هآرتس: قانون عقوبة الإعدام يكشف الحقيقة: إسرائيل في عامها الـ 78 دولة تفقد روحها

هآرتس 17/4/2026، دانييل بلتمان: قانون عقوبة الإعدام يكشف الحقيقة: إسرائيل في عامها الـ 78 دولة تفقد روحها
كتب المفكر الماركسي البارز أنطونيو غرامشي في “دفاتر السجن” في العام 1930 أنه عندما يموت القديم ولا يولد الجديد الذي يستطيع الولادة، تظهر اعراض سياسية واجتماعية مخيفة في المجتمع. في عيد استقلالها الـ 78 تغرق إسرائيل في المرحلة التي وصفها غرامشي. لم تعد ديمقراطية في ازمة مؤقتة أو مجتمع متطرف في ظل حرب طويلة الأمد، بل هي دولة تتخلى عن آخر الحواجز الأخلاقية والقانونية والسياسية لدولة القانون الديمقراطية، في طريقها لتصبح دولة فاشية عنيفة، ترسخ الهيمنة والفصل العنصري.
ان قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين في العام 2026 الذي صادقت عليه الكنيست في 30 آذار الماضي، لا يعتبر تعديل للقانون الجنائي ينبع من دوافع امنية، وهو ليس رد فعل عاطفي وسياسي مبالغ فيه على مأساة 7 أكتوبر. هذه لحظة كشف الحقيقة. فهي تظهر ان إسرائيل لا تسعى فقط الى سجن الفلسطينيين وطردهم وتهجيرهم وتجويعهم والمس بقدرتهم على العيش، بل هي تسعى أيضا الى تخويل نفسها، بموجب نظام قانوني تمييزي، باعدام الشعب الذي يخضع لحكمها.
هذا ليس قانون لمكافحة الإرهاب، بل هو قانون يعطي الدولة سلطة إضافية لقتل الفلسطينيين، في نظام يقوم أصلا على التفاوت الكبير بين اليهود والعرب. سيسمح القانون بمعاقبة الفلسطينيين بشكل انتقائي – الفلسطينيين فقط – ويمثل تصعيد خطير في قمعهم. وقد حذرت الأمم المتحدة من ان تطبيق هذا القانون في أراضي محتلة يتمتع سكانها بالحماية، يعتبر انتهاك للمباديء الأساسية للقانون الدولي الإنساني. لا تكرس إسرائيل عقوبة الإعدام في لب تشريعاتها بشكل عام، بل توجهها نحو الشعب الذي تسيطر عليه بالقوة العسكرية. وهذا ليس مجرد خلل أخلاقي، بل هو عنصر بنيوي في واقع الهيمنة العرقية.
يجب فهم هذا القانون في سياق الحرب في قطاع غزة، والتطهير العرقي الذي يجري في الضفة الغربية والحرب مع ايران. ان احداث السنوات الأخيرة، منذ بداية الانقلاب في كانون الثاني 2023 وحتى الآن، كل ذلك مظاهر لدولة فقدت كل الحدود السياسية والأخلاقية، واستبدلت ضبط النفس القانوني بعبادة العنف. ان الإبادة الجماعية في غزة ليست فقط خلفية عاطفية أو أمنية لسن هذا القانون، بل هي مفتاح فهم الوجه المتغير لإسرائيل.
في أيلول 2025 توصل تحقيق دولي للأمم المتحدة الى ان إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة. ورغم استمرار الجدل حول المصطلحات الا ان الوثائق والحقائق ترسم صورة واضحة: مجاعة، تدمير ممنهج لظروف المعيشة، تهجير جماعي، قتل للمدنيين بنطاق غير مسبوق، عنف يهدف الى منع استمرار وجود المجتمع الفلسطيني في غزة. وبهذا المعنى يعتبر قانون عقوبة الإعدام جزء لا يتجزأ مما حدث في غزة. انه مرحلة أخرى في العملية التي تعتاد إسرائيل من خلالها على اعتبار قتل الفلسطينيين هدف مشروع يمكن تحقيقه بوسائل مختلفة: آلة الحرب الحكومية، إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية والتشريعات.
لقد ادركت حنة ارندت ان النظام الذي يتبلور في إسرائيل لا يقوم على الايديلوجيا فقط، بل هو يقوم أيضا على التفكيك المنهجي للمساحة التي يعتبر فيها الناس متساوون امام القانون. وقد بين الفيلسوف الأمريكي هوغو بيدا، وهو احد ابرز المفكرين الذين عارضوا عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة، ان المسالة لا تقتصر على ما اذا كانت العقوبة رادعة، بل تتعداها الى تحديد نوع الدولة التي تدعي سلطة القتل ضمن نظام عرضة للتعسف والتحيز والخطأ.
أما روبرت بيدنتر، الفقيه القانوني اليهودي الفرنسي الذي نشأ في ظل الكارثة وفقد والده في معسكر سوبيبور، قاد لاحقا النضال من اجل الغاء عقوبة الإعدام في فرنسا. وادرك بيدنتر ان الدولة التي تختار الإعدام لا تظهر القوة، بل فشل أخلاقي وسياسي. وصمم كل من جان بول سارتر وفراندز فانون، كل واحد بطريقته، ان الحكم الاستعماري لا يقتصر على تجريد المحكومين من ممتلكاتهم، بل يفسد المجتمع الحاكم أيضا، ويعوده على رؤية العنف كلغة طبيعية، ورؤية حياة المحكومين كمادة يمكن تشكيلها أو اختزالها أو محوها. في إسرائيل 2026 تتقاطع هذه العناصر عند تقاطع غزة، إرهاب المستوطنين في المناطق المحتلة، الحرب في ايران وقانون عقوبة الإعدام.
لم يعد مصطلح “الفصل العنصري” مجرد شعار مثير للجدل، بل اصبح وصف دقيق للواقع في إسرائيل. حتى في جنوب افريقيا في فترة نظام الفصل العنصري، لم يتم النص على عقوبة الإعدام في القانون كعقاب للسود فقط. مع ذلك، طبقت ضمن نظام قانوني عنصري بشكل واضح. ويتجلى هذا أيضا في الأرقام. ففي الأعوام 1981 – 1990 تم اعدام حوالي 1100 شخص في جنوب افريقيا، 97 في المئة منهم تقريبا من السود. وكان كل القضاة الذين اصدروا الاحكام من البيض. كانت الفجوة بنيوية. لقد طبقت عقوبة الإعدام ضمن نظام قانوني يفرط في حماية حياة البيض، في حين يتم اهمال حياة السود باستمرار. كانت هناك بالفعل حالات نادرة حكم فيها على بيض بالاعدام بسبب قتل أو اغتصاب اشخاص سود، والاشهر من بينها قضية جيني غوتسوينا، وهي امرأة سوداء اغتصبت وقتلت في شباط 1985، وحكم على اثنين من البيض بالاعدام بسبب ذلك، شالكا بورشر وجورج شبريز. ولكن هذه الحالة الاستثنائية بالتحديد، ومع حظيت به من اهتمام اعلامي، كشفت القاعدة.
مثلما هي الحال في إسرائيل، حيث حكم على عميرام بن اوليئيل، قاتل عائلة دوابشة، بثلاثة مؤبدات، لكن هذا الحكم الذي يعتبر استثنائي كشف عن القاعدة التي يتمتع فيها الإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين بحصانة سياسية وقانونية، وهو الامر الذي لا ينطبق على الفلسطينيين.
لذلك فان معارضة عقوبة الإعدام في جنوب افريقيا كانت في أساسها معارضة للنظام العنصري نفسه. وقد قال رئيس الأساقفة ديزموند توتو، وهو احد ابرز الأصوات الأخلاقية في النضال ضد نظام الفصل العنصري، ان عقوبة الإعدام هي عار، لانها تستخدم بشكل غير متناسب ضد الفقراء والأقليات العرقية (الذين كانوا في الغالب من السود). وفي جنوب افريقيا أيضا لم يكن هذا مجرد تشويه للعدالة، بل كان احد الوسائل التي تحول فيها القانون نفسه الى ذراع تنفيذية لهيمنة البيض.
في إسرائيل يعتبر قانون عقوبة الإعدام عنصر من عناصر الفصل العنصري، الذي يشكل البنية التحتية للاحتلال. تتم محاكمة اليهود الذين يعيشون في نفس المنطقة مع الفلسطينيين في المحاكم المدنية العادلة، بينما تتم محاكمة الفلسطينيين في المحاكم العسكرية التابعة للمحتل. يضمن لليهود كل الحقوق السياسية وحرية الحركة والحصول على الموارد، ونظام قضائي مدني، بينما يعيش الفلسطينيون تحت رقابة نقاط التفتيش، الاوامر العسكرية، آليات الترخيص، العقاب الجماعي والعنف المستمر. في ظل هذا النظام عندما تخول الدولة نفسها بإعدام من هم تحت الاحتلال فقط، يصبح الحديث عن الديمقراطية مع “استثناءات” امر لا معنى له. انه نظام لا يوزع الأرض والمياه والطرق والحقوق وفقا للانتماء العرقي فقط، بل يوزع أيضا الموقف من الحياة والموت.
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “اوتشا” في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بان 1697 فلسطيني تم تهجيرهم من بيوتهم في 33 تجمع سكني في الأشهر الثلاثة الأولى في 2026، بسبب عنف المستوطنين وقيود الوصول الى بيوتهم. اكثر من 68 في المئة من عمليات الطرد هذه كانت في غور الأردن، وبالتحديد بين تجمعات الرعاة والبدو. ووثق تقرير آخر صدر عن “اوتشا” في شباط 2026، 883 حالة تهجير لعائلات فلسطينية، فيها 4765 شخص، في 97 تجمع سكني، بسبب عنف المستوطنين منذ كانون الثاني 2023. وخلص مكتب الأمم المتحدة لحقوق الانسان الى ان هذا العنف منسق استراتيجيا، واكد على ان السلطات الإسرائيلية تلعب دور رئيسي في توجيه هذا النمط والمشاركة فيه الى درجة يصعب فيها التمييز بين عنف الدولة وعنف المستوطنين. هذا لم يعد مجرد اهمال في تطبيق القانون، بل اصبح أسلوب من أساليب الحكم.
هذه ليست استثناءات. فتجمعات الرعاة والبدو في غور الأردن وفي جنوب جبل الخليل يتركون بيوتهم ليس فقط امتثالا لاوامر الاخلاء الرسمية، بل أيضا بشكل خاص، بعد ازعاج متكرر يشمل اقتحام البيوت واطلاق النار ومنع الوصول الى المياه والمراعي وسرقة الأغنام والحرق المتعمد والاعتداءات وتدمير الممتلكات، واحيانا القتل، وغالبا بحضور قوات الامن أو بدعم منها. وتصف منظمات حقوق الانسان نمط يصبح فيه العيش مستحيل، حتى يصبح الرحيل هو الخيار الوحيد؛ قد يظهر بانه طوعي، لكنه في الواقع تهجير قسري عبر إرهاب مستمر.
هذه هي صورة سيادة إسرائيل في الضفة الغربية. جماعات من اليهود المسلحين، يعملون أحيانا ضمن أنظمة امنية قطرية، الى جانب وحدات من الجيش الإسرائيلي، يحددون على الأرض من يسمح له بالتنقل والرعي والحرث والبناء والنوم بامان. الخط الفاصل بين الجندي والمستوطن والمشاغب المسلح يتلاشى بالتدريج. هذه هي المرحلة التي يتوقف فيها النظام عن كونه نظام للقانون، ويصبح نظام للحصانة العرقية: يمكن لجماعة ان تتصرف بعنف بدون ان تدفع أي ثمن، بينما تبقى الجماعة الأخرى موضع شك دائم وعرضة للموت.
قانون عقوبة الإعدام هو جزء من هذا الواقع، فهو ببساطة يترجمه الى لغة قانونية. ولكنه مرتبط أيضا بواقع غزة. الدولة نفسها التي تسمح للمستوطنين بارتكاب مذابح في القرى الفلسطينية في الضفة الغربية، طبقت في غزة سياسة إبادة وتجويع وتدمير مستشفيات وتدمير البنى التحتية المدنية، وحولت وجود الشعب الفلسطيني نفسه الى مشكلة يجب حلها بالقوة. قطاع غزة والضفة الغربية وقانون عقوبة الإعدام ليست الا تعبير عن واقع واحد. توجه سائد.
في إسرائيل الآن لم تعد الفاشية والفصل العنصري مجرد شعارات أو استعارات، بل مصطلحات تعكس الواقع بدقة. الفصل العنصري – لانه بين البحر والنهر يوجد نظام واحد من حيث السيادة، ونظامان من حيث الحقوق والعدالة والعقاب. الفاشية – لان سيادة اليهود لم تعد مقيدة بالتزام عميق بالمساواة الإنسانية والقانون، ولان العنف لم يعد مجرد وسيلة للسيطرة، بل اصبح مثال اعلى واختبار للولاء للهيمنة اليهودية.
هكذا فان التهجير اليومي والإرهاب في الضفة الغربية، مذابح الأبرياء، المجاعة والدمار الشامل في قطاع غزة، الحرب ذات الأهداف المشبوهة التي لا تنتهي في ايران، التقنين القانوني لحق الدولة في قتل الخاضعين لسلطتها في ظل نظام الفصل العنصري، كل ذلك عوامل تتشابك لتشكل بنية جديدة للدولة اليهودية.
ان إسرائيل لا تتجه نحو التحول الى دولة فصل عنصري فاشية فقط، بل هي غارقة في هذه العملية. الامر لا يقتصر على الحكومة المتطرفة الحالية، فقد تعودت شرائح واسعة في المجتمع الإسرائيلي على العيش بسلام في ظل التفوق العرقي، وعلى اعتبار الإبادة البطيئة والعلنية لشعب آخر ثمن مقبول مقابل حياة اليهود، التي يفترض أنها طبيعية. لذلك فان قانون عقوبة الإعدام ليس مجرد قانون، بل هو دليل على ان دولة ولدت من وعد بالتحرير التاريخي والأخلاقي لشعب عرف الإبادة الجماعية، حيث تمت إبادة ملايين من أبنائه، تعيد تشكيل نفسها بعد حوالي ثمانين سنة كدولة عنصرية وقحة تلجأ الى العنف الجامح. هذه ليست دولة ديمقراطية تعيش في ازمة، بل هي دولة تفقد هويتها وتشكك بالمبررات الأخلاقية والتاريخية لوجودها.



