هآرتس: لبنان يقترح الشراكة لكن إسرائيل معنية بذراع عملياتي
هآرتس 14/4/2026، تسفي برئيل: لبنان يقترح الشراكة لكن إسرائيل معنية بذراع عملياتي
المقولة المشهورة لكارل فون كلاوزوفيتش بأن “الحرب هي استمرار للسياسة بطرق اخرى”، يتم قلبها رأسا على عقب في سياق العلاقات بين اسرائيل ولبنان. فمن ناحية اسرائيل يعتبر اللقاء المرتقب اليوم (الثلاثاء) في واشنطن بين السفير الاسرائيلي يحيئيل لايتر والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض استمرار للحرب بـ “وسائل اخرى”. اللبنانيون يطمحون الى انهاء الحرب وترسيخ وقف اطلاق النار، شريطة اتخاذ خطوات سياسية تؤدي الى التنسيق وبعد ذلك الى الشراكة، لكن اسرائيل تصمم على اجراء المفاوضات تحت اطلاق النار من اجل ضمان استمرار الحرب، بينما تعتبر المكاسب السياسية والاستراتيجية المتوقعة منها هامشية بالنسبة لها. ولا تقتصر هذه الخلافات على مجرد اختلاف في المواقف التكتيكية حول آلية اجراء المفاوضات، التي قد تعرقل استمرار المحادثات بحد ذاتها، بل هي بالنسبة لحكومة لبنان امتحان للسيادة، الذي سيحدد مستقبل الدولة.
في الـ 16 شهر الاخيرة من حكمهم، طور الرئيس اللبناني جوزيف عون وحكومته برئاسة نواف سلام نهج سياسي وفكري ثوري. ويهدف هذا النهج في اساسه الى تحويل الضربات التي تعرض لها حزب الله على يد اسرائيل وضعفه العسكري الناتج ايضا عن قطع جبهته اللوجستية الحيوية في سوريا عند اسقاط نظام الاسد، والحرب بين ايران وبين الولايات المتحدة واسرائيل، الى سياسة تؤدي الى استقلال لبنان وتحرره من النفوذ الايراني وبسط سيادته على كل اراضيه وسيطرته الكاملة على السلاح في كل ارجاء الدولة. في المقابل، تنظر اسرائيل الى حكومة لبنان كذراع تنفيذية، هدفها الوحيد هو نزع سلاح حزب الله، وبالتالي، ضمان السلام في بلدات الشمال. المفارقة تكمن في ان اسرائيل بالذات – التي تطالب الولايات المتحدة باجبار ايران على فك ارتباطها بوكلائها، لا سيما حزب الله الذي هو الرابط القوي في “حلقة النار” – هي التي تتعامل مع جبهة لبنان كمنطقة قتال منفصلة، ولا تنظر الى حكومة لبنان كشريك محتمل قد يساعدها في ترسيخ نظام استراتيجي جديد يضعف محور نفوذ ايران.
ان نقاط ضعف الحكومة اللبنانية معروفة جيدا، ولدى اسرائيل شكوكها في قدرة لبنان على ان يكون شريك فعال في الحرب ضد حزب الله، وتستند هذه الشكوك الى ذرائع قوية. فمنذ العام 2019 يتدهور لبنان بسرعة نحو ازمة اقتصادية عميقة ومستمرة، وقد وصفت حكوماته، وايضا برلمانه، حتى هذه السنة بأداء ضعيف يعكس حكومة متشرذمة وفاسدة وبدون رؤية، تدار وتسيطر عليها قوى سياسية متنافسة، داخل صراعات طائفية وضعف عسكري وركود سياسي.
على الصعيد المدني تعرض لبنان لضربات قاسية كثيرة زادت الازمة الاقتصادية، بدءا بوباء الكورونا والانفجار الكبير في ميناء بيروت في 2020 والحرب التي زج فيها حزب الله لبنان في 2023 والانخفاض الحاد لسعر الليرة اللبناني وتلاشي الطبقة الوسطى ووجود حوالي مليون لاجيء سوري في لبنان وتوقف السياحة واغلاق قنوات التجارة مع دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، كل ذلك جعل الدولة اللبنانية مجرد فكرة نظرية.
الجيش اللبناني الذي تطلب منه اسرائيل تفكيك حزب الله هو جيش مفلس يتم دفع رواتب جنوده بمنح من قطر والحكومة الامريكية. الجيش لا يملك انظمة صواريخ أو طائرات، وسياراته المدرعة قديمة، وخبرة جنوده القتالية محدودة، وهو لا يضاهي انظمة سلاح حزب الله وتدريبه وتقنيته وقدراته. وقدر قائد الجيش اللبناني اللواء رودولف هيكل قبل بضعة اشهر بان اعادة بناء الجيش، واعادة تاهيله بعد ذلك، ستكلف حوالي مليار دولار في السنة لمدة عشر سنوات على الاقل. وقال محلل لبناني ذات مرة عن وضع الجيش: “هذا جيش لم يتم تصميمه للدفاع عن الوطن أو محاربة الاعداء، بل لعكس البنية الاجتماعية والطائفية في البلاد”. ولكن اهم ما يملكه هذا الجيش هو الشرعية الوطنية العابرة للطوائف التي يتمتع بها.
في نفس الوقت تعتبر هذه الشرعية عرضة للتقويض باستمرار. ويتضح ذلك بشكل واضح الان عندما يخشى الرئيس اللبناني، الذي كان قائد الجيش قبل انتخابه، وهو على معرفة تامة بنقاط ضعفه الهيكلية، من ان يؤدي صراع عنيف بين الجيش وحزب الله الى انقسامه، بل تدهور البلاد الى حرب اهلية. في هذا السياق يجب تقدير شجاعة الرئيس ورئيس الوزراء. أولا، تقويض مكانة حزب الله كجزء من منظومة الدفاع الوطنية، وهي مكانة تمتع بها لعقود، بعد ذلك اصدار اوامر للجيش بنزع سلاحه واعتقال كل من يحمل سلاح غير مرخص من قبل الدولة. الجيش اللبناني بتشكيلته الحالية يعجز عن نزع سلاح حزب الله، ولكن الجيش الاسرائيلي يقر ايضا بان التحرك العسكري وحده لن يؤدي الى تفكيك الحزب، وأن الحل السياسي أو الاحتلال الكامل للبنان هو امر ضروري. لذلك فان استمرار الحرب قد يحقق مكاسب تكتيكية، تضعف قدرة حزب الله، لكنها غير كافية للقضاء على هذا التهديد.
ان الكفاح ضد تنظيم مسلح شبه حكومي مثل حزب الله، الذي يملي عمليا السياسة في لبنان، لا يحتاج فقط الى نزع سلاحه، بل يحتاج بالدرجة الاولى الى نزع شرعيته العامة والسياسية، التي اعطته “السلطة” للتحدث والتصرف باسم الدولة. هذا هو المسار الذي سارت فيه حكومة لبنان عندما قررت استبعاد “المقاومة” من منظومة الدفاع الوطنية، ووصف سلاح حزب الله بأنه غير شرعي، وهكذا هي رسخت الاساس لتقارب المصالح بينها وبين اسرائيل. اضافة الى ذلك استعراض القيادة لعون وسلام لم يأت من فراغ. لم يقتصر تاثير الرفض الشعبي في لبنان لـ “حرب تشرين الاول” أو “حرب دعم غزة” على ازاحة “معارضي حزب الله المعتادين”، بما في ذلك معظم السياسيين المسيحيين والسنة، بل امتد ليشمل القوى الشيعية المحلية، لا سيما في جنوب لبنان وبيروت، التي بدأت ترفع صوتها وتنظم صفوفها ضد جر حزب الله للبلاد الى الحرب من جديد، مع تجاهله لمعاناة السكان، لا سيما مؤيديه في قرى الجنوب.
قدم الزعيم الشيعي المؤثر نبيه بري، رئيس حركة أمل، الدليل على هذا التحول الجذري، حيث ايد سياسة الحكومة في “احتكار السلاح” والخطط التي قدمها الجيش لنزع سلاح حزب الله. وبعد ذلك ايد ايضا اعلان الرئيس عون عن بدء مفاوضات مباشرة مع اسرائيل. وتفاقم الضغط الشعبي والسياسي بسبب الضغط الاقتصادي والانساني، الذي وصل الى درجة حرجة نتيجة نزوح مليون وربع مليون شخص من بيوتهم، الذي تقدر تكلفته بـ 250 مليون دولار في الشهر، وهذا مبلغ يفوق قدرة خزينة الدولة الفارغة على تحمله. وقد قتل 2000 شخص منذ بداية المرحلة الحالية من الحرب، وما زال آلاف المصابين عاجزين عن الحصول على العلاج المستعجل. وتفيد المستشفيات عن وجود نقص شديد في الادوية وعدم وجود اماكن كافية لاستقبال المرضى واجراء العمليات الجراحية، وعجز اماكن الايواء العامة عن استيعاب النازحين وتوفير الاحتياجات الاساسية لهم، ناهيك عن اندلاع الاشتباكات العنيفة بين السكان المسيحيين والشيعة الذين هربوا من جنوب لبنان وتم توجيههم الى الاحياء المسيحية في بيروت، باعتقاد أن الجيش الاسرائيلي سيمتنع عن مهاجمتهم هناك.
لكن لبنان لا يعتبر جبهة معزولة، حيث تواجه الدولة فيه تنظيم محلي سيطر عليها. وعندما اظهرت حكومة لبنان الاستعداد لدفع الثمن الدبلوماسي والسياسي من اجل تحقيق وقف اطلاق النار، بعد بضعة اشهر من المحادثات، واعلنت استعدادها لاجراء مفاوضات دبلوماسية مباشرة مع اسرائيل بدل الاكتفاء بمناقشة الترتيبات الامنية، اصطدمت بفخ دبلوماسي نصبته لها ايران. فقبل فترة قصيرة من انعقاد القمة في باكستان اعلنت ايران بانها لن تشارك في الاجتماع مع الوفد الامريكي برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس، طالما أن اطلاق النار في لبنان مستمر. تبين ان هذا الشرط كان بمثابة اداة ضغط فعالة، حيث طلب الرئيس دونالد ترامب من اسرائيل تقليص حجم هجماتها، لا سيما في بيروت، لكن اطلاق النار لم يتوقف تماما – ورغم ذلك قررت ايران المشاركة في الاجتماع واجراء المفاوضات كما خطط له.
من ناحية الحكومة اللبنانية فقد هدد التدخل الايراني بتقويض البنية السياسية الهشة التي بنتها الحكومة اللبنانية بعناية، وتحويل ايران الى وسيط نيابة عن لبنان، وبالتالي، اعادة حزب الله الى مكانته كـ “حامي الدولة”، هذه المرة باعتباره الوحيد القادر على انقاذها من استمرار الحرب. كان مبدأ السيادة، الذي سعت الحكومة اللبنانية الى تطبيقه والذي بحسبه هي وحدها المخولة باتخاذ قرار الحرب والسلام، وبالتالي، بناء جدار يفصل بينها وبين حزب الله، على وشك الانهيار. وقد اوضح الرئيس عون لايران بغضب بأن “حكومة لبنان وحدها هي التي تقرر افعالها، وأنه لا يحق لأي جهة اجنبية التوسط نيابة عنها”. بالنسبة له لا يعتبر مسار المفاوضات مع اسرائيل مجرد خطوة تكتيكية تهدف الى وقف اطلاق النار، بل هو ركيزة اساسية في تحديد سياسة البلاد.
ايران لم تستسلم، وردا على موقف عون العدائي فقد غرد علي اكبر ولاياتي، المستشار السياسي لمجتبى خامنئي، وقال: “يجب ان يعرف السيد نواف سلام بان تجاهل الدور الفريد للمقاومة وحزب الله البطل سيعرض لبنان لاخطار امنية لا يمكن التنبؤ بها، ولن يتحقق الاستقرار في لبنان الا عن طريق تشابك جهود الدولة والمقاومة”.
لبنان في صراعه ضد ايران وحزب الله يحتاج الى شراكة اسرائيل، التي ذهبت حاليا الى المفاوضات وكأن الشيطان اجبرها على ذلك (ترامب)، وليس بسبب ادراك اهميتها وفائدتها الاستراتيجية. طالما ان هذه هي دوافع اسرائيل، وطالما أن لبنان موجود على هامش اهتمامات ترامب، فانه من الافضل عدم تعليق آمال كبيرة على نتائج لقاء اليوم.



