أقلام وأراء

عماد شقور: أبطال فلسطينيون في عالم جديد يتشكل هذه الأيام

عماد شقور: أبطال فلسطينيون في عالم جديد يتشكل هذه الأيام 27-10-2022م

موجة عارمة من أحداث جِسام تغطّي كامل خريطة فلسطين منذ أشهُر عديدة. بدأت فجر يوم 6.9.2021، عندما نجح ستة من الأسرى الفلسطينيين الأبطال: محمود عبد الله العارضة (46)، محمد قاسم العارضة (39)، يعقوب محمود قادري (49)، أيهَم نايف كممجي (35)، مناضل يعقوب نفيعات (26)، وزكريا الزبيدي (46)، في الهروب من سجن جلبواع الإسرائيلي، عبر «نفق الحرية»، الذي حفروه بملعقة طعام، على مدى ليال وأشهر من الحفر الصامت الدؤوب. وشكّلت هذه العملية الخارقة صفعة معنوية مدوّية لإسرائيل، وغمرت الفلسطينيين مشاعر الاعتزاز والفرح العارم.

ثم تتالت الموجات واحدة تلو أُخرى، من عمليّات في بئر السبع والخضيرة وتل أبيب وإلعاد وغيرها، بالدّهس، وبما توفّر من سلاح أبيض: السكاكين والبلطات، ومن سلاح ناري بسيط وبدائي، من انتاج محلّي أو مهرَّب، وكان رد فعل جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي، وأجهزة أمنه العديدة، إطلاق ما أسموه «عملية كاسر الأمواج»، التي استهدفت كل مدن وقرى ومخيمات الضفة الفلسطينية، (والقدس العربية منها)، مع تركيز عدواناتها واقتحاماتها لمخيّم مدينة جنين المميّز، وللمدينة ذاتها، والقرى المجاورة، التي انطلق غالبية منفّذي العمليّات منها، ثم توسّعت لتشمل طول كرم ونابلس ولتصل الى القدس العربية وأحيائها ومخيّماتها.. «والحبل على الجرار»، كما يقولون.

ردود الفعل الإسرائيلية البالغة الدّموية، لـ«كسر أمواج» الرفض الفلسطيني للاحتلال والاستعمار الإسرائيلي، أدّت الى ما هو منطقي ومعروف سلفاً: تعاظم أمواج الهبّة الوطنية الفلسطينية. وقد بلغت هذه الأمواج أوجَها في الأسابيع والأيام القليلة الماضية، لتُعيد الى الذاكرة ما قاله شاعر فلسطين الكبير الراحل، راشد حسين، في مطلع قصيدته عن ثورة الشعب الجزائري ضد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي:

سنُفهم الصّخرَ إن لم يفهم البشَرُ
أنّ الشّعوبَ إذا هبّتْ ستنتصرُ

آخر هذه الأمواج المتلاحقة، (حتى كتابة هذه الأسطر)، هي التصدّي لاقتحام جيش الاستعمار الإسرائيلي، وكافة أذرع أجهزته الأمنية لمدينة نابلس وأحيائها القديمة، قبل ثلاث ليالٍ، واستشهاد خمسة من نجوم «عرين الأسود»: وديع الحوح (31)، حمدي القيّم (30)، علي عنتر (26)، حمدي شرف (35)، مشعل بغدادي (27)، ولحق بموكب هؤلاء النجوم شهيد/نجم سادس، قصي التميمي، (20) من قرية النبي صالح، غرب رام الله أثناء مشاركته في مظاهرة ليلية احتجاجاً على اقتحام قوات العدو لمدينة نابلس، وهو قريب للناشطة الفلسطينية البطلة، عهد التميمي، التي تصدّرَ فيديو تم تداوله على نطاق واسع، يظهرها وهي تصفع جنديّاً من جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي، قرب بيتها في النبي صالح، يوم 19.12.2017، عندما كانت طفلة جميلة وبريئة، في السادسة عشرة من العمر، وعاقبتها دولة الاستعمار الإسرائيلي باعتقالها، هي وأُمها، ناريمان التميمي، لمدة ثمانية أشهر في سجن هشارون الإسرائيلي.

في هذه الموجات الوطنية الفلسطينية المتلاحقة، من التصدي لجيش الاستعمار والعنصرية الإسرائيلية، وقطعان المستوطنين، والهجوم على جنوده وحواجزه العسكرية، تتناوب على الفلسطينيين مشاعر الاعتزاز والفخر والفرح، مع مشاعرالغضب والحزن والألم، على كل فدائي شهيد بطل، تعبّر فيها جماهير الشعب الفلسطيني عن تلك المشاعر المتداخلة، بالمسيرات والمظاهرات والمشاركة في تشييع أبطالها، والاحتشاد في بيوت العزاء.

على أن من بين كل هذه الموجات في الهبّة الفلسطينية المباركة الحالية، يسطع اسم الفدائي البطل الوسيم، عُدَي التميمي (22)، الذي تداولت كل وسائل الإعلام فيديوهات عديدة يظهر فيها بداية وهو ينزل بهدوء جليّ من سيارة يستقلّها عند جنود مدجّجين على حاجز مدخل مخيم شعفاط في القدس، يستلّ مسدّسه الصغير ويفاجئ جنود الاحتلال بإطلاق النار عليهم من مسافة صفر، فيقتل مجنّدة ويصيب آخرين، وينسلّ بهدوء، تاركاً خلفه جنوداً مرتبكين يتراكضون. وعندما عاد الى مخيّم شعفاط، ارتكبت إسرائيل حماقة نشر اسمه وصورته، حيث تبيّن أنه أصلع الرأس، فتزاحم شباب المخيّم على صالونات الحلاقة لحلق شعر رؤوسهم، تضامناً مع هذا البطل، ولتصعيب مهمة أجهزة أمن العدو من التعرّف عليه واستهدافه. وشاءت الأقدار أن تكون عملية هذا البدر المنير البطل، عُدَي، ليلة اكتمال بدر شهر ربيع الأول 1444 هجرية، الثامن من أكتوبر/تشرين أوّل الحالي.

ولتكتمل أسطورة البطولة النادرة، طارد البدر، عدي، أعداء شعبه، فوصل بعد عشرة أيام الى حاجز عند مدخل مستعمرة معاليه أدوميم، وخاض معركته الأخيرة ببطولة عزّ نظيرها، لا مثيل لها حتى في أكثرأفلام الأكشن الهوليوديّة اتقاناً وخيالاً.

شابٌ في مقتبل العمر، يهاجم بمسدّسه الصغير، ورصاصاته القليلة المتوفّرة، جنوداً مدجّجين، يحتمون وراء حواجز إسمنتية، فيصيب أحدهم، ويواصل هجومه رغم إصاباته المتتالية، ويستبدل مشط مسدّسه، ويواصل هجومه حتى آخر رمق. إنه أيقونة فلسطينية عربية، ستتداول فيديوهات بطولته وشجاعته أجيال وأجيال. وليس غريباً أن يهدي الشاعر الفلسطيني، الصديق عبد الناصر صالح، للفدائي الشهيد البطل، عُدَي، غداة استشهاده، قصيدة هي البداية لتخليده، ومطلعها: «قلْ لي بربِّكَ أيُّ وحيٍ قد أتاكَ فعلّمك»، وأن تكون هذه فاتحة لملاحم ولروايات ولأفلام عديدة تخلّد ابن فلسطين البار.

كلّ ما تقدم عن بطولات هؤلاء الفدائيين الشجعان الأبطال، وقصصهم الجديرة بكل الاحترام والتّقدير والتّخليد، بل والتّقديس أيضاً، لا يعفينا من التذكير أنها بطولات فرديّة وعظيمة، تستدعي المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا، العمل على الاستفادة منها.
سبقنا شاعرالعرب، المتنبّي، بألف عام، عندما قال:

الرأيُ قبلَ شجاعة الشّجعانِ
هو أوّلٌ وهي المحلُّ الثاني
فإذا هُما اجتمعا لنفسٍ حرّةٍ
بَلَغَت من العلياء كلّ مكانِ»

وحتى لا تضيع هذه البطولات والتضحيات والدماء الطاهرة، وهنا هو دور القيادة الوطنية الفلسطينية وواجبها، لإعمال «الرأي» دعماً لـ«شجاعة الشجعان» بما يعود بإنجازات حقيقية على طريق التحرير وإقامة الدولة الفلسطينية.

نعيش هذه الأيام مرحلة يتشكّل فيها عالم جديد. تتآكل وتتهاوى فيها هيمنة أمريكا والغرب، وتتشكل فيها صورة مغايرة لعالم الغد، عالم متعدد الأقطاب. وبدأت علامات التصدّع في المعسكر الغربي، وخروج بطيء، (وعلى استحياءٍ حتى الآن)، لدول كاثوليكية ذات وزن دولي كبير وحاسم، وبداية تمرّد على الهيمنة الأنكلو ساكسونية، ممثلة بأمريكا وبريطانيا أساساً. ولعلّ آخر العلامات على بدء هذا الخروج والتمرّد، ما نقلته مجلّة «لو بوان» الفرنسية أمس الأول، عن الرئيس الفرنسي، إيمّانويل ماكرون، وكشفه أنه «طلب من البابا فرنسيس الإتصال بفلاديمير بوتين وببطريرك موسكو كيريل، وبجو بايدن أيضًا، (لأننا) بحاجة إلى أن تجلس الولايات المتحدة حول الطاولة من أجل تعزيز عملية السلام في أوكرانيا».

فرنسا الكاثوليكية هي ثاني اقتصاد في أوروبا، وإيطاليا الكاثوليكية ثالث اقتصاد في أوروبا، تضاف لهم دول كاثوليكية أوروبية وازنة: اسبانيا والبرتغال وهنغاريا وغيرها، وهذه جميعاً تظهر بجلاء بداية تململ من هيمنة الأنكلو ساكسون. دون أن يغيب عن ذهننا أن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، هو ثاني رئيس أمريكي كاثوليكي، بعد الرئيس الأسبق، جون كنيدي، ولكن بايدن متصهين، ومعروف عنه قوله « ليس بالضرورة أن تكون يهوديّاً حتى تكون صهيونياً».

يضاف الى كل ما تقدم ضرورة الإشارة الى احتمالات أن تكون القمّة العربية في الجزائر، يوم الثلاثاء المقبل، بداية لعصرعربي جديد، خاصة في هذه الأيام التي يتشكّل فيها عالم جديد، عالم ما بعد التفّرد الأمريكي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى