أن تكتمل النكبة الجديدة، وإلى أن تأخذ المأساة الفلسطينية الجديدة دورتها الكاملة.
أليس هذا المشهد هو الماثل أمامنا الآن؟ وهل يوجد في هذا المشهد أيّ مبالغة أو تحامل أو أفكار انفعالية؟ إزاء كلّ ذلك فإنّ النظام العربي عاد ليراهن على الوعود الأميركية، ومن بين أطراف هذا النظام، النظام الرسمي الفلسطيني، ونحن في الواقع أمام حالةٍ غير مسبوقة من الرهان الخاسر والمراهنة في أشدّ أشكال العدمية القومية، وأكثرها خطورةً على النظام العربي نفسه.
فإذا خسرت الولايات المتحدة هذه الحرب، أو لن تتمكّن من الانتصار الحاسم فيها فهي لن تتراجع قبل أن تتجاوز، وقبل أن ترمي بمصالح هذا النظام العربي تحديداً بعرض الحائط، لأنّ مصالحها عندما تقتضي ذلك فهي لن تتردّد للحظة واحدة، إذا كانت ستختار بين هذا النظام وبين المصالح الإسرائيلية.
وأمّا إذا ربحت الحرب فهي لا تملك لتقول للنظام العربي سوى: عليكم الآن أيُّها السّادة، الامتثال التام، والطاعة الكاملة، والتوقيع على صكّ “الاتفاقات الجديدة” و”الخرائط الجديدة”.
أقصد أنّ الضحية في كلّ الأحوال هو النظام العربي على كلّ حال.
أعود إلى خسارة إسرائيل والولايات المتحدة من زاويةٍ أخرى ضرورية، وهي زاوية “الهيمنة الإيرانية” التي ما انفكّ النظام العربي يخشاها ويُحذّر منها.
عندما تخسر الولايات المتحدة وإسرائيل فإنّ الذي سيجلس إلى طاولة المفاوضات هي إيران، وليس النظام العربي، بمن فيهم النظام الرسمي الفلسطيني، وحينها، أيضاً، ستكونون أنتم الضحية على كلّ حال!
المنطق الوطني والقومي أن يكون لدى هذا النظام منظومة من المصالح للدفاع عنها، وأن يكون لديه ما يكفي من أدوات التفكير والتدبير، ومن وسائل الضغط والتأثير ما يمكّنه من الدفاع عن تلك المصالح.
فهل يصحو النظام العربي، ولو لمرّة واحدة، ويهبّ ولو لمرّة واحدة ليمنع انهياره على الأقل، إذا ما كان قد فقد بالكامل قدرته على استثمار الأحداث والتطوُّرات من أجل ازدهاره ورِفعته وصموده وبقائه؟
نحن لسنا على بُعد 48 ساعة من تطوُّرات إقليمية كبيرة، فهل يعرف النظام العربي أين تسير الأمور، وأيّ اتجاه سوف يحكم بوصلة الإقليم؟
هذا زمن يخسر فيه من لا يُحسن قراءة الاتجاه، وهو يخسر، أيضاً، عندما يتأخّر في هذه القراءة، فكيف سيكون الأمر مع بعض من لا يُجيدون القراءة أصلاً.



