أقلام وأراء

د. محمد عز العرب: “المناطق الرمادية” في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

د. محمد عز العرب * 26-3-2026: “المناطق الرمادية” في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

تثير الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بعد دخولها الأسبوع الرابع، تساؤلات أكثر مما تقدم من إجابات، خاصة فيما يتعلق بأهدافها وحسابات التهدئة والتصعيد لأطرافها ومآلاتها وتوقيت انتهائها وإشارات متناقضة لواشنطن بشأنها وشروط إيران للقبول بوقفها وحدود التباين في تكتيكات الولايات المتحدة وإسرائيل لاستمرارها، والمحددات الحاكمة للنصر والهزيمة في دينامياتها، والأطراف الرابحة والمتضررة من استمرار الحرب في ظل غياب أفق للخروج منها. واللافت للنظر أن هذه التساؤلات يغلب الإجابة عليها بما يمكن تسميته بالمناطق الرمادية، التي تزيدها تعقيداً وصعوبة في الحسم لصالح أي من طرفيها، لأن المقدمات الرمادية تقود تباعاً إلى النتائج الرمادية.

المسائل المتناقضة

هناك العديد من التناقضات التي تجمع رؤى وتصورات وأساليب الأطراف المتحاربة، بما فيها الحلفاء أو الشركاء “الولايات المتحدة وإسرائيل” بشأن تلك الحرب، على النحو التالي:

1- إشكاليات القيادة أم التبعية: تثار تساؤلات في الكتابات بشأن اليد الطولى لمن في إشعال قرار الحرب: واشنطن أم تل أبيب، إذ أن ثمة وجهتي نظر في هذا الإطار، حيث تشير الأولى إلى محورية دور الولايات المتحدة في تلك الحرب استناداً إلى ما يعرف بأثر ترامب، لاسيما مع تهيئة مسبقة مسرح العمليات بالقوات الأمريكية جواً وبحراً في الشرق الأوسط لشن تلك الحرب، حيث قال الرئيس ترامب في تصريحات صحفية بتاريخ 21 مايو 2026 إن ‌إسرائيل ‌ستكون مستعدة لإنهاء ‌الحرب في إيران، بمجرد أن ​تستكمل الولايات ​المتحدة ​عملياتها العسكرية.

ويشير ذلك إلى أن ما يملك قرار الحرب “البدء أو الانتهاء أو الاستئناف” هو الولايات المتحدة، مع الأخذ في الاعتبار أن الحرب ضد إيران هي انعكاس لشبكة متداخلة من المصالح تتقاطع فيها مؤسسات البحث والتفكير مع شركات السلاح ودوائر الإعلام في الولايات المتحدة، على نحو ما عكسته مجلة “فورين أفيرز”. فكتابات الخبراء الاستراتيجيين في مراكز الفكر مثل المجلس الأطلسي، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومركز الأمن الأمريكي الجديد ومعهد هدسون ومعهد بروكنجز تتحرك في دعم الانخراط العسكري في الشرق الأوسط، المدعومة من الشركات المانحة مثل RTX، Lockhead Martin، North Grumman، حيث تستفيد من نتائج السياسات التي تدعو إليها، وتعمل بعض مؤسسات الإعلام على نقل أصوات تلك المراكز إلى الرأي العام والنخب.

في حين تنطلق وجهة النظر من أثر اللوبي الصهيوني في الداخل الأمريكي في الضغط على الرئيس ترامب، فضلاً عن العامل الشخصي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لشن عملية عسكرية منظمة ومنسقة ومباغتة للقضاء على التهديد الإيراني لواشنطن وتل أبيب، لدرجة أن هناك بعض الكتابات تطلق عليها “حرب نتنياهو” خاصة بعد بروز قدرة إسرائيل على الاختراق الاستخباري للنخبة الاستراتيجية في إيران، واستهداف القيادات العليا والوسطى لاحقاً في الجيش والحرس الثوري والباسيج.

وما بين هذا وذاك، هناك رأي ثالث يمثل خلطاً بين الأول والثاني وينطلق من التنسيق السياسي والاستراتيجي بين الطرفين بما يعزز دور إسرائيل في هندسة الشرق الأوسط بدعم من الولايات المتحدة وفقاً لنمط “القيادة من الخلف”، حيث قال الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في تدوينته على موقع “إكس” بتاريخ 8 مارس الجاري إن الحرب الراهنة ليست مجرد مغامرة اسرائيلية نجح نتنياهو في جر الولايات المتحدة إليها، إنما تأتي في إطار “تحرك أمريكي استراتيجي مخطط في خطوة رئيسية نحو تغيير الشرق الأوسط إلى وضع جيوسياسي إقليمي تحاول إسرائيل قيادته”.

2- معضلات توالي أم توازي التهديدات: كشفت تلك الحرب عن منطقة رمادية في تحديد أولوية التصدي لأي تهديد إسرائيلي أم إيراني، وهو ما يرتبط بأحد أبعاد النقطة الأولى وهي أن إسرائيل تحاول أن توظف اللحظة الفارقة في تاريخ الشرق الأوسط بما يدشن “الحقبة الإسرائيلية في الإقليم”. في حين ظهرت وجهة نظر أخرى، يتبناها مثقفون ومفكرون وصحفيون خليجيون مفادها أن إيران هي الوجهة الإقليمية الأولى بالردع في المرحلة المقبلة، نظراً لأنها لم تراعي اعتبارات “حسن الجوار” أو ما كان يطلقه وزير الخارجية الإيراني الأسبق “الجار قبل الدار”، واستهدفت المصالح الخليجية المباشرة وليست القواعد العسكرية الأمريكية.

ولذا، رد الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد على الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية بتدوينة على موقع “إكس” قال فيها إن “الحديث عن أن ما يجري مجرد مغامرة إسرائيلية أو أمريكية لتغيير الشرق الأوسط قد يكون صحيحاً لكن في نفس الوقت يتجاهل حقيقة أن التهديد الإيراني لم يكن موجهاً لإسرائيل وحدها، بل طال ثماني دول عربية على الأقل، وأن القضية ليست مشروع تغيير الشرق الأوسط، فالمنطقة دائماً في مخاضات لم تنقطع، القضية إنهاء مرحلة من تهديدات المليشيات والإيرانية، حتى لو صادف ذلك بيد قوة نحن على خلاف معها”.

واختتم موسى رده على الكاتب السعودي: “ما نحن بصدده من أخطاء إيرانية فادحة على مدى أربعين سنة من المد الإيراني، مطلوب أن تستبدل به عربدة إسرائيلية مدعومة تبادر بإلغاء القانون الدولي بالكامل وتتلاعب بمقدرات المنطقة العربية”. ودخل على خط السجال رجل الأعمال الإماراتي البارز خلف الحبتور قائلاً: “المشهد الذي نعيشه اليوم هو نتيجة مشروعين خطيرين على منطقتنا، إسرائيل بطموحاتها التوسعية التي لم تخفها يوماً، وفي المقابل إيران بمشروعها التوسعي من خلال دعم وتسليح المليشيات المسلحة في عدد من الدول العربية والتدخل في شئونها وزعزعة استقرارها”، مؤكداً أن “كليهما أضرّا بالعالم العربي، ولا يقل أحدهما خطراً عن الآخر”.

3- اعتبارات النصر والهزيمة: يظل هذا البعد أحد أكثر الإشكاليات التي تتعلق برمادية تلك الحرب هو: كيف سيبدو شكل النصر؟ وهو ما يعيق وقفاً مبكراً للحرب، لأن إدارة ترامب تريد أن تنتهي الحرب إما باستسلام النظام الإيراني أو تعديل سلوكه داخلياً وخارجياً، وهو ما لم يحدث حتى الآن، بل إن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو زيادة دور التيار المتشدد القابض على السلطة والذي يمثله الحرس الثوري في إيران لاسيما بعد اغتيال علي لاريجاني الأمين العام لمجلس الأمن القومي، وبدا أن ثمة رسالة واضحة من الحرس تؤكد أن إيران لن تقدم تنازلات تتعلق بقدراتها العسكرية أو سياساتها الدفاعية، وأن أي هجوم على الأراضي الإيرانية سيقابَل بردٍّ طويل الأمد. إذ تعتقد طهران أن الصمود لفترة أطول قد يُعزز موقعها السياسي ويُثبت قدرتها على مواجهة الضغوط العسكرية.

ومن ثم، يمكن القول إن الولايات المتحدة أساءت تقدير قدرة إيران على الصمود، وأن القدرات العسكرية وحدها لا تحسم الحروب. على الجانب الآخر، سيبدو النظام الإيراني متماسكاً لكنه منهك إلى حد كبير، وأن إيران ستخرج من هذه الحرب أضعف عسكرياً مما كانت عليه قبل 28 فبراير 2026، لكنْ دون أن يصل الأمر إلى تغيير النظام السياسي من الداخل، حيث أن التاريخ لا يسجّل حالة واحدة نجحت فيها دولة في تغيير نظام دولة أخرى عبر الضربات الجوية فحسب. وقد تسعى واشنطن إلى إنهاء مشاركتها قبل تحقيق هدف إسرائيل المتمثل في تغيير كامل للنظام في طهران.

إذ ترى إسرائيل في الحرب على إيران فرصة لتحقيق نصر تاريخي وتغيير موازين القوى في المنطقة. وفي استطلاعات رأي نشرها أخيراً “معهد دراسات الأمن القومي” INSS و”المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” Israel Democracy Institute، أعرب المشاركون بغالبيتهم عن رغبتهم في استمرار الحرب إلى أن يسقط النظام الإيراني، وهو ما يعكس التوحد بين النخبة الحاكمة والمعارضة والقطاعات الرئيسية في المجتمع الإسرائيلي. ومن ثم، فإن تحقيق نصر نهائي على إيران قد يُغير مكانة نتنياهو في كتب التاريخ في إسرائيل، من “الزعيم الذي وقعت في عهده أسوأ مجزرة بحق اليهود منذ الهولوكوست”، إلى “الزعيم الذي قضى على ما يُعادل نازيي العصر الحديث”.

ويبقى أقصى هدف لإيران هو قدرتها على الحفاظ على بقاء النظام السياسي ومنعه من الانهيار، ويظل هناك استخلاص رئيسي من الحروب السابقة مفاده أن الحرب بعد أن تبدأ هي التي تقود من يقودها، فالحسابات التي على أساسها تبدأ الحرب تصطدم بحقائق ومفاجآت تجعل حسابات النهاية مختلفة، وحين تطول الحرب تتبدل أهدافها لدى الطرفين.

4- توقيتات وقف الحرب: يظل أحد مصادر النقاط الرمادية في تلك الحرب متعلقاً بـ”الجنرال وقت”، أي المدى الزمني لنهايتها وكيف ستنتهي هذه الحرب؟ وهل توجد مخارج معقولة؟، وهو ما يعكس الأهمية الفائقة التي ينطوي عليها عنصر الوقت في الحروب عامة. فقد طفت علامات تذبذب في مسار الحرب في المدة الزمنية التي يحتاجها الطرفان المتنازعان لتحقيق أهدافهما. انتقلت من الحاجة إلى أربعة أيام أو أسبوع إلى فترة تتراوح بين أربعة إلى ستة أسابيع. ثم باتت الفترة شبه مفتوحة وبلا سقف زمني محدد. وهنا لجأت التصريحات الصادرة عن الجانبين الأمريكي والإسرائيلي إلى استخدام العبارة العربية الشهيرة (نعم ولكن) للإيحاء بأن الحرب قد تتوقف في ظل شروط معينة يتم فرضها على إيران.

وعلى الرغم من نجاح “العملية العسكرية” الأمريكية في إزالة أجزاء واسعة من مراكز القيادة الإيرانية، والبنية التحتية الصاروخية، والقوة الجوية والبحرية، والدفاعات الجوية، والمنشآت النووية، واستهداف عدد من كبار الشخصيات، بمن في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي، تفضل إدارة ترامب في هذه المرحلة مواصلة العمليات بهدف تقليص إضافي للقدرات العسكرية الإيرانية، بدلاً من الدخول في مفاوضات لوقف إطلاق النار، في حين تشترط طهران وقف الضربات بشكل كامل قبل أي مفاوضات. فضلاً عن أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن تحقيق مطالب إيرانية، من بينها منع تجدد الاعتداءات على إيران مرة أخرى ودفع تعويضات عن الأضرار والخسائر التي تكبدتها.

ومن ثم، لا يوجد توقع بتوقف مستدام للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، حتى بافتراض التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وهو جوهر ما انتهى إليه لورنس فريدمان (أستاذ فخري لدراسات الحرب في كلية كينجز كوليدج لندن. وهو مؤلف كتاب “القيادة: سياسات العمليات العسكرية من كوريا إلى أوكرانيا) حينما طرح سؤالاً مهماً، في مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز” بتاريخ 14 أبريل 2025 تحت عنوان “عصر الحروب الدائمة: لماذا لم تعد هناك استراتيجية عسكرية تقدم النصر؟” وأجاب قائلاً إن حروب هذا العقد مستمرة من نموذج أوكرانيا إلى نموذج غزة، على نحو يشير إلى ما يبدو وكأنه توجه مستقر مفاده التخطيط لحروب ليست لها نهاية واضحة، لأن الصراعات وما يرتبط بها من تعقيدات لا تنتهي أبداً بانتصار سريع، وتلك هي المشكلة في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، لاسيما في ظل وجود جبهتين مفتوحتين، في لبنان والعراق.

5- حسابات المكسب والخسارة: تنطوي أي حرب على فائزين وخاسرين، ويمكن القول إن الرابح الأكبر من هذه الحرب التي تستهدف إيران في مداها القصير هو إسرائيل، التي باتت تشعر أنها قادرة على تنفيذ أهدافها التوسعية دون أي رادع عربي أو دولي. وبالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصياً، تمثل الحرب “هدية” في لحظة حاسمة. ففي يناير 2026 كان يواجه دعوات متزايدة لمحاسبة حكومته على إخفاقاتها الأمنية قبل هجوم حركة “حماس” في السابع من أكتوبر 2023؛ إضافة إلى محاكمة بتهم في قضايا فساد؛ واستطلاعات رأي مختلفة تشير إلى أن ائتلافه قد يخسر مقاعد برلمانية في الانتخابات المقرر إجراؤها في وقت لاحق من هذا العام. في الواقع، إن الحملة ضد إيران قد لا تنقذ إسرائيل من تهديد وشيك فحسب، بل قد تنقذ أيضاً قبضة نتنياهو على السلطة، من خلال الترويج لقدرته على “تغيير معالم الشرق الأوسط”.

ولا تنحصر مؤشرات المكسب والخسارة على الأطراف المتحاربة بل الدول التي تأثرت بديناميات الحرب. فروسيا تعد أكثر الأطراف المستفيدة من دوران عجلة العمليات العسكرية، بفعل ارتفاع أسعار النفط وإنعاش ميزانية الدولة ورفع العقوبات الغربية على موسكو من قبل إدارة ترامب وتحويل الأنظار نسبياً عن الحرب الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس وتشويه صورة الولايات المتحدة لدى حلفائها في الإقليم بعدم قدرتها على توفير مظلة حماية أمنية قوية لهم لدرجة أن هناك من يعتبرها حليفاً غير موثوق به، وسوف توجد مراجعات بشأن الاستعانة بنظم دفاعية متعددة.

وفيما يخص تحالف الخاسرين، يمكن القول إنه قد يطول عدداً من دول الإقليم، حيث إن استمرار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، وتأثر سلاسل الإمداد، وتزايد تكاليف النقل والشحن والتأمين إلى جانب ارتفاع سعر النفط والغاز مما يؤثر على أسعار السلع والخدمات، وهو ما ينطبق على العديد من الدول الأوروبية والآسيوية والشرق أوسطية. فضلاً عن الخسائر المركبة التي طالت دول الخليج سواء بالبنى التحتية أو منشآت الطاقة أو سلاسل الإمداد أو جاذبية رؤوس الأموال أو المساس بالصورة الذهنية لها لتكون منطقة عالية المخاطر أمنياً كخيار بديل لمنطقة استقرار وازدهار اقتصادي.

ضباب الحرب

خلاصة القول، إن مقدمات هذه الحرب ستقود إلى نتائج رمادية، في حال ثبات الأهداف والتصورات والمسارات “الرمادية”. إذ لا يوجد فيها منتصر أو مهزوم بالضربة القاضية، ما لم تحدث تحولات مفاجئة في ميادين المواجهات المسلحة وخاصة عبر الإنزال البري لقوات أمريكية إما لتحرير الملاحة البحرية في مضيق هرمز أو استهداف جزيرة خرج الإيرانية أو إتباع أية أهداف أخرى مستقبلية حتى لو كانت مستبعدة، في حال استمرار التصعيد المتبادل لاسيما مع المسعى الإسرائيلي لتفجير الإقليم على نطاق واسع من ناحية، وليجعل التيار الرئيسي في الرأي العام الإسرائيلي منشغلاً بتهديدات إيران فقط من ناحية أخرى.

 

*د. محمد عز العرب رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى