أقلام وأراء

عبد المجيد سويلم: لماذا حرقت إسرائيل كلّ سُفنها في تحديد أهداف الحرب؟

عبد المجيد سويلم 2023-10-23: لماذا حرقت إسرائيل كلّ سُفنها في تحديد أهداف الحرب؟

 

برأيي أنّ هذا السؤال هو سؤال الأسئلة كلّها.

ذلك لأنّ الإجابة عن هذا السؤال “كمحاولة” تعني بصورة تكاد تكون مباشرة على كلّ ما يدور من تخمينات، وحيرة وتردُّد، ومن سيناريوهات متعدّدة، وأحياناً متضاربة، بل ومتناقضة، أيضاً.

والإجابة تبدأ بمعرفة فيما إذا كانت إسرائيل تُخادع، وتحرق كلّ السفن، وليس في نيّتها أصلاً الذهاب إلى كامل تلك الأهداف، وإنّما تفعل ذلك في إطار اختبار ردود الأفعال الإسرائيلية الداخلية، بكلّ تفرُّعاتها، وردود الأفعال من الإقليم، رسمياً وشعبياً، وردود الأفعال الدولية على كلّ الصُّعُد والمستويات، أمّ أنّها بانتظار بعض التطوّرات للمضيّ قُدُماً نحو تلك الأهداف عند لحظة مُعيّنة؟

أقصد أنّ إسرائيل تحاول تحديد الأهداف الممكنة في ضوء ردود الأفعال حتى يتسنّى لها التحرُّك على أرضية صلبة لتحقيق تلك الأهداف، أو لحسم هذا التوجُّه أو ذاك.

أو حتى لكي تعرف ما هي حدود “التراجعات” التي يمكن أن تصل إليها في ضوء تلك الردود من الأفعال.

هذا مجرّد واحد من عدّة احتمالات تقف وراء الإعلان الإسرائيلي عن أهداف تنطوي على حرق كلّ السفن الإسرائيلية.

وحتى لو كان هذا الاحتمال على درجةٍ ضعيفة من الترجيح فإنّ إسرائيل باتت محكومة بمعادلة لا يمكن تجاوزها، أو المساومة بشأنها، وهي ألا تكون التراجعات الممكنة عن تلك الأهداف، الكاملة الشاملة، الحاسمة والنهائية تتضمّن أيّ تراجعٍ من شأنه أن تبدو إسرائيل بموجبه وقد هُزمت، أو أن تبدو أنّها لم تتمكّن من الانتصار، أو حتى رضيت بنصف انتصار، أو نصف هزيمة.

وهنا لدى إسرائيل أزمة حقيقية، عميقة ومركّبة، وهي:

ما هي معايير النصر والهزيمة، وكيف سينظر المجتمع الإسرائيلي لهذه المعايير، وكيف ستنظر الولايات المتحدة، و”الغرب” الذي وقف معها وقفة غير مسبوقة منذ تأسيسها، ثم كيف ستنظر دول الإقليم إلى هذه المعايير، ناهيكم عن شعوب منطقة الإقليم، وشعوب العالم كلّه؟

وبسبب هذه الأزمة بالذّات فإنّ إسرائيل تبدو حائرة، ولا تملك قراراً حاسماً بعد، وهي تدرس الخيارات المتعدّدة أمامها، ولم تستقرّ على خيارٍ لا رجعةَ عنه، حتى لو أنّها أخذت قرارات محدّدة بصدد هذه الخيارات.

دعونا الآن ندخل في صلب هذه الأزمة التي ربّما أنّها لم تحسب حسابها بما يكفي، وبما يشفي قبل الإعلان عن الحرب، وقبل حرق السفن، وقبل الإعلان عن تلك الأهداف؟!

الهدف الأكبر والأهمّ كان، ولا يزال، هو استئصال حركة حماس، والفصائل المقاومة، وتغيير الواقع السياسي في قطاع غزة، بصرف النظر عن الخسائر في جانبها عسكرياً، وكذلك اقتصادياً، وحتى سياسياً! وطبعاً بصرف النظر عن حجم التدمير والقتل والإبادة للفلسطينيين.

هنا طرحت إسرائيل وفي هذا السياق بالذات مسألة التهجير أو “الترانسفير” لأكثر من مليونيّ فلسطيني نحو “إقامةٍ مؤقّتة في سيناء المصرية” إلى حين تأمين هدف الاستئصال والتغيير السياسي في القطاع.

واعتقدت إسرائيل أنّ من شأن ذلك أن يُفضي مباشرة إلى “شرق أوسط جديد” تفرضه إسرائيل، بمباركة أميركية كاملة، وبرضا كامل من “الحلف الغربي” كلّه، و”برضوخ” من دول الإقليم.

هذا الهدف بالذات أصبح مستحيلاً الآن، لأنّ دول الإقليم المعنيّة أعلنت بما لا يدع أيّ مجالٍ للشكّ رفضها الكامل له، واستعدادها لمجابهته إذا تطلّب الأمر.

وبما أنّ الولايات المتحدة أعلنت دون أيّ لُبس أنّ انتصار إسرائيل في هذه الحرب هو مسألة أمن قومي أميركي فقد أصبح هذا “الانتصار” الذي يؤمّن الأهداف الأميركية، والإسرائيلية، و”الغربية” يمرُّ إجبارياً بخسارة الولايات المتحدة لقدرتها على تماسك حلفها في الإقليم من البلدان المعنية، ومن معظم البلدان العربية، وهو هدف يتناقض بشكلٍ صارخ مع كامل المخطّط الأميركي من “الشرق الأوسط الجديد”، كما أنّه سيؤدّي حتماً، إذا ما لجأت إسرائيل لفرضه بالقوّة إلى “تبخُّر” اتفاقيات السلام الموقّعة مع كلّ من مصر والأردن، وربما إلى نشوب حربٍ لا تقتصر على الجبهة الشمالية، وقد تمتدّ هذه الحرب إلى أبعد من كلّ تصوُّر مُسبق، بما في ذلك الارتدادات الدولية.

وبذلك بقي أمام إسرائيل القتل والتدمير والإبادة بما يُفضي إلى النزوح الداخلي وهو شكل من أشكال “الترانسفير” الداخلي الذي تراهن إسرائيل على أن يشكّل ضغطاً هائلاً على فصائل المقاومة في القطاع، ويخلق انطباعاً أمام المجتمع الإسرائيلي بأنّ ثمة “صورة” جديدة يفرضها الجيش الإسرائيلي قبل الدخول في حربٍ برّية، خصوصاً وأنّ إسرائيل باتت على قناعةٍ بأنّ بقاء الأمر على هذه الوتيرة، ما زال “يضمن” عدم فتح الجبهة الشمالية، وأنّ فتح تلك الجبهة في ظلّ التهديدات الأميركية و”الغربية” ليس متوقعاً حتى الآن، وفي ظل هذه الوتيرة.

لا يبدو أبداً ومطلقاً أنّ مثل هذه “الصورة” مُقنعة للمجتمع الإسرائيلي، وهي صورة ليست ممكنة إلّا إذا تحقّقت بسرعة، لأنّ الاستمرار بنهج القتل والتدمير والإبادة محفوف بمخاطر تراجع “الغرب” عن استمراره بقبولها وتقبُّلها، ومحفوف حتى بحساباتٍ أميركية داخلية قد تغيّر في درجة “حماسة” الرئيس الأميركي جو بايدن لها.

الواقع على الأرض ما زال يقول إنّ “تراكم” هذه الوتيرة سيجعل من هذا التراكم “سُلَّماً” لأزمةٍ إنسانية على أعلى درجات الخطورة، ويمكن في ضوء ذلك بالذات أن تنقلب معادلة “الوتيرة” إلى حربٍ شاملة.

الدليل على ذلك هو أنّ فتح الجبهة الشمالية، ليس مرتبطاً بالحرب البرّية كما يعتقد البعض، إلّا عند درجةٍ معينة منها، وهذه الدرجة هي أن تشكّل هذه الحرب البرّية تهديداً مباشراً للبنية العسكرية لدى فصائل المقاومة، أو ما سيؤدّي إلى ضعفها وانكسارها، وهذه هي نقطة الصفر لتدخُّل الجبهة الشمالية.

وكما كتبنا منذ اليوم الأوّل لهذه الحرب فإنّ الجبهة الشمالية لن تتدخّل بصورةٍ شاملة إلّا في حالة ضعف المقاومة، وفي حالة وصلت الأمور الإنسانية إلى حدٍّ لا يمكن السكوت عنه. وعليه فإنّ هذا الخيار، أيضاً، من قبل إسرائيل لا يحقّق الهدف، ولا ينهي المقاومة في القطاع، ولا يتفادى الحرب الأشمل، وعلى إسرائيل من أجل أن تحقّق أهدافها من هذه الحرب أن تنتصر انتصاراً حاسماً فيها.

ولمزيدٍ من توضيح الأزمة الإسرائيلية على هذا الصعيد دعُونا نلحظ كيف أنّ إسرائيل كانت تتحدّث عن حربٍ لعدّة أسابيع، ثم ثلاثة أشهر، والبعض بدأ يتحدّث عن عدّة سنوات!

فهل تتحمّل إسرائيل حرباً ستمتدّ إلى ثلاثة أشهر بجيشٍ يُعاني من آثار هزيمةٍ مُنكرة، واقتصادٍ بات يُهدّده الشلل الكامل في الزراعة والسياحة، وحتى الصناعة، ثم هروب رؤوس الأموال، وهجرة معاكسة لقطاعات شبابية مؤثّرة لن تطول إقامتها في إسرائيل عند أوّل فرصةٍ ممكنة للهروب منها؟

الحقيقة لا تكمن في إعلانات إسرائيل عن أهدافها، وإنّما تكمن في أنّ الاعتراف الإسرائيلي بالنكسة التي ألمّت بها، أكبر من أن تتمّ إزالة آثارها بالفهلوات الإعلامية، وأنّ مثل هذه الإزالة لا تحتمل سوى الانتصار الحاسم، والانتصار الحاسم والنهائي يحتاج أثماناً لن تتمكّن إسرائيل من دفعها، وأنّ القيادة السياسية والعسكرية ليس أمامها سوى أن تخوض غمار هذه المقامرة، لأنّ هذه القيادات لم يعد لديها ما تخسره، ولأنّ حساباتها هي حسابات تنطلق من هذه الزاوية، دون أن تتطابق الزوايا بالضرورة.

أقصد أنّ إسرائيل لديها ما تخسره، وليس واضحاً لها تماماً ما الذي ستربحه بالضبط، كيف ومتى وبأيّ ثمن؟

المُغامر الأكبر في هذه الحرب المفتوحة على خساراتٍ خطيرة هو بايدن، وعلى الشعب الإسرائيلي أن يتضرّع إلى الله بأن لا تكون مغامرة بايدن قد أدخلت إسرائيل في أزمةٍ أكبر بكثير من النكسة وآثارها، ومن الأزمة القضائية وتوابعها.

أما نحن فكلّ ما نأمله هو أن تكون عملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) تشبه تبعات معركة الكرامة التي شكّلت منعطفاً وطنياً لشعبنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى