ترجمات عبرية

هآرتس – بقلم آدم راز – دير ياسين لم تكن المذبحة الوحيدة ، الكشف عن البروتوكولات السرية من العام 1948

هآرتس – بقلم آدم راز – 12/12/2021

” الشهادات تواصل التراكم، والوثائق يتم الكشف عنها، وبالتدريج يمكن تركيب صورة شاملة عن اعمال القتل التي نفذها الجيش الاسرائيلي في حرب الاستقلال. عندما تم الكشف عن محاضر جلسات الحكومة من العام 1948 فلا مجال للشك بأن القيادة السياسية عرفت بأن المذبحة في دير ياسين لم تكن حقا هي المذبحة الوحيدة “.

هذه كانت نقاشات مليئة بالاحاسيس. الوزير حاييم موشيه شبيرا قال بأنه تقوضت كل اسسنا الاخلاقية. الوزير دافيد ريمز اشار الى أن الافعال التي يدور الحديث عنها تخرجنا من نطاق اليهود ومن نطاق البشر بشكل عام. الوزير مردخاي بن طوف غضب وسأل أي من اليهود سيبقون في الدولة بعد الحرب. الوزير اهارون سيزلينغ قال إنه لم ينم طوال الليل وأن الجرائم تمس بكل روح الحكومة. عدد من الوزراء طلبوا التحقيق في الشهادات وتقديم المسؤولين للمحاكمة. بن غوريون تملص. وفي نهاية المطاف أيد الوزراء اجراء التحقيق، وهكذا تم تشكيل لجنة “فحص اعمال القتل في الجيش”.

هذا كان في شهر تشرين الثاني 1940. وعلى طاولة الحكومة تراكمت شهادات عن اعمال قتل نفذها جنود الجيش الاسرائيلي ضد العرب، رجال غير مسلحين وشيوخ ونساء واطفال. على مدى السنين هذه النقاشات كانت مخفية. الآن تقرير في “ملحق هآرتس” ومعهد عكفوت، ينشر للمرة الاولى تبادل الاقوال القاسية بين الوزراء ويكشف شهادات عن ثلاث مذابح غير معروفة، وتفاصيل جديدة عن المذبحة في الحولة، وهي من الجرائم البارزة للحرب.

عمليتان كبيرتان انطلقتا في تشرين الاول 1948. الاولى عملية يوآف في الجنوب والثانية هي عملية حيرام في الشمال. خلال ثلاثة ايام تقريبا احتل الجيش الاسرائيلي الجليل، وقام بمد الاذرع ايضا الى قرى في جنوب لبنان. في 30 ساعة تقريبا تم احتلال عشرات القرى العربية في الشمال، وعشرات آلاف السكان هربوا من بيوتهم. الاغلبية الساحقة منهم لم تشارك في القتال. اساس تبادل اطلاق النار كان بين الجيش الاسرائيلي وجيش الانقاذ العربي الذي كان يتكون من متطوعين من الدول المجاورة. عندما بدأت اسرائيل المعركة من اجل احتلال الشمال كان يوجد في الجليل 120 ألف عربي، نصف العدد الذي كان عشية خطة التقسيم. التقدم السريع للجيش الاسرائيلي نحو الحدود الشمالية سنح للجنود فرصة مقابلة السكان الذين بقوا في القرى، الذين كانوا من الشيوخ والنساء والاطفال. مصير الفلسطينيين كان مرهون في أيدي قوات الجيش الاسرائيلي، وهذا اللقاء بين الجنود والمدنيين انتهى اكثر من مرة بجرائم حرب فظيعة. 

الفظائع التي تم تنفيذها اثناء الحرب تظهر في توثيقات تاريخية متنوعة: رسائل لجنود، مذكرات كتبت في الوقت الحقيقي ولم يتم نشرها، جلسات لنقاشات اجرتها الاحزاب ومصادر اخرى، تقارير تحقيقات عسكرية وحكومية سرية في معظمها، والقبضة الحديدية للرقابة واقسام الكشف في الارشيفات تثقل حتى الآن على اجراء تحقيقات اكاديمية وتحقيقات صحفية. وحتى الآن المصادر العلنية تقدم صورة آخذة في الاتضاح شيئا فشيئا. على سبيل المثال، في شهادات عن المذبحة في الرينة في جبل ميرون وفي البرج التي يتم طرحها الآن والتي لم يعرف عنها حتى الآن. 

قرية الرينة قرب الناصرة تم احتلالها قبل عملية حيرام في تموز 1948. بعد بضعة اشهر توجه اهارون حاييم كوهين، عضو القسم العربي في الهستدروت، الى مندوب القسم العربي في مبام، وطلب منه استيضاح الامور التالية: “لماذا قتل في قرية الرينة في بداية ايلول 14 عربي، من بينهم امرأة بدوية وعضو في حلف عمال ارض اسرائيل وهو يوسف التركي؟ لقد تم القاء القبض عليهم قرب القرية بتهمة أنهم يقومون بالتهريب. وقد احضروهم الى القرية وقاموا بقتلهم”. الشيخ طاهر الطبري، من قادة الجمهور الفلسطيني في الشمال، قال إن مذبحة الرينة “ليست الوحيدة”، وأن “هذه الاعمال ارتكبت من اجل السطو”. عائلات القتلى قالت إن الضحايا كانوا يحملون مئات الليرات.

قرية البرج (اليوم هي موديعين) تم احتلالها ايضا في تموز 1948 في عملية داني، حسب وثيقة عثر عليها في ارشيف يد يعاري. وهوية من كتبها غير معروفة. بعد احتلال القرية بقي فيها اربعة شيوخ. “الحاج ابراهيم، الذي كان يعمل كمساعد في المطبخ العسكري، عجوز مريضة، ومسن ومسنة آخرين”. بعد ثمانية ايام على احتلال القرية طلب الجنود من ابراهيم جمع الخضار من اجل ابعاده عما سيحدث لاحقا. “الثلاثة الآخرون تم احضارهم الى بيت معزول، وبعد ذلك اطلقوا قذيفة مضادة للدبابات من نوع “فيات”. وعندما اخطأ القذيفة هدفها قاموا بالقاء ست قنابل يدوية في البيت، وقتل المسن والمسنة، والعجوز المريضة قتلوا بالسلاح. بعد ذلك قاموا باحراق البيت والجثث الثلاثة. وعندما عاد الحاج ابراهيم مع حارسه قالوا لهم بأن الثلاثة تم نقلهم الى المستشفى في رام الله. هو لم يصدق هذه القصة. وبعد بضع ساعات قاموا بقتله هو ايضا بأربع رصاصات”.

حسب شهادة شموئيل ميكونس، عضو مجلس الدولة المؤقت من الحزب الشيوعي، في منطقة ميرون ايضا جرت اعمال فظيعة لم يعرف عنها حتى الآن. ميكونس تجاوز الرقابة في الوقت الحقيقي بواسطة تقديم استجواب لرئيس الحكومة، الذي تم العثور عليه في ارشيف الكنيست. في توجهه هذا لبن غوريون طلب الاستيضاح عن اعمال نفذت حسب قوله من قبل اعضاء الايتسل. “أ – لقد قتلوا 35 عربي قاموا بتسليم انفسهم وهم يرفعون الراية البيضاء لهذا الفصيل. ب- هذا الفصيل قام بأسر سكان مطمئنين، من بينهم نساء واطفال، وأمروهم بحفر بئر، ودفعوهم الى داخله بالحراب الفرنسية الطويلة واطلقوا النار عليهم وقتلوا جميعا. وكان من بينهم امرأة تحمل طفل بين يديها. ج- اولاد عرب، ابناء 13 – 14 سنة، كانوا يلعبون وتم اطلاق النار عليهم جميعا. د- فتاة 19 أو 20 سنة تم اغتصابها من قبل اعضاء “ألتلينا” (فصيل من الايتسل)، بعد ذلك قاموا بطعنها بالحراب وادخلوا عصا من الخشب في جسدها”. 

هذا هو المكان المناسب للتأكيد على أنه ليس لدينا شهادات اخرى تعزز هذه الاوصاف القاسية على ما حدث في الرينة وفي البرج وفي ميرون. ولكن في كل ما يتعلق بشهادة ميكونس من المحتمل أنه يجب تأجيل الشك السليم. في الاستجواب لبن غوريون تمكن ميكونس من أن يصف تفاصيل التفاصيل والمذبحة في قرية الحولة اللبنانية. وبعد ذلك تبين في المحكمة أن مصادره كانت موثوقة.

يبدو أن المذبحة التي حدثت في الحولة ارعبت بشكل خاص وزراء الحكومة في حينه. القرية احتلت من قبل فصيل في اللواء الثاني بقيادة شموئيل لهيس. معظم السكان هربوا، لكن نحو 60 شخص بقوا في القرية واستسلموا بدون مقاومة. بعد الاحتلال تم تسجيل مذبحتين في يومين متتاليين. في الاولى قتل 18 شخص وفي الثانية عدد الضحايا كان 15 شخص. قائد الفصيل لهيس كان المقاتل الوحيد الذي تم تقديمه للمحاكمة على اعمال القتل في عملية حيرام. وقد تمت تبرئته بسبب الشك بالحادثة الاولى، لكن تمت ادانته بالمذبحة الثانية التي نفذها هو نفسه. الحكم على لهيس عثر عليه في الارشيف القانوني في جامعة تل ابيب، ومقطع صغير منه يطرح هنا للمرة الاولى: لهيس أمر باخراج “الـ 15 عربي من البيت الذي كانوا يوجدون فيه ونقلهم الى بيت معزول يبعد قليلا عن المقبرة الاسلامية هناك. عند وصولهم أمر الملتمس بادخال العرب الى احدى الغرف وأمرهم بالوقوف في صف ووجوههم نحو الحائط. عندها اطلق الملتمس بواسطة “ستين” كان يحمله على العرب وافرغ فيهم مخزنين. بعد سقوطهم قام الملتمس بفحص الجثث وتأكد من موتهم. بعضهم اظهروا علامة على الحياة وتحركوا، عندها اطلق عليهم رصاصات اخرى”.

لهيس قال للدفاع عن نفسه بأنه عمل بروحية اقوال قائد الكتيبة الذي قال له إنه “لا حاجة للاثقال على المخابرات بالأسرى”. وقد اوضح بأنه كان مملوء باحاسيس الثأر على موت اصدقائه، هذا رغم أن الضحايا لم يكونوا مشاركين في القتال. في نهاية المحاكمة حكم عليه سبع سنوات سجن، وتم تخفيفها في الاستئناف الى سنة واحدة. عقوبته قضاها في ظروف مريحة جدا في معسكر للجيش في الشمال.

على مر السنين اصدر القضاة تفسيرات مختلفة للعقوبة الخفيفة التي حكم بها. القاضي جدعون ايلات برر ذلك بأنه الجندي الوحيد الذي قدم للمحاكمة على افعاله في عملية حيرام، رغم أنه نفذت اعمال قتل اكثر خطورة من ذلك. القاضي حاييم دوفرين قال “كقاض كان من الصعب علي التسليم بوضع فيه نحن نجلس على طاولة ونناقش شخص تصرف اثناء القتال كما تصرف. لا أحد في حينه كان يعرف من البريء ومن العدو”. 

بعد اطلاق سراحه حصل لهيس على العفو من الرئيس اسحق بن تسفي. وبعد ثلاثة عقود تم تعيينه في منصب مدير عام الوكالة اليهودية. وكمدير للوكالة هو الذي فكر بيوم القدس الذي يتم الاحتفال به منذ ذلك الحين وحتى الآن. 

ملايين الوثائق من سنوات الدولة الاولى يقومون بخزنها في الارشيفات الحكومية، ولا يستطيع الجمهور الوصول اليها. يضاف الى ذلك الرقابة المتشددة. ففي السنوات الاخيرة يمسح رجال “الملماف” (المسؤول عن الامن في جهاز الامن) ارشيفات في ارجاء البلاد ويخفون أدلة عن جرائم حرب، مثلما كشف في الماضي في تحقيق “ملحق هآرتس”. ولكن رغم عملية الاخفاء إلا أن الشهادات عن مذابح آخذة في التراكم. 

الاساس وضعه في الثمانينيات المؤرخ بني موريس، الذي اجرى بحث طلائعي شامل في الارشيفات. بعد ذلك تراكمت ابحاث اخرى منها عمل المؤرخ عادل مناع الذي تخصص في التوثيق الشفوي وحقق في ماضي عرب حيفا والجليل. مناع وصف، ضمن امور اخرى، مجموعات الاعدام التي قتلت 9 اشخاص في مجد الكروم في عملية حيرام. منشورات اخرى على مر السنين تستكمل بالتدريج الفسيفساء الناقصة. 

موريس عدد في السابق 24 مذبحة على طول الحرب. الآن اصبح يمكن القول بأن العدد اكبر من ذلك، ويصل حتى بضع عشرات المذابح. في بعضها قتل اشخاص قلائل وفي بعضها العشرات، وهناك حالات زاد فيها عدد الضحايا عن المئة. الى جانب مذبحة دير ياسين في نيسان 1948 والتي اثارت الاصداء على مر السنين، يبدو أن هذا الجزء البائس من التاريخ تم ابعاده ويتم ابعاده بعيدا عن الخطاب العام في اسرائيل.

من بين المذابح البارزة في عملية يوآف وعملية حيرام يمكن تسمية الاحداث التي حدثت في قرية صلحة وقرية الصفصاف وقرية الدوايمة. في قرية صلحة، قرب الحدود مع لبنان، (الآن هي كيبوتس يرؤون) اعدم اللواء السابع 60 – 80 شخص في ممارسة استخدمت عدة مرات في الحرب، وهي تجميع اشخاص في مبنى في القرية والقيام بتفجيره والاشخاص في داخله. 

في قرية صفصاف قرب صفد (الآن هي موشاف صفصوفة)، ذبح جنود اللواء السابع عشرات السكان. وحسب احد الشهادات، التي أمر اعضاء “ملماف” باخفائها بصورة غير قانونية، “قاموا بالقاء القبض على 52 رجل. قاموا بربطهم معا وحفروا حفرة واطلقوا النار عليهم. 10 رجال آخرين احتضروا، النساء جاءوا وطلبوا الرحمة، ووجد ست جثث لمسنين، كانت 61 جثة وثلاث عمليات اغتصاب”. 

في قرية الدوايمة في منطقة لخيش (الآن هي موشاف امتسيا)، ذبح جنود اللواء الثامن 100 رجل. جندي كان شاهد على هذه الاحداث وصفها امام احد اعضاء مبام: “لم يكن قتال ولم تكن مقاومة. المحتلون الاوائل قتلوا 80 – 100 عربي من النساء والاطفال. الاطفال قتلوهم بتهشيم الجماجم بالعصي. لم يكن هناك أي بيت لا يوجد فيه قتلى”. وحسب ضابط استخبارات وضع في القرية بعد يومين، وصل عدد القتلى الى 120 شخص. في الاقوال التي نشرت في مجلة “نير” فورا بعد الحرب من قبل جندي مجهول، تبين أن ظاهرة قتل الابرياء انتشرت في داخل الجيش. الكاتب وصف كيف أن صديقه في الوحدة قتل عجوز عربية بقيت في الخلف اثناء احتلال قرية لوبيا في الجليل الاسفل. “هذا الامر اصبح موضة. عندما اشتكيت امام قائد الكتيبة على ما يحدث وطلبت منه وقف هذا التمادي، الذي ليس له أي مبرر عسكري، هز كتفه وقال لا توجد تعليمات من اعلى لمنع ذلك. ومنذ ذلك الحين الكتيبة تدهورت في هذا المنزلق. انجازاتها العسكرية استمرت، لكن في المقابل، ازدادت اعمالها الفظيعة”. يبدو أن هذا الجندي المجهول لم يبالغ. من تصفح التوثيق التاريخي المتنوع يبدو ان الاصبع كانت خفيفة على الزناد.

في الاشهر تشرين الثاني – كانون الاول 1948، عندما هدأ ضغط الحرب، تفرغت الحكومة لمناقشة التقارير حول المذابح، التي وصلت الى علم الوزراء بصور مختلفة. والاطلاع على محاضر الجلسات لا يترك أي مكان للشك: قيادة الدولة عرفت في الوقت الحقيقي عن الفظائع التي رافقت اكثر من مرة احتلال القرى العربية. 

صحيح أنه في 1995 تم فتح محاضر الجلسات للاطلاع، لكن الاجزاء التي كرست لـ “سلوك الجيش في الجليل وفي النقب”، كما سميت في جدول اعمال الحكومة، بقيت معتم عليها حتى الفترة الاخيرة. النشر الآن اصبح ممكن بعد توجهات من قبل معهد عكفوت للمسؤولة عن ارشيف الدولة للكشف عن جلسات الحكومة من الاعوام 1948 – 1949 بالكامل. ولكن رغم أن اجزاء واسعة تم السماح بنشرها، إلا أن اجزاء اخرى بقيت مطموسة. يبدو أن الذكر المباشر لجرائم حرب ما يزال محظور. ولكن تبادل الاقوال بين الوزراء فيما يتعلق بمسألة هل يجب التحقيق في الجرائم أم لا، التي اخفيت طوال 73 سنة، يقف الآن لاطلاع المحققين والصحافيين والمواطنين الذين لديهم حب استطلاع. هكذا مثلا ظهرت جلسة الحكومة في 7 تشرين الثاني 1948. 

وزير الهجرة والصحة حاييم موشيه شبيرا (العامل الشرقي): “حتى هذه الدرجة يمنع علينا الوصول حتى في ايام الحرب. اكثر من مرة تم التحدث عن هذه الامور في جلسات الحكومة. ووزير الدفاع بحث وطلب وتم اعطاء تعليمات. أنا اعتقد أنه من اجل أن نعطي الانطباع بأن الامر يبدو جدي جدا، يجب علينا اختيار لجنة وزارية تذهب الى هذه الاماكن وترى بعينها ما حدث. يجب معاقبة الاشخاص الذين يرتكبون هذه الاعمال. هذا الامر لن يبقى سري. اقتراحي هو أن يتم انتخاب لجنة من ثلاثة وزراء بحيث توضح خطورة هذا الامر”.

وزير الداخلية، اسحق غرين بويم (الصهاينة العامين): “أنا ايضا كنت مستعد لطرح سؤال كهذا. لقد عرفت أن هناك أمر بتطهير المنطقة”. في هذه المرحلة تحدث غرين بويم عن ضابط قام بطرد سكان في حافلة الى خطوط العدو. واضاف: “لكن يبدو أن آخرين ليس لديهم نفس العقل ونفس المشاعر. يبدو أنه يمكن تنفيذ الامر بطرق اخرى”. هنا بقيت اسطر عديدة مطموسة.

وزير العمل مردخاي بن طوف (العمل): “الاشخاص الذين فعلوا ذلك قالوا بأنهم حصلوا على اوامر بهذه الروحية. يبدو لي أننا لم نكن عاجزين في أي قضية مثلما في هذه القضية. حسب رأيي، هذه ليست مسألة عربية، بل مسألة يهودية. السؤال هو أي يهود سيبقون في الدولة بعد الحرب. أنا لا أرى طريق سوى القضاء على السر بيد قوية. ولأننا لم نشاهد هذه اليد القوية في قيادة الاركان أو في وزارة الدفاع، أنا اؤيد اقتراح السيد شبيرا لتشكيل لجنة، وأن تعطيها الحكومة صلاحيات للتحقيق مع أي شخص تريده. يجب التحقيق في تسلسل الاوامر، من اخذ قرار ممن، وكيف تتم الامور بدون اوامر مكتوبة. الامور تتم حسب طريقة معينة. يتبين أن الامر شيء والسلوك شيء آخر”.

رئيس الحكومة ووزير الدفاع دافيد بن غوريون (مباي): “اذا هربوا، لا يجب الركض وراءهم. ولكن هناك أمر يتعلق بالسكان الذين بقوا في مكانهم. وجيشنا يقوم بجعلهم يهربون. يمكن منع هذا الامر. لا حاجة الى جعلهم يهربون. في اللد وفي الرملة اعطيت تعليمات واضحة بعدم اجبار الناس على الهرب وتبين أنهم جعلوهم يهربون. أردت الذهاب الى اللد في الايام الاولى للاحتلال. وقدموا لي عدة اسباب كي لا اذهب. المرة الاولى اخذت الامور بسذاجة. الامر الاصعب هو موضوع السطو. الوضع على الارض فظيع”. 

في اجمالي الجلسة في 7 تشرين الثاني تقرر تعيين لجنة من ثلاثة وزراء لفحص الشهادات عن المذابح. في اللجنة كان شبيرا وبن طوف ووزير العدل بنحاس بوزنلبيت من الحزب التقدمي. ولكن بعد اسبوع ابلغوا الحكومة بأنه بسبب أن ليست لديهم صلاحية للتحقيق مع رجال الجيش فانه لا يمكنهم التوصل الى الحقيقة. ثلاثة ايام اخرى مرت، واجتمعت الحكومة اخرى من اجل البحث في التحقيق في الجرائم. 

بن طوف: “أنا اعرف أنه توجد في الجيش دوائر معنية تريد تخريب قرارات الحكومة”. 

شبيرا: “يجب علينا البحث عن افضل طريقة لوقف هذا الوباء. الوضع في هذا الشأن مثابة وباء. اليوم استمعت اللجنة لأحد الشهود وقد وضعت وجهي في الارض، أصبت بالخزي والعار. اذا كان الوضع هكذا فأنا لا اعرف من أين يتوقع أن يأتي الخطر على الدولة، من جانب العرب أم جانبنا نحن انفسنا. حسب رأيي، كل اسسنا الاخلاقية تقوضة. ويجب البحث عن طريقة لوقف هذه الغرائز. لقد وصلنا لهذا الوضع لأنه في البداية لم نعرف كيف نسيطر عليها. تولد لدي الانطباع بأننا نعيش في جنة الغباء. اذا لم تحدث انعطافة فنحن نقوض بأيدينا الاساس الاخلاقي للحكومة”. 

وزير الزراعة اهارون سيلزينغ (مبام): “لقد وصلتني رسالة من احد الاشخاص بخصوص هذا الامر. يجب علي أن اقول لكم بأنني عرفت الوضع على الارض. هذا يحدث عندنا. اكثر من مرة طرحت هذا الامر على الطاولة. بعد أن قرأت الرسالة التي وصلتني لم استطع النوم طوال الليل. شعرت أنه حدث شيء يمس روحي وروح بيتي وروحنا جميعا هنا. لم استطع تخيل من أين جئنا والى أين نذهب. أنا اعرف أن هذا ليس صدفة، بل هو امر يحدد مستوى حياة الأمة. واعرف أن هذا الامر يمكن أن يؤدي الى نتائج في كل مجالات حياتنا. جريمة تقود الى جريمة، هذا الامر اصبح طبيعة ثانية للانسان”. 

وزير الشرطة بخور – شالوم شتريت (السفارديم والطوائف الشرقية): “من الايام الاولى لـ “ادارة الشعب” طلبت التشدد في هذا الامر ولكنكم لم تستمعوا لي. أنتم منفعلون بسبب افعالهم الخطيرة. أنا طرحت عدة اقتراحات حول الامر لكن حتى الآن لم يتم الاخذ بأي منها”.

وزير المواصلات، دافيد ريمز (مباي): “نحن تدهورنا الى منزلق فظيع. صحيح ليس كل الجيش، لكن اذا كانت هناك اعمال كهذه فهي ستتكرر في حالات كثيرة، حيث أنها اعمال فظيعة ومخيفة”.

في نهاية تبادل هذه الاقوال قال بن غوريون: “بسبب أن اللجنة لم تقم بالدور الذي اعطي لها فهي تعتبر لاغية”. “نحن ندفن هذه القضية”، اجاب الوزير غرين بويم. الوزير شبيرا، الذي اقترح من البداية تشكيل لجنة تحقيق، قال إن “البساط سحب من تحت قدمي”. 

بسرعة فهم الوزراء بأن رئيس الحكومة غير معني بالتحقيق العميق في جرائم الحرب. فقد رفض اعطاء لجنة الثلاثة صلاحيات اوسع ترتكز الى انظمة الطواريء، بحيث يمكنها أن تستدعي للجنة كل من تراه مناسب، ونسب فشلها لكسل اعضائها. في حين أن بعض الوزراء طلبوا تشكيل لجنة تكون لها صلاحيات وتطبيق القانون على المسؤولين، بن غوريون جذب باتجاه مختلف كليا. هكذا، في نهاية الجلسة تم اتخاذ القرار التالي: “الحكومة تكلف رئيس الحكومة بالتحقيق في جميع الادعاءات بشأن سلوك الجيش ضد العرب في الجليل وفي الجنوب.

بعد يومين على الجلسة، في 19 تشرين الثاني 1948، عين بن غوريون المستشار القانوني للحكومة، يعقوب شمشون شبيرا، للتحقيق في الاحداث. ومثلما تم النص في كتاب التعيين فقد كتب رئيس الحكومة للمستشار بأنه “مطلوب منك بهذا أن تقوم بالفحص والتحقيق اذا كان هناك اضرار من قبل الجنود والجيش بحياة سكان عرب في الجليل وفي الجنوب، مخالف لقوانين الحرب المعروفة”.

بعد مرور اسبوعين تم تقديم تقرير شبيرا لرئيس الحكومة. في جلسة الحكومة في 5 كانون الاول قرأ رئيس الحكومة على الوزراء اساسيات التقرير، لكن في المحاضر هذا المقطع ما زال مطموس. 

في الثمانينيات قدم بني موريس التماس للمحكمة العليا طلب فيه أن يضعوا في متناول يده التقرير، ولكن تم رفض ذلك. في السنوات الاخيرة يعمل معهد عكفوت من اجل الكشف عنه. عمليا، التقرير تم ذكره فقط عدة مرات قليلة في آداب التحقيق، الى درجة أن هناك من شككوا بمجرد وجوده. المؤرخ يوآف غلبر، مؤلف احد الكتب الاكثر غنى بالمعلومات عن احداث حرب الاستقلال، بعنوان “استقلال ونكبة”، كتب أنه لم يجد “تقرير التحقيق لشبيرا أو أي تطرق اليه أو أي شهادة اخرى على أنه جرى تحقيق بشأن الاعمال التجاوزية التي حدثت في الجليل”. ولكن التقرير موجود حقا، ومن بين الامور التي كشفت الآن يتبين أن اعضاء الحكومة لم يكونوا راضين عن مضمونه وعلى التوصيات التي كانت فيه.

عندما انتهى من قراءة التقرير، تطرق بن غوريون للمستشار شبيرا وقال: “أنا لا أوافق على كل اقواله. ولكني اعتقد بأنه قام بعمل مهم وقال اشياء لم يكن ليتجرأ على قولها اشخاص آخرين”. بعد ذلك استغل المناسبة لانتقاد شركائه في الحكومة. “بالطبع، من السهل الجلوس هنا حول هذه الطاولة والقاء الاتهامات على عدد من الاشخاص المحدودين، على اولئك الذين حاربوا”. 

الوزير شبيرا: “المستشار القانوني حقا قدم تقرير مما قالوه له. ولكن هذا ليس من وظيفته. حسب رأيي، الامر الوحيد الذي يمكن فعله هو أن تختار الحكومة لجنة عامة تحقق في هذا الامر وتدخل الى ادق التفاصيل. ولكن اذا كنا نغطي على هذه الاعمال فان التهمة على كل الحكومة اذا لم تقدم المجرمين للمحاكمة”.

ريمز: “هذه الافعال تخرجنا من نطاق كوننا يهود ومن نطاق كوننا بشر بشكل عام. بالتحديد في هذه الامور الخطيرة صمتنا حتى الآن. يجب علينا ايجاد طريقة لوقف هذه الافعال. ولكن يجب عدم اسكات الضمير بالقاء كل الاتهامات الخطيرة على شباب تم جرهم من قبل اعمال تم القيام بها قبل ذلك”.

بن طوف: “الناس تعودوا على حقيقة الالهاء، وبدأوا في فهم أنه لا يوجد حكم أو حاكم”.

على طول جلسات الحكومة تم ذكر شيفرة الصمت في اوساط الجنود حول جرائم الحرب عدة مرات. الوزير شبيرا قال إن “حقيقة أن الجنود يخافون من تقديم الشهادة. سألت احد الجنود اذا كان مستعدا للمثول امام اللجنة. وقد طلب مني عدم الكشف عن اسمه وأن أنسى أنه تحدث معي وأن انظر اليه كشخص لا يعرف أي شيء”.

بن غوريون تطرق ايضا لصعوبة اختراق دائرة الصمت: “بالنسبة للجليل نشرت عدة امور. ليس كل الشائعات تلائم الوقائع. لقد اتضحت عدة امور. ما حدث في الدوايمة لا يمكن معرفته. هناك تغطية. موضوع التغطية جدي جدا. لقد امرت احد الاصدقاء بأن يقوم بفحص أمر معين، وتم ضده القيام بعملية منظمة كي لا يستطيع القيام بالفحص. استخدم عليه ضغط كبير. بن غوريون قرر أنه لا يمكن التوصل الى الحقيقة، سواء في الشمال أو في الجنوب. واضاف بأنه “في النقب جرت اعمال لا تقل صدمة عن الاعمال في الجليل”. شيفرة الصمت ساعدت الذين ارادوا كنس الجرائم تحت السجاد، وتجنب تحقيقات ولوائح اتهام. حقا، شموئيل لهيس، قائد الفصيل في مذبحة الحولة، كان من الاشخاص القلائل الذين تم اتهامهم بالقتل في حرب الاستقلال. حتى مذبحة الدوايمة التي ادت الى تحقيق داخلي في الجيش، الذي تفاصيله حتى الآن سرية، لم تؤد الى اصدار لوائح اتهام. 

حول قوة التغطية في الجيش يمكن أن نعرفها من يوسف شاي – ايل، جندي في فصيل لهيس، الذي شهد في المحاكمة ضد قائده السابق. في كتاب سيرته الذاتية بعنوان “الثمانين سنة الاولى من حياتي” كتب ما يلي: “بعد اصدار قرار المحكمة مررت باوقات صعبة لفترة معينة. كانوا يمسكوني في المقاهي وفي اماكن مختلفة في المدينة ويضربوني باللكمات. وقد طورت عادة وهي الذهاب مع مسدس في جيبي. المسدس وجدته في حينه في بيت متروك في عكا. الجميع عرفوا أنني قناص. واصبح لي وقت من الهدوء. الشرطة ابلغت والدي بأنه توجد خطة لاختطافي من البيت. لذلك، اختبأت في بيت احد الاصدقاء”.

ايضا هناك قلائل لم يحظوا بالصمت والتغطية. وحكموا على جرائم من ايام الحرب، وحصلوا في النهاية على الاعفاء من العقوبة. في شباط 1949 تم اعطاء عفو عام بأثر رجعي عن الجرائم التي حدثت اثناء المعركة. هنا تجدر الاشارة الى أن المذابح وقعت في الايام التي تشكل فيها جهاز القضاء العسكري. ربما بسبب ذلك انغرست في الجيش ثقافة تنظيمية تستخف بقتل الفلسطينيين في ظروف عملياتية. 

على أي حال، يبدو أن الجمهور الواسع لا يقلق من هذا الامر. عندما طلب من مارتن بوبر اعطاء رأيه في ذلك، سمى المزاج الذي ساد في حينه في المجتمع اليهودي بجنون الحرب. بعد نصف سنة على العفو العام ظهر رئيس الكنيست الاول، يوسف شبرينتس، أمام لجنة الخارجية والامن. في اللجنة ذكروا نبأين ظهرا في ذاك اليوم في الصحيفة، مثلا النظرة لاعمال القتل في الحرب. احدهما تحدث عن ضابط اعطى اثناء المعارك امر بقتل اربعة مصابين. النبأ الثاني تحدث عن شخص قام ببيع معدات عسكرية مسروقة. 

الاول حكم عليه ستة اشهر سجن، والثاني حكم عليه ثلاث سنوات سجن. على أي حال، لم يكن لشبرينتس أي اوهام. “نحن بعيدون عن الانسانية”، قال لاعضاء اللجنة. “نحن مثل كل الاغيار”. 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى