أقلام وأراء

رفيق خوري: الرهان على اتفاق لا يناسب الطرفين

رفيق خوري 27-3-2026: الرهان على اتفاق لا يناسب الطرفين

لبنان خسر دوره الطبيعي بفعل قوى قاهرة فرضت عليه دورًا ليس له. وهو سلِم من حرب حزيران 1967 وحرب تشرين 1973بين إسرائيل ودول المواجهة، لأنه حسب تصنيف القادة العرب في القمم “دولة مساندة”. لكنه لم يسلم مند السبعينات حتى اليوم من حروب وصراعات قادته إليها منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل وسوريا وإیران وواشنطن وموسكو ونقاط الضعف في تركيبته الداخلية. وهو فاخر بأنه لم يمر مثل أشقائه العرب في مرحلة الإنقلابات العسكرية. غير أن خمسة من قادة الجيش تولوا رئاسة الجمهورية من بين أربعة عشر رئيسًا في مرحلة الإستقلال.

والوقت حان لوضع السلام على “الأجندة” في لبنان بعد عقود من الحروب والأزمات والصراعات العنيفة. فالحاجة الملحة إليه صارت أشد إلحاحًا في هذه الأيام، حيث حروب السلام تعجن المنطقة لإعادة تشكيلها، وسياسة التدمير والتهجير تزداد توحشًا إسرائيليًا من دون أمل في العودة إلى البيوت والقرى. لكن مبادرة الرئيس جوزف عون تصطدم، لا فقط بشروط مسبقة صعبة بلا ضمانات حول نتائج التفاوض المباشر المطروح، بل أيضًا بأن إسرائيل ليست في حاجة إلى تسوية حاليًا. و “حزب الله” يرفض السلام معها بالمطلق.

ذلك أن السلام مع لبنان وسوريا لا يناسب إسرائيل في هذه المرحلة. فهي تريد وتمارس حرية الحركة العسكرية والأمنية في كل لبنان ولا سيما في الجنوب، كما في جنوب سوريا، انطلاقًا من عقيدتها الجديدة “الدفاع الأمامي الهجومي” من الخارج، بعد الدرس المزلزل الذي تعلمته من عملية “طوفان الأقصى”. وأقل ما تصر عليه هو “مناطق عازلة” في لبنان وسوريا تحول دون تكرار تجربة الطوفان. و “حزب الله” الذي أجبرته الضربة القاسية في “حرب الإسناد” على قبول الاتفاق على “وقف الأعمال العدائية” لا يناسبه اتفاق أمني كامل ولا بالطبع سلام، لأن ذلك يضع حدًا نهائيًا لشعار “المقاومة”. لا بل أن “الثنائي الشيعي” يطلب الاستعادة سلفًا لكل ما خسره لبنان في حرب “الحزب” مقابل العودة إلى “الميكانيزم” وقبول الرئيس نبيه بري تسمية عضو شيعي في وفد التفاوض. أکثر من ذلك، فإن حرب “الحزب” هي جبهة في حرب إيران مع أميرکا وإسرائيل، ولا مجال لوقفها هنا قبل وقفها هناك. وحتى إذا قرر الرئيس دونالد ترامب الخروج منها بصفقة أو من دون صفقة، فإن نتنياهو مصر على “إكمال المهمة” في الشمال. والموقف الإسرائيلي المدعوم أميركيًا من أي اتفاق أمني أو اتفاق سلام هو الإصرار على سحب سلاح “الحزب” وتفكيك بنيته الأمنية والعسكرية قبل أي شيء، لتجنب أن تتكرر حروب “جز العشب”، ولكي يكون الطرف الممثل للدولة قادرًا على تقديم ما يلتزمه.

ولا أحد يعرف متى تنتهي حرب إيران وكيف وبماذا. لكن الكل في لبنان يتصرف كأنه يعرف، من موقعين مختلفين، نهاية “ملحقها” هنا. فمن يراهن على هزيمة إيران وشروط ترامب في أية صفقة حول تخلي طهران عن أذرعها والتوقف عن التسليح والتمويل، يرى على الشاشة موقع البلد في الشرق الأوسط الجديد. ومن يؤمن بصمود النظام الإسلامي في إيران وبالتالي ب “نصر إلهي”يعطي النظام قوة معنوية تتحول قوة عملية تقوي أذرعها وتعمل للمشروع الإقليمي الإيراني الذي صارت له جوانب دولية، يرى رقصة الشرق الأوسط ومعه لبنان على موسيقى طهران.

والمفارقة أن الكبار يبدون في مأزق لا يعرفون كيف يخرجون منه بالخسائر الممكنة، في حين يبدو الصغار واثقين من حدوث السيناريو الذي يأملون فيه أو يعملون له في المشهد الإقليمي الواسع من غزة إلى صنعاء. و “العالم ليس عقلاً” حسب عبد الله القصيمي. لكن هذا العالم يراهن على أن تنقذه من الجنون ما يسميها العالم السياسي الفرنسي الإيراني الأصل برتران بديع “ديبلوماسية التواطؤ “.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى