أقلام وأراء

محمد ابو الفضل يكتب – مشروع مصر المتعثر في أفريقيا

محمد ابو الفضل 27-12-2021م

تحتل قارة أفريقيا اهتماما كبيرا في تصورات العديد من القوى الإقليمية، وظهرت ملامح بعضها في الفترة الماضية، حيث تملك إيران مشروعا أيديولوجيا لتمكينها من نشر نفوذها المذهبي، ووضعت تركيا نواة لأهداف سياسية واقتصادية متباينة.

ودوليا، قطعت الصين شوطا طويلا في آلياتها الاقتصادية، بينما تسعى فرنسا لاستعادة نفوذها المفقود في وسط القارة، وفي وقت تبدو تصورات الولايات المتحدة الأمنية مرتبكة تتقدم روسيا نحو استكشاف المزيد من الفرص الأفريقية.

تحدثت مصر كثيرا عن مجالاتها الحيوية في أفريقيا بحكم الأهمية الاستراتيجية لمياه نهر النيل والدول الواقعة في حوضه، والحدود الممتدة مع السودان، بجانب البحر الأحمر الذي يمثل شريانا مهما وتطل إحدى ضفتيه عند مضيق باب المندب على أفريقيا، فضلا عن النفوذ المتصاعد للجماعات الإرهابية والمتطرفة في القارة الذي يمكن أن يصبح عنصرا مزعجا للأمن القومي المصري لاحقا.

تتصارع قوى مختلفة لتحقيق أهدافها، ومنها من قطع شوطا وصنع أصحابه شبكة كبيرة من المصالح ظهرت مقتطفات منها في نزاعات متباينة، ما يؤكد أن الفترة المقبلة قد تكون فيها الغلبة للقوى التي تملك رؤى واضحة وتصورات قابلة للتطبيق.

أشارت تقارير مصرية إلى نجاح القاهرة في عقد حزمة من الاتفاقيات الأمنية مع بعض دول القارة، في منطقة حوض النيل تحديدا، والتعاون مع دول مثل تنزانيا وأوغندا وجنوب السودان في مشروعات سدود ومياه، بما يعني أن هناك ملامح لمشروع أمني واقتصادي لمصر في القارة.

تستطيع القاهرة أن تستفيد من خبراتها المتراكمة في المجال الأمني والمعلومات التي بحوزتها في فضاء مكافحة الإرهاب، غير أن هذه المشكلة لا تمثل أولوية حتى الآن لدول القارة مقارنة بالتهديدات المباشرة التي تعكسها الحروب الأهلية الممتدة، فلا تزال بعض الدول تتعرض لأزمات هيكلية من جماعات محلية مسلحة.

تتطلب هذه الصراعات نوعا معينا من التعاون لا علاقة له بتبادل المعلومات الخاصة بالجماعات الإرهابية التي لم تعد رقما فاعلا في النزاعات داخل الدول التي اتجهت القاهرة نحو تطوير العلاقات الأمنية معها، على غرار أوغندا وكينيا وبورندي ورواندا وجنوب السودان، والذي لم يمتد إلى التعاون في مبيعات أسلحة أو تدريب جيوش.

يظل التعاون الأمني بين مصر وغالبية دول القارة ذا طابع ناعم وغير مرتبط بالانخراط مباشرة في الصراعات، وهو التصور الذي يعد من الثوابت المصرية في التعامل مع الدول الأفريقية في الوقت الراهن، فلا تبدي القاهرة اهتماما بهذه التفاعلات بالدرجة التي تجعلها حليفا أمنيا لأنظمة حاكمة أو داعما لمعارضة سياسية أو مسلحة.

يؤدي النأي عن الاشتباك في هذه المعادلة إلى حصر المكاسب في الجوانب الرمزية، فاحتدام الصراعات التي تتخذ شكلا مسلحا غالبا يقلل من أسهم مصر في تحقيق نفوذ كبير وربما يعرضها إلى خسارة كبيرة، حال انتصار أو فشل القوى الداعمة لها.

كما أن طرق الدعم المالي تقتصر على الدعم الفني في المشروعات الاقتصادية التي لها علاقة بملف المياه، ما يعني أن هذا الدعم لا يحظى بنصيب في التوجهات المصرية التي تحتاج إلى امتلاك موارد تمكن الدولة من تقديم مساعدات سخية في هذا المجال.

لا تمنح المساعدات الرمزية دولة حضورا قويا في دولة أخرى، فقد تراجع دور الأدوات الناعمة التي مكنت القاهرة من تكريس نفوذها من قبل، فمع تزايد الاحتياجات وكثافة الصراعات وتداخل المشروعات إذا لم تتبنّ مصر مشروعا ماديا، بصرف النظر عن هويته، أمنية أو اقتصادية أو سياسية، أو الثلاث معا، فإنها لن تستطيع أن تنافس قوى أخرى دشنت مشروعاتها وفقا لرؤى واضحة ومحددة.

يشير خطاب مصر المتجه نحو أفريقيا إلى أنها قارة تمثل شريانا حيويا لمصالحها المتنوعة، إلا أن الأدبيات المستخدمة لا تكشف عن الحجم الكبير لهذه الحيوية، والتي تكاد تقتصر على معان سياسية فضفاضة وتنصب على المربع الدبلوماسي، وهو ما وضع سقفا محدودا لما يمكن أن تقوم به من تحركات.

لنأخذ أزمة سد النهضة كمعيار لهذه السياسة، فبعد نحو عشر سنوات من المفاوضات مع إثيوبيا لم تحقق مصر تقدما ملموسا، وشرعت أديس أبابا في تنفيذ الملء الأول والثاني وبعد نحو سبعة أشهر يمكن أن تشرع في الثالث، مع ذلك لا تزال القاهرة تردد المعاني نفسها بشأن التسوية القانونية والملزمة، رغم ثبوت عدم فعاليتها.

أصبح الرهان على حدوث تغيرات في إثيوبيا تطيح بالحكومة الحالية بقيادة آبي أحمد غير مضمون، فقد نجحت قواته في استرداد بعض المناطق التي احتلتها جبهة تحرير تيغراي مؤخرا، ما يشي بأن الحكومة المركزية قادرة على الصمود فترة طويلة، ومفاوضات سد النهضة يمكن أن تظل معلقة حتى إشعار آخر.

منح المجتمع الدولي أولوية لتطورات الحرب على حساب البحث عن تسوية لأزمة سد النهضة، بما جعل الخيارات ضيقة أمام القاهرة، والتي لم تعلن عن مشروعات سلمية أو عسكرية بديلة، فالتحركات التي قامت بها مصر حيال عدد من دول القارة لا تمكنها من إحداث تغيير حقيقي في التفاعلات المتحكمة في ملف سد النهضة.

تسهم الرؤية الاستراتيجية الواضحة للدولة في تلبية حاجاتها الأساسية، حيث تحدد الأهداف المطلوبة ويتم العمل لأجل تنفيذها على الأرض، وبات غياب المحددات التي ترسم خارطة الطريق انتكاسة لأي دولة لها مصالح كبيرة في منطقة ما، ويقلل من فرص النجاح في تحقيق المكاسب أو خفض مستوى الخسائر.

تؤكد المعطيات الحالية أن مصر تمتلك مشروعات متباينة للحفاظ على مصالحها في أفريقيا، غير أن كل العناوين المطروحة لها متعثرة أو لم تكتمل بعد، ما يقوض قدرتها على التأثير في التطورات المتلاحقة في المناطق المعنية بها كثيرا في القارة.

السودان الذي أعادت مصر علاقتها معه بصورة جيدة بعد سقوط نظام عمر البشير لم تستطع التدخل في أزمة السلطة المحتدمة هناك بسبب الحساسية المفرطة التي تحكم العلاقة مع طبقته السياسية والهواجس المختمرة في عقول شريحة من السودانيين بأن أي تدخل مصري لن يكون مجديا.

يبدو هذا المثل دليلا كافيا على أن وضع مشروع لما تريده القاهرة من القارة نقطة أساسية للنجاح، فالكثير من علاقات مصر مع دول القارة يتم التعامل معها عبر مقاربات مبتورة وتفتقد إلى الرؤية البعيدة، وهو أحد تفسيرات نجاح الآخرين في الدفاع عن مشروعاتهم والسعي نحو تنفيذها، فلن تتمكن القاهرة من تعزيز وجودها والدفاع عن مصالحها ما لم تقدم مشروعا مكتملا للتعامل مع أفريقيا التي أصبحت منطقة جذابة وتتكالب عليها قوى إقليمية ودولية متعددة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى