هآرتس: لبنان هو جبهة استراتيجية وللشراكة معه مطلوب تنسيق توقعات
هآرتس 17/4/2026، تسفي برئيل: لبنان هو جبهة استراتيجية وللشراكة معه مطلوب تنسيق توقعات
لقد أصبحت المكالمة الهاتفية التي لم يتم اجراءها في يوم الخميس بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون، هي الاختبار المركزي والاهم من اجل إيجاد حل للحرب في لبنان. ولكن الاهتمام الإعلامي المبرر بالمكالمة – بالأحرى، عدم اجراءها – تجاهل حقيقة ان الحكومة اللبنانية ورئيسها كانا يعتبران قبل فترة قصيرة غير ذي صلة في إسرائيل الرسمية. وقد استقبلت تصريحات القيادة اللبنانية التي سمعت خلال 16 شهر وأوضحت بان لبنان قرر الانطلاق في ما يبدو انه مسار تصادم مؤكد مع حزب الله، بتجاهل إسرائيل. حتى عندما أعلنت الحكومة اللبنانية في الصيف الماضي بأنها ستأمر الجيش بتقديم خطة عملياتية للاستيلاء على سلاح حزب الله في جنوب لبنان، لم يظهر الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية أي اعجاب يذكر.
لقد استهزأت إسرائيل بالتحول التاريخي، الذي في اطاره نزعت الحكومة اللبنانية الشرعية العسكرية عن حزب الله، والتوبيخ الصريح الذي وجهه عون مؤخرا لإيران عندما طلب منها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبنان، ودعمت هذا الاستهزاء بقضية السفير الإيراني الذي لم يتمكن لبنان من طرده من أراضيه حتى الآن. وترافق ذلك مع تقارير تفيد بان الجيش اللبناني قد استولى بالفعل على كمية من السلاح وسيطر على قواعد حزب الله في جنوب لبنان، لكن الفجوة بين “التفكيك الكامل للحزب”، مثلما طلبت إسرائيل، والتنفيذ على ارض الواقع، ما زالت بعيدة جدا عن الوفاء بالتزام لبنان باتفاق وقف اطلاق النار والقرار 1701.
حتى عندما امرت حكومة لبنان الجيش باعتقال كل من يحمل سلاح غير مرخص، ورفضت بشدة مؤخرا التدخل الإيراني في جهودها لتحقيق وقف اطلاق النار “نيابة عنها”، استمرت إسرائيل في قصف لبنان، وتسببت بنزوح مليون وربع مليون شخص، وسيطرت على منطقة امنية تمتد لبضعة كيلومترات واقامت قواعد عسكرية في المناطق التي سيطرت عليها ووسعت نطاق القصف في بيروت والبقاع، وهددت بـ “إعادة لبنان الى العصر الحجري”. أيضا تجاهلت إسرائيل حقيقة ان الحكومة اللبنانية في اطار سياستها العدائية تجاه حزب الله، عرضت عليها “جدار فاصل” بين ايران ولبنان.
ان تسلسل الاحداث التي سبقت المحادثات التي أجريت في باكستان بين ايران وامريكا في يوم السبت الماضي، والتي هدد فيها رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف، بوقف المفاوضات اذا لم يتم الإعلان عن وقف اطلاق النار في لبنان، أجبر إسرائيل في نهاية المطاف على الاستسلام، بعد ان امر الرئيس الأمريكي ترامب نتنياهو بتقليص الهجمات في بيروت والبقاع، والباقي معروف. اللقاء التاريخي الذي عقد في يوم الثلاثاء في واشنطن بين السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر والسفيرة اللبناني ندى حمادة معوض، برعاية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، حول لبنان “فجأة” الى صديق وشريك وحليف، وبالطبع وجهة سياحية بارزة ينصح بشدة بزيارتها والتعرف على مطبخها. ففي نهاية المطاف من اجل زيارة لبنان لا حاجة حتى الى حجز رحلة طيران، اذ يمكن الوصول اليه بالسيارة أو الدبابة. وقد اعتبر رفض الرئيس اللبناني للاتصال هاتفيا بالمقدمة 972، والتحدث بشكل لطيف مع نتنياهو، خيبة امل كبيرة، واهانة لإسرائيل في سعيها للسلام، وتقوية لحزب الله، ودليل – اذا كانت توجد حاجة الى دليل – على ضعف الحكومة اللبنانية وهدية لإيران، ليس اقل من ذلك.
لكن لبنان، الذي كان من المفروض ان يكون ساحة ثانوية، مقطوع عن الجبهة الرئيسية ضد ايران التي اعتبرت هامشية في نظر ترامب واهتمامه حتى بداية الحرب، لم يعد مجرد ساحة صراع مستمر بين إسرائيل وحزب الله، بل اصبح الان جزء لا يتجزأ من الوسط السياسي الذي يربط ايران والولايات المتحدة، والمفاوضات المتعلقة بفتح مضيق هرمز والاتفاق النووي. وتعتبره ايران عنصر أساسي في أي اتفاق سيوقع بينها وبين الولايات المتحدة. وتنظر ايران، التي رفضت بشكل قاطع أي نقاش حول علاقاتها مع وكلائها، الى التقارب بين لبنان وإسرائيل، والى مساعي الولايات المتحدة لتعزيز العلاقات بينهما، بانها محاولة لفرض وقائع سياسية تمكنها من تجاوز رفضها فك الارتباط مع وكلائها.
وقد تبنى نبيه بري، رئيس حركة امل الشيعية الذي ايد مؤخرا سياسة “احتكار الدولة للسلاح”، بل وواجه ايران بشأن ذلك، تبنى اقوال قاليباف. ففي البيان الذي أصدره بري في اعقاب المكالمة الهاتفية مع الرئيس عون قال: “نحن المقاومة، ثابتون على موقفنا. أي اتصال أو تشاور مع الكيان الصهيوني ليس في مصلحة لبنان على الاطلاق”.
ان “انقلاب” بري (88 سنة) ليس بالامر الغريب على هذا الزعيم الشيعي المخضرم، الذي شغل دور حلقة الوصل والوسيط بين حزب الله والامريكيين في جولات محادثات سابقة. بري ليس “رجل ايران” في لبنان، ولكنه يعترف بقوتها الكبيرة. حزب الله بحاجة اليه بقدر حاجة الحكومة اللبنانية، التي طلبت دعمه وحصلت عليه قبل اعلان قرارها اجراء المفاوضات مع إسرائيل. في لعبة النفوذ بين ايران والحكومة اللبنانية تلعب الاعتبارات السياسية دور مهم بالنسبة لنبيه بري، حيث يمكنه تقديم نفسه بأنه “المدافع عن الشيعة” بالضبط مثل حزب الله.
وقد أوضح بيان نبيه بري لعون ان مكالمة هاتفية مع نتنياهو قد تتحول الى ذريعة – ذريعة لحرب داخلية قد تتصاعد الى مواجهات عنيفة، بل وحتى حرب أهلية. هذا هو الخوف الذي رافق عون منذ قرر مواجهة حزب الله بشكل مباشر حول مسألة نزع سلاحه. ومن اجل الحد من هذا التهديد تبنى الرئيس اللبناني سياسة مرنة تجلت في خطة الجيش اللبناني المرحلية. أولا، نزع السلاح من جنوب لبنان بالتدريج وبحذر، مع اخذ شروط حزب الله بالحسبان. ثانيا، الموافقة على خطة الجيش للمرحلة الثانية، التي كان من المفروض ان تبدأ بنزع السلاح من شمال الليطاني، بدون تنفيذها، وتصريحات حول نية مستقبلية لنزع سلاحه بالكامل مع اجراء الحوار معه.
عون سعى الى تأجيل هذه الخطوة حتى الانتخابات التي يتوقع ان تجرى في شهر أيار، وبناء على نتائجها وعلى مستوى التاييد الشعبي الذي سيحظى به فيها، سيقرر خطواته القادمة. ولكن الحرب مع ايران خدمت مصالحه أيضا. فقد أدى استئناف الحرب بين إسرائيل وحزب الله وحجم التدمير والقتل، حيث قتل اكثر من 1800 شخص منذ بداية شهر آذار، وتفجير الجسور فوق نهر الليطاني الذي يهدد بعزل جنوب لبنان عن الدولة، الى وضع عون في مازق صعب. فالامر لا يقتصر على اختبار سلطته وسلطة حكومته فقط، بل ان حزب الله، رغم ضعفه وهشاشته، يستعيد مكانته السياسية كقوة مسيرة لتحركات البلاد، ومعه مكانة ايران أيضا.
يسعى عون بشدة الى وقف اطلاق النار، لكن ليس وقف تحققه ايران له كنتيجة ثانوية للصراع على النفوذ بينها وبين الولايات المتحدة، بل كانجاز له وللحكومة اللبنانية. والشريكان الوحيدان القادران على تقديم هذا الإنجاز له هما نتنياهو وترامب، اللذان لم يظهر أي واحد منهما حتى فترة قريبة أي رغبة في المساعدة. من المفارقة ان تدخل ايران وما تحاول ان تقدمه من دعم للبنان، هو ما أوضح لترامب بان لبنان آخذ في التحول الى ساحة استراتيجية، وان طلب نزع سلاح حزب الله، على أهميته، ليس فقط هو طلب غير واقعي، كما يؤكد الجيش الإسرائيلي ومبعوثه الخاص توم باراك، بل هو اشعل فتيل حرب تصب في مصلحة ايران.
اذا تم تمديد وقف اطلاق النار المؤقت، الذي اعلن عنه ترامب امس واستمر العمل فيه، فذلك سيكون اول انجاز مهم يمكن لحكومة لبنان تقديمة كنتيجة لسياستها. الرئيس عون سيتمكن من استخدام هذا الإنجاز لتبرير ، ليس فقط اللقاء المباشر بين الوفد الإسرائيلي والوفد اللبناني، بل أيضا الخطوات الدبلوماسية القادمة واستئناف المفاوضات بشان ترسيم الحدود ومناقشة الترتيبات الأمنية، وربما حتى مكالمة هاتفية بين عون ونتنياهو. مع ذلك يجب ان يركز النقاش الرئيسي على تنسيق التوقعات بين الطرفين. لن يصبح الجيش اللبناني قوة جبارة في يوم أو في عشرة أيام يمكنها مهاجمة معاقل حزب الله وتدمر مواقعه في كل ارجاء البلاد. يجب ان تتعامل أي خطة عمل واقعية مع الحكومة اللبنانية كشريك في المصالح، ولكن ضمن بيئة متفجرة تتوجه نحو الانهيار. لا يمكن تعزيز هذه الشراكة الضرورية بطلبات نهائية يعجز حتى الجيش الإسرائيلي عن تلبيتها.



