د. سليمان جرادات: المؤتمر الثامن لحركة فتح الاستحقاق الوطني للأجيال القادمة
د. سليمان جرادات 16-4-2026: المؤتمر الثامن لحركة فتح الاستحقاق الوطني للأجيال القادمة
يشكل انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح محطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، إذ لا يقتصر على كونه استحقاقا تنظيميا داخليا، بل يتجاوز ذلك ليكون لحظة مراجعة عميقة لمسار طويل من النضال السياسي والتنظيمي في ظل تعقيدات داخلية وخارجية متسارعة، فحركة فتح، التي انطلقت في منتصف ستينيات القرن الماضي لتؤسس مرحلة جديدة في تاريخ الشعب الفلسطيني، لم تكن مجرد إطار تنظيمي، بل شكلت العمود الفقري للمشروع الوطني الفىسطيني، وقادت التحول من حالة اللجوء إلى الفعل السياسي المنظم، ورسخت حضور القضية الفلسطينية في الوعي الدولي خلال العقود الماضية .
وعلى امتداد مسيرتها، عاشت الحركة محطات مفصلية تجسدت في مؤتمراتها العامة في الخارج والداخل الفلسطيني والتي مثلت محطات تقييم ومراجعة وإعادة بناء أسهمت في الحفاظ على استمرارية الحركة وتماسكها، رغم التحولات والمؤامرات الكبرى التي واجهتها، من العمل الفدائي إلى العمل السياسي، ومن الشتات إلى الداخل الفلسطيني بعد العام 1994م، يأتي انعقاد المؤتمر الثامن للحركة حسب الترتيبات منتصف شهر مايو 2026م امتدادا لهذا المسار، لكنه يكتسب خصوصيته من حجم التحديات الجسام التي تواجه القضية الفلسطينية، ومن الحاجة الملحة لإعادة تجديد البنية التنظيمية والاستمرار في تطوير أدوات العمل السياسي.
في هذا السياق، يبرز دور الرئيس محمود عباس بوصفه قائدًا تاريخيا وعاما للحركة ورمزا للشرعية الوطنية، حيث قاد لأكثر من عقدين مسارا سياسيا معقدا قائما على التمسك بالثوابت الوطنية والشرعية الدولية ، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
ورغم ما واجهه هذا النهج من تحديات وانتقادات الا انه بقي مستمرا في سياسات الانخراط في العمل الدبلوماسي الاقليمي والدولي لتعزيز مكانة فلسطين في المحافل الدولية كقضية عالمية مركزية وترسيخ مبدأ الحل السياسي القائم على الشرعية والقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظماتها ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية وأعادة لملمة البيت الفلسطيني الداخلي للحفاظ على وحدة القرار الفلسطيني في ظل الانقسام ، والعمل على إعادة بناء المؤسسات .
يأتي المؤتمر الثامن ليعيد طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالبرنامج السياسي للحركة، في ظل واقع يتطلب التوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات العمل السياسي الواقعي، حيث لم يعد كافيا الاكتفاء بالشعارات ، بل بات من الضروري تطوير أدوات التأثير السياسي والدبلوماسي، وتعزيز الحضور الفلسطيني في الساحة الدولية، ومواجهة محاولات تهميش القضية أو تجاوزها في ظل توسع النزاعات الدولية ، وفي الوقت ذاته، بالإضافة يبقى البعد التنظيمي عنصرا مهما وحاسما، إذ إن تجديد الهياكل التنظيمية وتعزيز الديمقراطية الداخلية وتمكين الكفاءات الشابة يشكل أساسا لإعادة الحيوية للحركة واستعادة ثقة الشارع الفلسطيني.
ولا يمكن إغفال أن وحدة حركة فتح تمثل التحدي الأكبر والإنجاز الأهم في آن واحد، إذ إن أي تراجع في تماسكها الداخلي ينعكس مباشرة على مجمل النظام السياسي الفلسطيني، في حين أن تعزيز وحدتها يعزز القدرة على مواجهة الاحتلال والتحديات الإقليمية ، كما أن الحركة، رغم ما تواجهه من صعوبات، لا تزال تحمل إرثا كبيرا من الإنجازات، بدءًا من تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، مرورًا بإنشاء السلطة الوطنية، وصولًا إلى بناء مؤسسات الدولة في مختلف المجالات، وهو ما يشكل قاعدة يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة.
أما التحديات التي تواجهها الحركة اليوم فهي متعددة الأبعاد، تتراوح بين استمرار الاحتلال الإسرائيلي وسياساته التوسعية في الاستيطان والبؤر الاستيطانية ، والانقسام الفلسطيني الذي أضعف الجبهة الداخلية واوصلها ما وصلت اليه خاصة في المحافظات الجنوبية قطاع غزة إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والمالية، وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية في ظل أولويات عالمية متغيرة. كما أن التحولات الإقليمية تفرض على الحركة إعادة صياغة علاقاتها العربية والدولية بما يحافظ على مركزية القضية الفلسطينية ويعيد لها حضورها الفاعل.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية انتخاب قيادة جديدة للجنة المركزية والمجلس الثوري واللجان المنبثقة قادرة على مواكبة المرحلة، قيادة تجمع بين الحرس القديم والجديد بين الخبرة والتجديد، تستند إلى معايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على العمل الميداني الجماعي، بعيدا عن الاعتبارات الضيقة ، كما أن تطوير معايير العضوية الملزمة ما لها من حقوق وما عليها من واجبات داخل الحركة يشكل مدخلا أساسيا لتعزيز الانتماء الحقيقي وضمان فاعلية الأطر التنظيمية.
إن المؤتمر الثامن يفتح آفاقًا جديدة أمام حركة فتح وقيادتها، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التجدد واستمرار دورها القيادي. فالمطلوب اليوم ليس فقط إدارة الواقع، بل إعادة صياغته، والانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن الحفاظ على المكتسبات إلى توسيعها، وبين ثقل التاريخ وضغط الحاضر، تبقى قدرة الحركة على الموازنة بين الاستمرارية والتغيير هو العامل الحاسم في رسم مستقبلها، وبالتالي في تحديد ملامح المرحلة القادمة من مسيرة النضال الوطني الفلسطيني.



