ترجمات عبرية

يديعوت: الغرق في الاستنزاف

يديعوت 23/6/2024، ميخائيل ميلشتاين: الغرق في الاستنزاف

الحادثة القاسية التي قتل فيها جنديان من الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي في محور نتساريم، في اعقاب نار قذائف هاون اطلقتها حماس تجسد نموذج الحرب الذي يتثبت في غزة. يوجد فيه وجه شبه مع المواجهة التي جرت في الحزاب الأمني في لبنان حتى العام 2000، أي خوض حرب متآكلة في طريق ذي اتجاه واحد في منطقة إقليمية محدودة. 

تتمسك إسرائيل بتقويض حماس وتعلن بانها تتقدم نحو هذا الهدف، لكنها عمليا تغرق في حرب استنزاف. هذه معركة بلا عامل تقدم واضح في الزمان وفي المكان: الجيش الإسرائيلي يعمل في ضوء استراتيجية المرحلة الثالثة، وبموجبها يمكن الحاق الهزيمة بحماس من خلال اعمال مركزة متواصلة، دون بقاء دائم في الأرض المحتلة. عمليا، يحوز الجيش الإسرائيلي قاطعين اقليميين ضيقين (نتساريم وفيلادلفيا)، بينما تواصل حماس لتكون عنصر القوة المسيطرة في باقي القطاع. الجنرال تشارلز براون، رئيس اركان الجيش الأمريكي انتقد فكرة العمل الإسرائيلية، وادعى بانك “لا ينبغي لك فقط ان تدخل وتصفي الخصم بل عليك أن تحوز المنطقة وتثبتها بعد ذلك”.

وتنبع الورطة المتزايدة من فوارق أساسية لفهم الواقع لدى أصحاب القرار. في المستوى السياسي يبرز غياب استراتيجية مرتبة وواقعية. عشية 7 أكتوبر لم يجرِ تفكير وتخطيط عميقين في الموضوع الفلسطيني، والحرب نشبت دون أن تكون لإسرائيل خطط مرتبة بالنسبة لاحتلال غزة، سيطرة عليها وإقامة نظام بديل. الفراغ تملأه إما الشعارات او خيالات، وبخاصة بالنسبة لتحقيق “نصر مطلق” وإقامة نظام جديد يقوم على أساس قوى محلية ذات نهج إيجابي تجاه إسرائيل ونزع تطرف الجمهور الفلسطيني (الذي لا يبدي حتى الان ميلا لاي حساب للنفس). 

بغياب استراتيجية مرتبة، فان المفاهيم والاصطلاحات العسكرية تصبح سياسة. “تفكيك كتائب حماس” و “الحاق الهزيمة بالمنظمة” مستمدة من قاموس المفاهيم العسكرية، لكنها غير مناسبة للتصدي لجسم أيديولوجي مسلح صهر نفسه في داخل المجتمع المدني ويواصل القتال والتحكم حتى بعد ان تلقى ضربات قاسية. آخرها كانت (على ما يبدو) تصفية رائد سعد، رقم 4 في الذراع العسكري للمنظمة ورئيس قسم العمليات فيها. حسابات اعداد الوحدات التي أصيبت هم المخربين الذين صفوا تجعل من الصعب علينا أن نفهم الطبيعة الخاصة للعدو والمواجهة في غزة وتذكر بحرب فيتنام التي حقق فيها الامريكيون نجاحات تكتيكية كثيرة لكنهم لم ينجحوا في جمعها الى انجاز استراتيجي عام. 

ان الوعود التي تقول “الحاق الهزيمة بحماس قريب” تذكر بإعلان الإدارة الامريكية بعد احتلال بغداد في 2003 بان “المهمة انتهت” (Mission accomplished) أي تلك العسكرية لكن ليست تلك الاستراتيجية، التي أصبحت “مغامرة” طويلة وفاشلة لاقامة ديمقراطية مستقرة في العراق. الاحتكاك بالذات الأسبوع الماضي بين المستوى السيياسي والعسكري، وبخاصة بين رئيس الوزراء والناطق العسكري، كفيل بان يشهد على مؤشرات الصحوة: من جهة شعار النصر المطلق، دون الشرح كيف ومتى سيتحقق، ومن الجهة الأخرى إشارة شديدة الوضوح بموجبها الحسم الكامل ليس قابلا للتحقق، على الأقل طالما يجري نموذج المواجهة الحالية. 

وفي هذه الاثناء في الميدان – بدلا من الصراع ضد اطر عسكرية شبه منظمة، نحو نصف قادتها صفوا، تنتقل حماس الى حرب عصابات في منطقة تعرفها جيدا، في ظل الاستناد الى عطف قسم هام من السكان، تعبئة متجددة لصفوفها واستغلال غياب التواصل في التواجد والاعمال العسكرية الإسرائيلية في معظم مناطق القطاع. الامر يسمح لحماس بان تتعلم بجذرية اعمال الجيش الإسرائيلي واساسا ان تضرب قواته مثلما حصل في محور نتساريم.

نمط المعركة الناشيء في غزة يتناسب والمفاهيم الأساس لحماس ويتعارض مع تلك الإسرائيلية. حماس تعمل في ضوء نظرية المقاومة، التي أساسها الصبر، الصمود وقدرة احتمال وامتصاص الخسائر دون حاجة لمراعاة وضع الجمهور. اما إسرائيل بالمقابل، فيصعب عليها تحقيق الحسم العسكري الكلاسيكي والمجتمع الإسرائيلي غير مبني لـ “معركة مفتوحة” ويبدي انتقادا متزايدا على المواجهة. 

في الشرق الأوسط من الأفضل للمرء أن يكون واقعيا اكثر من أن يكون متفائلا: على الإسرائيليين ان يعترفوا بانهم يقفون امام مفترق طرق مشوه منذ بدأت استراتيجية المرحلة الثالثة قبل نحو نصف سنة. يمكن تقويض حكم حماس لكن الامر يستوجب احتلال كل قطاع غزة من خلال قوة عسكرية كبيرة – سواء لحاجة السيطرة ام للبقاء الطويل في المنطقة والذي بدونه لن تكون معالجة جذرية لحماس ولن ينشأ هناك بديل. 

ولما كان لا يبدو ان لإسرائيل في هذه اللحظة قدرة أو رغبة في احتلال كامل، فاننا نواصي باختيار الصفقة رغم ثمنها الأليم: وقف الحرب (في هذه المرحلة)، وانسحاب من معظم القطاع. النقد الحاد على ان هذه هي “انهزامية” ينطوي على تنكر لانعدام جدوى السياسة الحالية التي لا تقرب تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب، وتخلق فقط احباطا متزايدا لدى الجمهور الإسرائيلي. عمليا، لا يوجد تناقض بين وقف نار في هذه اللحظة ومواصلة التمسك بهزيمة ساحقة لحماس: انهاء الحرب سيسمح باشفاء داخلي متعدد الابعاد، بالتوازي مع بلورة خطط معمقة للقضاء على المنظمة وإعادة تصميم القطاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى