أقلام وأراء

عماد شقور: كيف نقرأ نتائج الانتخابات الإسرائيلية وما العمل؟

عماد شقور 10-11-2022: كيف نقرأ نتائج الانتخابات الإسرائيلية وما العمل؟

بنيامين نتنياهو، في طبعة جديدة، مُنقّحة ومَزيدة، هو رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبلة. وفي هذه الحكومة التي يعمل على تشكيلها، سيحظى، رغم كل ما في تكوينه من يمينية وعنصرية، على لقب قائد «الجناح اليساري». هذه هي النتيجة الواضحة، حتى الآن، للانتخابات العامة الإسرائيليّة للكنيست (البرلمان الإسرائيلي) الأسبوع الماضي.

أثبتت هذه الانتخابات أن الأغلبيّة المنظّمة في المجتمع الإسرائيلي مغرقة في يمينيّتها وعنصريّتها، بشكل فاقع. وأقول «الأغلبيّة المنظّمة» لأن النتيجة النهائيّة لفرز الأصوات، أظهرت شبه تعادل بين ما أحرزته كتلة الأحزاب اليهودية اليمينيّة العنصريّة المتطرّفة، وكتلة الأحزاب اليهودية التي لا تقل كثيراً في عنصريّتها (المُموّهة)عنها، ويكاد ينحصر الاختلاف بين الكتلتين، على القبول بزعامة نتنياهو أو رفضها.

في المحصّلة النهائية لفرز الأصوات (ومنها أصوات الأقليّة الفلسطينيّة العربيّة في إسرائيل)، بلغ عدد الأصوات الصّالحة 4،763،694 نالت الكتلة بزعامة نتنياهو 2،303،964، في حين نالت الكتلة الرافضة لزعامة نتنياهو 2،459،530، أي بفارق 156 ألف صوت لصالح الرافضين لنتنياهو. ولكن كتلة نتنياهو كانت أكثر تنظيماً وتماسكاً، فأحرزت 65 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست، في حين احرزت الكتلة المناوئة 45 مقعداً فقط، ونالت القائمتان العربيتان 10 مقاعد.

تعيد هذه النتيجة للانتخابات الإسرائيلية التذكير بالانتخابات الأمريكية سنة 2015، حيث حصلت هيلاري كلنتون، مرشحة الحزب الديموقراطي، على عدد أصوات في مجمل الولايات/الدول الأمريكية أعلى من تلك التي حصل عليها دونالد ترامب، مرشح الحزب الجمهوري، ولكن الفائز بالرئاسة في المحصّلة كان ترامب. وبشكل مطابق حصلت «فتح» على عدد أصوات أعلى، في انتخابات المجلس التشريعي سنة 2006، في حين حصلت «حماس» على عدد أصوات أقل، ولكنها فازت بعدد أعلى من النواب في المجلس التشريعي.

في ضوء نتيجة الانتخابات الإسرائيلية المقلقة، يصبح السؤال المطروح: ما العمل؟

هنا يجدر بنا أن يكون الجواب على مستويين: مستوى الساحة الفلسطينية للجماهير العربية في إسرائيل، (بحدود 2 مليون فلسطيني)؛ ومستوى الساحة الفلسطينية عامّة:

ـ على صعيد «داخل الداخل»: يفترض أن تتكاتف وتتكثّف جهود «لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل»، التي يرأسها السيد محمد بركة، و«اللجنة القطرية لرؤساء السلطات العربية في إسرائيل»، التي يرأسها السيد مُضَر يونس، ورئيسا القائمتين العربيتين في الكنيست الإسرائيلي، الصديق أيمن عودة، والدكتور منصور عباس، والسيد سامي أبو شحادة، لتجاوز كل ما جرى خلال معركة الانتخابات، لبحث كل الإمكانيات المتوفّرة لضمان حماية دوليّة لأرواح وأملاك ومصالح الجماهير العربية في إسرائيل، والعمل على بناء تحالفات وتعاون مع أحزاب وهيئات ومستنيرين وليبراليين يهود في إسرائيل.تكليف ممثل دولة فلسطين في الأمم المتحدة، بالعمل على طرح نص قرار «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، على الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتعزيز ذلك بحملة فلسطينيّة وعربيّة جدّية، لتجنيد تأييد دول العالم لهذا التوجّهـ على صعيد الساحة الفلسطينية العامة، في الوطن وفي دول اللّجوء والشّتات، لا بد من توسّع في الشرح:

في مثل هذا اليوم، قبل 47 سنة، (10.11.1975)، أصدرت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة، القرار رقم 3397، الذي نصّ، (بعد ديباجة من الحيثيات، والرجوع الى قرارات سابقة ذات علاقة بالعنصرية)، على أن الجمعيّة العامّة «تقرّر أن الصهيونيّة شكل من أشكال العنصريّة والتّمييز العنصري».

كان مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة في تلك المرحلة، حاييم هيرتسوغ. وفي تلك الجلسة صعد هيرتسوغ الى المنصّة، وبحركة تمثيليّة استعراضيّة، مزّق نسخة من ذلك القرار، وأنهى كلمته بالقول: «إن الأمم المتحدة التي أصدرت هذا القرار، هي التي سوف تصدر قرار إلغائه». وهذا ما تحقق بعد 16 سنة.

هذا القرار البالغ الأهمية، الذي اتخذته الأمم المتّحدة، وصفه الرئيس الأمريكي الأسبق، رونالد ريغان، في كلمته التي وجّهها الى الأمم المتّحدة سنة 1985، (بمناسبة مرور 40 سنة على انشائها)، بأنه «أسوأ قرار اتّخذته الأمم المتّحدة في تاريخها». وعند زيارة الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، لإسرائيل، سنة 1977، كان الطّلب الإسرائيلي الأوّل منه، هو مساعدة إسرائيل في إلغاء قرار «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري».

ثم جاءت الفرصة: بعد انهيار الإتحاد السوفياتي؛ وبدء تلاشي وزن «حركة عدم الانحياز»، (التي تعتبر إحدى نتائج الحرب العالمية الثانية، وتشكّل «عالم القُطبين»، وما نتج عن مخاطر تشكيل حلف الناتو الغربي، وحلف وارسو الشرقي)؛ وبدء تشكّل «نظام عالمي جديد»، نظام القطب الواحد، بالغ الإجحاف؛ وبعد ضرب العراق في «عاصفة الصحراء»، وتحرير الكويت، في كانون الثاني/يناير 1991؛ دعت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، الى عقد «مؤتمر مدريد» من 30 أكتوبر/تشرين الأول الى 1 نوفمبر/تشرين الثاني، واشترطت إسرائيل، للموافقة على حضوره، إلغاء قرار «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري». وكان لها ما أرادت.

بعد أقل من شهر على انتهاء الحرب على العراق، وتحرير الكويت، بدأت الإدارة الأمريكية في منتصف شهر آذار/مارس 1991، التحضير والدعوة لمؤتمر للسلام في مدريد، ترعاه أمريكا وروسيا، ونقلت الى الدول العربية اشتراط إسرائيل للمشاركة في المؤتمر، بإلغاء القرار رقم 3379، وأبلغت أمريكا إسرائيل أن الدول العربية «تفهّمت» الشرط الإسرائيلي، وأن موقف منظمة التحرير الفلسطينية هو: «نقبل البحث في مبدأ إلغاء القرار، إذا ثبت صدق نوايا إسرائيل في بلوغ السلام».

هكذا أزيلت العقبة أمام انعقاد مؤتمر مدريد، وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها غير المسبوق، يوم 16.12.1991، الذي صاغه نائب وزير الخارجية الأمريكي، لورانس إيغلبرغ، ونصّ على: «تقرّر الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة نبذ الحكم الوارد في قرارها رقم 3379».

الآن، ينتصب السؤال أمام منظمة التحرير الفلسطينية، وأمام رئيسها شخصياً، الأخ محمود عباس (أبو مازن): هل ثبت صدق نوايا إسرائيل في بلوغ السلام؟

لا. الجواب واضح. وتشهد عليه آلاف تصريحات المسؤولين الرّسميين الإسرائيليين، وآلاف الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي، وكافة أجهزته الأمنية. وجاءت الانتخابات العامة لـ«الكنيست»، البرلمان الإسرائيلي، في الأسبوع الماضي لتكشف أن الأغلبية المنظّمة في المجتمع الإسرائيلي ليست في وارد الوصول الى السلام.

هذا يستدعي التحرك العاجل، (بل والفوري)، لإعادة الأمور الى نصابها: تكليف ممثل دولة فلسطين في الأمم المتحدة، بالعمل على طرح نص قرار «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، على الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتعزيز ذلك بحملة فلسطينيّة وعربيّة جدّية، لتجنيد تأييد دول العالم لهذا التوجّه.

لكل واحدة من السّاحات الفلسطينية دورها. والمطلوب، وطنيّاً: التكامل، وليس مواصلة التنافر. فلكل ساحة ظروفها، ولكل ساحة سلاحها.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى