هشام نفاع يكتب - خطة الحكومة الإسرائيلية بشأن التعامل مع الجريمة والعنف في المجتمع العربيّ (قراءة أولى) - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هشام نفاع يكتب – خطة الحكومة الإسرائيلية بشأن التعامل مع الجريمة والعنف في المجتمع العربيّ (قراءة أولى)

0 108

هشام نفاع *- 13/11/2020

من المفترض أن تبحث الحكومة الإسرائيلية وأن تقرّ خطة يتضمنها تقرير رسمي موصوف بـ”مستند سياسي” يحمل العنوان “توصيات لجنة المديرين العامّين للوزارات بشأن التعامل مع الجريمة والعنف في المجتمع العربيّ”. وهي لجنة يترأسها مدير مكتب رئيس الحكومة وتضم نظراءه في الوزارات التالية: وزارة الأمن الداخليّ، وزارة الداخليّة، وزارة العمل، وزارة الرفاهية والشؤون الاجتماعيّة، وزارة المساواة الاجتماعيّة، وزارة العدل، وزارة الإسكان، وزارة الاقتصاد، وهذا بالإضافة إلى سلطة الضرائب ودائرة الميزانيّات لدى وزارة الماليّة. وينوّه المستند إلى مشاركة ممثلين عن اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربيّة “بشكل فعّال” في بلورة الخطّة.

جاء في مقدمة التقرير أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو كلّف هذا الطاقم، في تشرين الأول 2019، بإعداد خطّة في غضون 90 يوماً تُعنى بمعالجة الجريمة الخطيرة ومنع العنف في المجتمع العربيّ. لكن مسوّدة التقرير اكتملت في تموز من هذا العام، وعُرضت قبل أسبوع، ولم يتم إقرار الخطة بعد. هناك تأخير بحوالي 10 شهور، وهي فترة طويلة وحاسمة في سياق موضوع الخطة، الجريمة، إذ يقول التقرير نفسه إنه “يكاد لا يوجد يوم واحد لا يخلو من الإبلاغ عن حوادث العنف، والعبث بالممتلكات، والجريمة، والعنف داخل العائلة والصراعات بين العائلات، حيث تودي هذه الأحداث بحياة الكثير من الناس أكثر من مرة. لا يمكن التسليم بهذا الواقع المرير، فيجب محاربته حرباً شرسة وبشتى الطرق في سبيل اجتثاثه”. وهو يشير إلى سقوط 91 ضحيّة من المجتمع العربيّ العام 2019.

يشير التقرير منذ البداية إلى نقطة تتطلب التمعّن والقراءة المدقّقة حيث كُتب: “هناك من يحبذ أن ينسب مسببّات الجريمة والعنف إلى التقاليد الثقافيّة المتّبعة في المجتمع العربيّ، وإلى أعراف السلوك التي تعود إلى سنوات طويلة والتي تفضّل السلوك الخارج عن نطاق القانون. بيد أنّ هذا الاتّجاه يلقي بالمسؤوليّة الحصريّة على عاتق الأفراد من المجتمع العربيّ ولا يأخذ بعين الاعتبار تأثير عوامل الظروف المعيشيّة، والفروق في نوعيّة الخدمات العامّة وعدم المساواة في الحصول على فرص متكافئة في مجال التربية والتعليم، والإسكان والتوظيف. حينما تضاف إلى هذه الظروف البيئيّة الناقصة ظروف الفقر، والاغتراب، والإقصاء وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع العام، يشكّل ذلك تربة خصبة لتكوّن بل لازدياد ظواهر الجريمة والعنف المرفوضة”.

عملياً هذا “الاتهام الثقافي” المُشار إليه هو محور الدعاية والرواية الرسميّتين، اللتين تحمّلان العربي مسؤولية الظاهرة. الفقرة أعلاه قطعت نصف شوط هام في الخروج من إسار هذه الفرية لكنها لم تنفِها كلياً؛ لأن هذا الاتهام الذي تصحّ تسميته بالاستشراقي- العنصري غير المستند إلى أية حقيقة ومعطى واقعي، بقيت آثاره هنا، وهي آثار تنعكس في مقولة “المسؤولية الحصرية”، ليس هنا رفض لهذا الاتهام بل تحفّظ من حصر الأمر فيه.

هل يمكن وصف جهود الحكومة بـ”الجبارة” مع نتائج بهذه الخطورة؟

يزعم الموظفون الكبار معدو التقرير أنه “على مدار سنوات طويلة عملت دولة إسرائيل من خلال قنوات منفصلة على معالجة المجتمع العربيّ. فمن ناحية بذلت المساعي لتعزيز تطبيق القانون وتحسين طرق تطبيق القانون مع السكّان، وبالتزامن مع ذلك، بادرت إلى القيام بنشاط يُعنى بالتطوير الاقتصاديّ والاجتماعيّ من خلال برامج خماسيّة استثمرت فيها ميزانيّات ضخمة”. لكن الواقع يتحدث بلغة أخرى لم يجد معدو التقرير طريقة لتفادي الوقوف أمامها. فلو كانت الصورة بمثل القتامة المصوّر بها وضع تفاقم العنف والجريمة، يصحّ التشكيك إما في حقيقة “بذل المساعي لتعزيز تطبيق القانون” و”القيام بنشاط يُعنى بالتطوير”، أو على الأقل التشكيك في جدوى ما يُقال إنه قد بُذِل.

والمعطيات مرعبة. هذا بعض مما جاء في التقرير: ارتفع عدد جرائم القتل في المجتمع العربي بنحو 50 بالمئة خلال حوالي خمس سنوات. مقارنة بالمجتمع اليهوديّ فإنّ معدل القتل أعلى بـ 7 أضعاف. نسبة البالغين من العرب ممن تم إدانتهم لدى المحاكم عام 2017 بلغت 7,1 لكلّ 1000 شخص، مقابل 3,2 أشخاص فقط وسط البالغين اليهود. ورغم أن المجتمع العربيّ لا يشكّل إلا حوالي 21 بالمئة من مجموع السكّان، فإنّ حوالي ثلث الأشخاص الذين أدينوا لدى المحاكم العام 2017 كانوا من أبناء المجتمع العربيّ. وفقا للإحصائيات السنوية الصادرة عن شرطة إسرائيل للعام 2019، فإن45,7 من المجرمين هم من العرب. 61 بالمئة من الاعتقالات تقريباً ونحو 42,8 بالمئة من لوائح الاتهام العام 2019 صدرت بحق أبناء المجتمع العربيّ.

في جميع الأحوال، يضطر التقرير إلى الاعتراف بأن مكامن الخلل في سياسة الحكومة ذات الصلة، كثيرة. وبكلماته: “في إطار عمل طاقم المديرين العامّين تمّ لأوّل مرّة تحليل شامل لمسببّات هذه الظاهرة (الجريمة والعنف) حيث تم اكتشاف روابط متعدّدة بين الظواهر المختلفة. على سبيل المثال، اكتشف أنّ سياسة التوظيف، التي حقّقت نجاحاً كبيراً بالنسبة لتوظيف نساء عربيّات، قد أهملت الرجال الشباب من العرب، الذين يشكّلون القسم الرئيس من المجرمين العرب. كما اكتشف أنّ الدولة لا تمارس بشكل فعّال شتّى أدوات تطبيق القانون المتوفّرة لديها بحقّ الجهات الإجراميّة. كما تبيّن بأن الدافع الرئيس للجريمة هو اقتصاديّ، فقد أصبحت السلطات المحلّيّة العربيّة وجهةً مفضلة تُستغل للاستحواذ على موارد الميزانيّات التي تتدفّق إليها بطرق شبه شرعيّة”. مرة أخرى: ها هو الواقع يتحدث بلغة أخرى.

لنأخذ الفقرة التالية من بند “العوامل الرئيسة لظواهر العنف والجريمة” وتحديداً “فجوات الحكم والتحدّيات المرتبطة بعلاقات المجتمع والشرطة”: “تعاني البلدات العربيّة مستوى غير كافٍ من خدمات الأمن الداخليّ (الشرطة والإطفاء). بالإضافة إلى ذلك هناك فروق ملموسة في البنى التحتية وفي إمكانيّة الوصول إلى خدمات اجتماعيّة، والتي ما زالت حاضرة رغم الجهود الجبّارة التي تبذلها مؤسّسات الدولة على مدار السنوات الأخيرة في سبيل تقليصها. حيث تزداد وسط هذه الظروف شدّة ظواهر الفقر، والبطالة، والخمول لدى الشباب وغيرها من الظواهر التي تولّد الجريمة والعنف”. هل يمكن وصف جهود الحكومة بـ”الجبارة” طالما أن النتائج التي أدت إليها بمثل هذه الخطورة؟

ما لا يُقال بشكل مباشر أو سرديّة اتهام الضحايا

من هنا يصبح الاستنتاج أن المسؤولية تُعاد إلى المجتمع نفسه. هكذا يتم سرد الرواية: “نتيجة لغياب فرض القانون بما يكفي ولغياب البنية التحتية ونقص تطبيق القانون بحكم قوانين مساعدة بلديّة تتشكّل أعراف عدم الالتزام بالقانون والتي تشكّل التربة الخصبة للجريمة والعنف. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ عوامل مختلفة تشير إلى كون العلاقات بين الشرطة والمجتمع العربيّ من العوامل المسبّبة للعنف في المجتمع العربيّ على مرّ السنين. فبين الشرطة والمواطنين العرب تسود عدم الثقة التي تعود، ضمن أمور أخرى، إلى مزيج من “نقص حضور الشرطة”، بمعنى العيوب في تقديم خدمات شرطية فعالة للمواطنين من ناحية، و”فرط حضور الشرطة”، بمعنى اتخاذ إجراءات شرطية غير متناسبة، من ناحية أخرى. خلال السنوات الأخيرة تعمل الشرطة على تحسين الخدمة المقدّمة للمواطنين العرب؛ إذ تمّ تدشين عدّة مراكز شرطة جديدة في عدد من المدن العربيّة، كما تمّ تجنيد رجال ونساء شرطة من المجتمع العربيّ على نطاق واسع. ومع ذلك، يفيد استطلاع أجرته “جمعيّة الجليل” أنّ 25 بالمئة فقط من المجيبين اعتبروا افتتاح مركز شرطة في البلدة عاملاً يخفّف من مستوى العنف الموجود فيها. وفي الواقع، تنشأ هنا “حلقة جهل” حيث كلما ارتكِبت جريمة فإنّ الشرطة تجد صعوبة في جمع المعطيات، ممّا يؤدّي بالتالي إلى انخفاض معدّلات الكشف عن المجرمين، حيث يتعذّر العثور على العناصر الإجراميّة أو لا تتوفّر المعطيات الكافية لتتم محاكمتهم؛ كما يتكوّن عرف اجتماعي يقضي بضرورة تجنّب الإفادة بهوية المجرمين ممّا يؤدّي إلى إغلاق الملفّات، وتسويات ادعاء وسقف عقوبات منخفض، ولا يسمح “بتنظيف” الميدان وبزيادة قدر الخوف الذي ينتاب السكّان العاديين والشخصيّات العامة. وتتجسّد نتيجة عدم الثقة بأنظمة إنفاذ القانون والقضاء، إلى جانب الأعراف التي تبرر أخذ القانون في اليدين من خلال تزوّد المواطنين العاديين بالوسائل القتاليّة، حيث يكون الطريق للوصول من توفّر الوسائل القتاليّة على نطاق واسع لدى مواطنين إلى اللجوء لاستخدامها بشكل معربد وغير محكم”.

إن ما لا يُقال بشكل مباشر هو التالي: حين تقع جريمة، هناك نقص في حضور الشرطة. أما إذا نُظمت مظاهرة مثلا فإن الشرطة تكون حاضرة بشكل مُفرط وفاعلة بشكل مُفرط وعنيفة بشكل مُفرط. تشهد على هذا حوادث الاعتداءات الوحشية على متظاهرين. القمع كما يبدو “مسألة سهلة”، أما التحقيق وبذل الجهد والوقت والميزانيات لكشف الجرائم وتوفير حق الأمن للمواطن، وهو جوهر العمل الشرطي المدني في كل العالم، فهو “مسألة صعبة”، خصوصاً إذا غابت النوايا.

كذلك، ما معنى أنه “كلما ارتكِبت جريمة فإنّ الشرطة تجد صعوبة في جمع المعطيات، ممّا يؤدّي بالتالي إلى انخفاض معدّلات الكشف عن المجرمين، حيث يتعذّر العثور على العناصر الإجراميّة أو لا تتوفّر المعطيات الكافية لتتم محاكمتهم؛ كما يتكوّن عرف اجتماعي يقضي بضرورة تجنّب الإفادة بهوية المجرمين ممّا يؤدّي إلى إغلاق الملفّات، وتسويات ادعاء وسقف عقوبات منخفض”. هذا ليس أكثر من رطانة تتحايل على الواقع وتلتف على الحقائق والمعطيات. ليست هناك إجابة على السؤال: لماذا تجد الشرطة صعوبة في جمع المعطيات؟ هل تجد الصعوبة نفسها لو أن تعريف الجريمة كان “أمنية” وليس “جنائية”؟ هل كانت ستجد الشرطة صعوبة مماثلة لو كان الضحية يهودياً والمشتبه بالقيام بالجريمة عربياً؟

ثم إنه لو اكتفينا بنص التقرير في هذه الفقرة حتى بدون الأسئلة السالفة، ما معنى “يتكوّن عرف اجتماعي يقضي بضرورة تجنّب الإفادة بهوية المجرمين”؟ لماذا لا تُسمى الأمور بأسمائها: الشرطة عاجزة أو متقاعسة أو متورّطة في عدم توفير حق الأمن للمواطن، ولا تضمن حمايته من المجرمين والإجرام، لذلك يخاف المواطن العربي – كأي مواطن في العالم- من الإدلاء بما قد يكون قد رآه وعرفه؟ ليس هنا عُرف اجتماعي، بل سلوك طبيعي لمواطنين خائفين على حياتهم وأولادهم يتعرّضون لجرائم منظمة متفشية وليست هناك أجهزة دولة تحميهم. لا يسلك العرب هكذا لأنهم ابتكروا عُرفاً، بل لأنهم يتعرّضون لإرهاب مؤلف من مركبين: إجرام دموي من جهة وتقاعس من الشرطة والحكومة من جهة أخرى. تسمية الوضع بـ”العرف” هو تحميل للناس مسؤولية لا يتحملونها، وعودة إلى مربعات “الاتهامات الاستشراقية” المقززة.

“لغز” نجاح الشرطة أمام الجريمة بين اليهود وفشلها بين العرب

حين يتحدث التقرير عن جهود الشرطة ونجاحها في البلدات اليهودية، يؤكد عملياً أنه لا مكان ولا شرعية للذرائع المستخدمة لتبرير الفشل في مواجهة الجريمة في البلدات العربية. فقد جاء في بند آخر: “في مطلع القرن الـ 21 قرّرت الحكومة مكافحة منظّمات إجراميّة في البلدات اليهوديّة في البلاد من خلال خطوات مشتركة للشرطة وأذرع إنفاذ القانون الأخرى، سواء كانت النيابة العامة، أو سلطة الضرائب أو سلطة حظر غسيل الأموال. وقد حقّق هذا الكفاح نجاحاً، إذا بدأت المنظّمات الإجراميّة تشهد انهياراً؛ إلاّ أنّ إحدى نتائج هذا النشاط كانت انتقال الأنشطة الإجراميّة واسعة النطاق إلى البلدات العربيّة، حيث قلّ حضور الشرطة فيها واعتبرت إجراءات إنفاذ القانون أقلّ فاعليّة. خلال السنوات الأخيرة راكمت المنظّمات الإجراميّة العربيّة قوّة وثروة بالغة نتيجة نشاطها الجنائيّ والعنيف الذي تضمّن، من بين أمور أخرى، متاجرة الأسلحة القتاليّة، ومتاجرة المخدّرات، والقروض من السوق السوداء الرماديّة وجباية مقابل الحماية. وبالإضافة إلى توسيع ظواهر الإجرام والعنف، فإنّ حضور المنظّمات الإجراميّة البارز في الوسط العربيّ يؤدّي كذلك إلى توسيع دائرة المشاركين في حلقة العنف حيث يشعر العديد من الشباب العرب بأنه لا تتوفّر أمامهم فرص عمل أخرى فيتم إغراؤهم للعمل في خدمة الجهات الإجراميّة رغبةً منهم بكسب أموال ومكانة رفيعة بصورة سريعة، والتي لربما سيكون من الصعب عليهم كسبها بطرق مشروعة”.

السؤال هنا: ما الفرق بين ما فعلته الشرطة في البلدات اليهودية وبين ما تفعله (أو لا تفعله) في البلدات العربية؟ لا يجيب التقرير على هذا، لكن يجب التوقف ملياً أمام هذه الجملة: “في مطلع القرن الـ 21 قرّرت الحكومة مكافحة منظّمات إجراميّة في البلدات اليهوديّة في البلاد من خلال خطوات مشتركة للشرطة وأذرع إنفاذ القانون الأخرى”. والسؤال: لماذا اقتصر قرار الحكومة الهام على البلدات اليهودية؟ لماذا لم يكن القرار: مكافحة منظّمات إجراميّة في كل البلدات الإسرائيلية؟ ربما لأن الجريمة المنظمة لم تكن متفشية في البلدات العربية حينذاك؟ ربما لأن لا جذور “ثقافية” عربية لها؟ وبالفعل ها هو التقرير يقول إن “إحدى نتائج هذا النشاط (في البلدات اليهودية) كانت انتقال الأنشطة الإجراميّة واسعة النطاق إلى البلدات العربيّة”. ولكن نحن نتحدث عن مطلع القرن الـ21. منذ ذلك الحين مرّ عقدان من الزمن. سقط أكثر من ألف قتيل (بين الأعوام 2015-2019 فقط، قُتل 1198 مواطناً عربياً). عشرون عاماً تفشت فيها الجريمة المنظمة ونشأت وتعزّزت فيها منظمات الإجرام لدرجة باتت مهيمنة على حياة الناس، والدولة بمؤسساتها غائبة ومتقاعسة. فأي معنى سيبقى للزعم الوارد في التقرير: “على مدار سنوات طويلة عملت دولة إسرائيل من خلال قنوات منفصلة على معالجة المجتمع العربيّ. فمن ناحية بذلت المساعي لتعزيز تطبيق القانون وتحسين طرق تطبيق القانون مع السكّان، وبالتزامن مع ذلك، بادرت إلى القيام بنشاط يُعنى بالتطوير”؟ كيف تتعايش معاً هذه الأوصاف مع معطيات الموت والرعب على نفس الصفحات؟

سياقات اقتصادية- اجتماعية للجريمة وليس كمخالفة قانون فقط

تناول التقرير بمسوّدته المتوفرة استعراضاً وبحثاً موسعاً لمجالات حياتية واسعة، يؤكد أنها مرتبطة فعلا بتفشي الجريمة. ومما جاء فيه: “خلال عمل طاقم المديرين العامّين أثيرت قضايا عديدة تخصّ مجالات التطوير الاقتصاديّ والاجتماعيّ، الذي يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتغذية ظواهر الجريمة والعنف. بطبيعة الحال، هذه الخطّة لا تأتي لتحل محل أو لتتضمن بين طياتها كافّة أنشطة الحكومة للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة في المجتمع العربيّ، لكن ساد إجماع وسط طاقم المديرين العامّين، على أهمّيّة بالغة في مواصلة هذه الجهود، لا سيما على خلفيّة الانتهاء الوشيك للعمل بقرارات الحكومة رقم 922 بحلول نهاية العام 2020. ويشدّد على أنه بغياب استمرار النشاط الحكوميّ المكثف للتطوير الاقتصاديّ والاجتماعيّ فلن تكون هناك أي جدوى للأنشطة الرامية إلى القضاء على الجريمة والعنف. وبشكل خاص، لقد اكتشف طاقم المديرين العامّين أنه من بين مجمل الإجراءات للتطوير الاقتصاديّ والاجتماعيّ فإنّ القضايا التالية تحظى بأهمّيّة زائدة في سياق منع الجريمة والعنف في المجتمع العربيّ: تطوير المناطق الصناعيّة في البلدات العربيّة- سواء باعتبارها وسيلة لزيادة فرص العمل المتاحة أمام الشباب العرب أو أساساً من أسس متانة السلطات المحلّيّة العربيّة؛ المعالجة الشاملة لأزمة الإسكان – تسجيل الأراضي، والتخطيط والقروض”.

وعليه، يجدر التنويه إلى أن طاقم المديرين العامّين خرج من النطاق الضيّق للتعاطي مع الجريمة كفعل مخالفة قانون فقط، بل وتناول سياقات اقتصادية- اجتماعية لها. وهذا ربط مهم بين خلفيات مركبة وبين سلوك اجتماعي ناجم عنها او متأثر بها. وهو يتيح التعامل مع القضية بلغة وأدوات السياسة وليس بلغة إنفاذ القانون الضيقة جداً.

وهذه جوانب تتطلب الاستعراض والتحليل في مقال منفصل، سيكون بمثابة المكمّل لهذا المقال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.