شمس الدين الكيلاني يكتب – ثلاثية "شلومو ساند" | في حال "إسرائيل": التاريخ والمصير - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

شمس الدين الكيلاني يكتب – ثلاثية “شلومو ساند” | في حال “إسرائيل”: التاريخ والمصير

0 86

بقلم شمس الدين الكيلاني – 31/10/2020

مقدمة: أسئلة تحتاج لإجابات جديدة في ظروف باعثة على الشك

بدأ عدد من الباحثين الإسرائيليين في إعادة النظر بتأريخ تأسيس “الكيان” الذي شيدته الصهيونية على الأساطير، إذ ساهم العديد من الباحثين في نهاية ثمانينيات القرن الماضي في تحمّل مسؤوليّة تبديدها وإزاحة النقاب عن الحقيقة المرّة.

وقد أُطلقت تسمية “المؤرخين الإسرائيليين الجدد”، في ثمانينيات القرن الماضي، على مجموعة من المؤرخين الذين قدّموا رواية جديدة لتاريخ ولادة إسرائيل الدموية، تناقض الرواية المتداولة، مستفيدين من توافر مكوّنات أرشيف حرب 1948، “فأسفر ذلك عن موجة من الموضوعات والأطروحات المعدّلة، ورسائل الدكتوراه والدراسات، وكان في مقدمة هؤلاء بيني موريس وآفي شلايم[2] وإيلان بابيه، وعلى الرغم من اختلافاتهم المنهجية وميولهم الأيديولوجية، تجمعهم يافطة المؤرخين الجدد؛ فقام عدد من هؤلاء بالكتابة بشكل متعاطف مع الضحايا الفلسطينيين لقصة ’نجاح الصهيونية’”[1]. كما كانوا “متحدِّين صورة إسرائيل عن نفسها، باعتبارها القلّة في مواجهة الكثرة، مثل داود في مواجهة جوليات” [2[

وبالتساوق مع هذه الرؤية النقديّة الجديدة، جرى تداول مفهوم “ما بعد الصهيونية”، الذي دعا إلى إعادة النظر بالأسس الأيديولوجية الصهيونية التي قامت عليها إسرائيل.

وكان بيني موريس، في طليعة ما سمي المؤرخين الجدد في إسرائيل، وضم هذا التيار إيلان بابيه، وتوم سيغيف، وزئيف ستيل، وسيمحا فلابان وهو من أوائل “المؤرخين الجدد”، وآفي شلايم وغيرهم. ويبدو أنّ إيلان بابيه والأميركي نورمان فنكلشتاين وشلومو ساند، قد كسروا كل ارتباط يشدُّهم إلى رموز الصهيونية وآثارها. وكان مصطلح المؤرخين الجدد سابقًا زمنيًا لتيار “ما بعد الصهيونية”، ولعل نقد ما بعد الحداثة عالميًّا قد أسهم في إيقاظ الوعي الذاتي لدى الباحث النقدي الإسرائيلي تجاه زيف الأساطير المتعلقة بولادة الكيان الإسرائيلي، وقد ساهم هذا التيار بدوره في “ما بعد الصهيونية”، وتبدو طبيعة الصلة الزمنيّة والموضوعاتيّة بين المؤرخين الجدد وعلماء الاجتماع النقديين من جهة، والجماعات التي يمكن أن يُطلق عليها مصطلح “ما بعد الصهيونية” من جهة أخرى، هي أن الثانية، أي “ما بعد الصهيونية”، أوسع نطاقًا من الأولى، إلا أنه لا يمكن فهم أيّ منهما دون فهم الآخر المتصل به، كما يمكن الربط بين تطور أفكار المؤرخين الجدد وتيار “ما بعد الصهيونية”، والمراجعات النظرية والفكرية المنسوبة إليه، والتي تدور في مجملها حول نبذ الكثير من مكونات الصهيونية التقليدية، مثل تفرّد القومية اليهودية، ونقاء الشعب اليهودي، وسياسة التوسّع واعتماد الدين معيارًا للانتساب إلى الدولة[3[

ويتجاوز نقد “ما بعد الصهيونية” خطابات اليسار الصهيوني وجماعة حركة “السلام الآن”، فهو تيار عمِل باتجاه الانتقاص من التيارات اليسارية الصهيونية وحركة “السلام الآن”، فكان المنتمون إليه أكثر راديكاليّة من الأخيرين؛ “إذ أنهم يعتقدون أن المشكلة تتعلق بالوجود الإسرائيلي المطلق، وأن الحركة الصهيونية حركة كولونياليّة عنصرية، كونها استولت على أراضي الآخرين بالقوّة، وظلَّت تمارس القمع”[4[.

وقد حدث أول وأوسع هجوم على الرواية الرسمية عام 1987، من خلال كتاب سمحا فلابان، “مولد إسرائيل: حقائق وأساطير”.

 وشهدت تلك السنة أيضًا، صدور كتاب بيني موريس، “مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947 – 1949″، والذي وصف فيه فرار الفلسطينيين على هيئة موجات متلاحقة، مدينة بعد أخرى، وقرية بعد أخرى، وهو يقدّم العديد من الأمثلة التي تعبّر عن الحرب النفسية والتّهديد والطرد القسري والفظائع التي ارتكبتها القوات المسلحة الخاصة بالدولة اليهودية الوليدة[5].

 فبدأ الحديث عن “التأريخ الجديد”، عقب مقال بيني موريس؛ أستاذ التاريخ في جامعة بن غوريون، والذي جاء تحت عنوان “التاريخ الجديد: إسرائيل تواجه ماضيها”. وهذه الأبحاث شكّلت مع زميليه، إيلان بابيه وآفي شلايم، ثم كتابات شلومو ساند، التي أعادت النظر في الرواية الإسرائيلية الرسمية لتاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، كما ساهمت الحرب على لبنان عام 1982، ومذابح صبرا وشاتيلا، ومن بعدها الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، في تغذية الشكوك حول المشروع الصهيوني ومستقبله وآلية عمل الكيان الإسرائيلي وطابعها الكولونيالي، سلوكًا وأيديولوجيا، وهو ما أعطى دفعة قوية لجهود “المؤرخين الجدد”، وأثارت نقاشًا واسعًا بين المثقفين على الجانبين، وعلى الرغم من مظاهر القوة العسكرية التي لا تدوم لأحد، وعدم قدرة إسرائيل على استيعاب هزيمة واحدة، وحقيقة أنّ إسرائيل مُستَمدَّة من الضعف الحالي للعرب، فإن هناك إحساسًا عميًقا لدى الإسرائيليين، على الأقل من النخبة الفطنة منهم، يشير إلى أنّ إسرائيل تواجه مأزقًا تاريخيًا لا يفارقها، لا في واقعها الراهن، ولا في الماضي من ذكريات مأزومة، حين تستحضر تجربة غزوات الفرنجة (1096-1296م)، على سبيل مقارنتها بتجربتها.

أما في الحاضر “فإن الصهيونية فقدت الكثير من حيويتها وأهميتها في معالجة القضايا المهمة التي تواجه المجتمع، داخليًا وخارجيًا؛ فالتوليفات التي قامت عليها الصهيونية بين متناقضات كثيرة ’الخصوصية القومية – العالمية – التقليد – التحديث – الدين – العلمانية’ لم تستطع أن تصمد بعد تحقيق النجاحات في العقدين الأولين من قيام الدولة، وتحوّلت الحركات الأيديولوجية إلى أحزاب تتنافس”[6[

سنحاول في هذه الورقة (الأولى من أصل ثلاث)، التعرُّف إلى تلك التيارات النقدية من خلال مؤلفات شلومو ساند كنموذج لهذا التيار متنوّع المشارب.

كما سنحاول التعرّف عن قرب إلى تصوّراته عن حاضر إسرائيل، وأسئلته الكثيفة والحرجة عن مستقبلها كنموذج يمثل التيار النقدي لإسرائيل، والذي ما زال محصورًا في مجموعة من المثقفين، ولم يتحول إلى تيار فكري – سياسي مؤثر إلى الآن، وربما يرتبط مستقبله وسعة تأثيره وضيقه بالتغيّرات التي يمكن أن تحدث في الاجتماع السياسي الإسرائيلي، ورغبته بالمصالحة والمقاربة العادلة للحقوق الفلسطينية والعربية، وأيضًا استجابة العرب للتحدي الصهيوني، الذي يتطلب منهم تعديل ميزان القوى والوحدة، وذلك للدفاع عن مصيرهم ومستقبلهم “فلسطينييّن وعربًا”، وتقديمهم لخطاب ديمقراطي يمكّنهم من اختراق المجتمع الإسرائيلي والدولي.

ونجد مع ساند نموذجًا مهمًا، هو الأكثر نقدية لتأريخ نشأة إسرائيل، ككيان استعماري كولونيالي، فكان الأكثر جدية في البحث والتقصّي عن حقائق الصراع العربي – الصهيوني، الذي رسم تاريخنا المعاصر، وكانت فلسطين، بأرضها وشعبها، خط تقاطع النيران في هذا التاريخ المديد.

ساند من أصول بولندية، والده يساري، استطاع الإفلات من قبضة النازية والهولوكوست، نقلته أسرته إلى يافا عام 1948 في فلسطين، فنشأ وترعرع فيها، وعمل أستاذًا في جامعة تل أبيب، وكتب ثلاثة كتب، في موضوع يدور حوله لكشف زيف الرواية/ الأسطورة الصهيونية عن أمة يهودية مزعومة (ومؤخرًا أصدر كتاب “عرق متخيّل – تاريخ قصير لرُهاب اليهود”، بالعبرية). ويدور كتابه الثاني حول تعرية مُتخيّلهم عن “أرض إسرائيل”، فيما يدور الكتاب الثالث حول علاقته التي انقطعت، ليس مع تلك الأساطير فحسب، بل مع اليهودية نفسها، معلنًا خروجه من قفصها. فقضى سنوات شبابه في النبش “دون كلل” عن وقائع التاريخ التي تدحض دون مواربة أقاويل الصهيونية.

أولًا – اختراع “الشعب اليهودي

صدر كتابه هذا في عام 2008، وكرّسه لكشف زيف الادّعاء بوجود “الشعب اليهودي”، وبأن “الوطن” فلسطين، إنما يعود إلى “الشعب اليهودي والقومية اليهودية”، وأن هناك تطابقًا بين القومية والدين، بالإضافة إلى أن الفلسطينيين أتوا بالصدفة، فيما صلة اليهود بـ”أرض إسرائيل” تقاس بآلاف السنين!

وتألّف كتابه من مقدمة وتوطئة وخمسة فصول، يستغرق فيها في التنقيب التاريخي، ويتبعها في محاولة قراءة واقع “الدولة” وما يحيل إلى احتمالات خطرة، إذا لم تتجه إلى حل ديمقراطي للمسألة الفلسطينية – الإسرائيلية.

يسرد في المقدمة ثلاث حكايات عن أبيه وأمه وأخته وعن صديقية العربيين، من بينهما الشاعر محمود درويش، على أمل أن تشكّل “غلافًا ملائمًا لنص نقدي يسعى إلى الوقوف على المصادر التاريخية وعلى تداعيات ممارسات سياسة الهويات في إسرائيل”[7]. ويتعرض لتجربة غربة وعيه وصدمته من مجتمعه اليهودي، والتعقيدات التي تحيط هويات الأفراد في مواجهة هوية زائفة، وكيف خدم في الجيش أثناء حرب حزيران 1967، زار أثناءها صديقه الشاعر الكبير محمود درويش في منزله في حيفا وكان قد خرج للتوّ من سجون الاحتلال، فعبَّر الجندي شلومو لصديقه درويش عن قرفه من صرخات النصر التي تعالت في إسرائيل بعد الحرب وعن يأسه وشعوره بالاستلاب من سيل تلك الدماء وعن رغبته في مغادرة البلد. وفي اليوم التالي، أيقظ محمود درويش صديقه الجندي على قصيدته “جندي يحلم بالزنابق البيضاء”، جاء فيها:

يفهم – قال لي – أن الوطن

أن أحتسي قهوة أمي

أن أعود في المساء

سألته والأرض؟

قال: لا أعرفها[8[

وفعلًا، غادر الجندي البلد بعد أن غادرها الشاعر، وعاد الاثنان بعد اتفاق أوسلو، ولكن السلطات الإسرائيلية سمحت للجندي، ولم تسمح للشاعر بالدخول إلى يافا وحيفا إلّا للحظات خاطفة[9[

قدَّم ساند تحت عنوان “ذاكرة مغروسة” الصورة النمطية للذاكرة اليهودية التي غرستها الصهيونية في أذهان اليهود، فغدت عقبة معرفية، يصفها بأنّها “طبقات لذاكرة جماعية، عليه أن يستهلكها قبل أن يُصبح باحثًا مهنيًا… تخلق عالمًا مُتخيّلًا… تغرس في ذاكرته ’حقائق’ لا يمكن التفكير إلّا من خلالها”[10]. فأدخلوا في وعيه “بأنه ينحدر من جذور شعب يهودي عريق… فلم تنفع دروس التاريخ في الجامعة، ولا حتى تَحوّله لمؤرخ، في تفتيت ذاكرة الماضي هذه”[11].

 وقد لُقِّن الأسطورة التي تقول بوجود “شعب يهودي منذ نزلت التوراة في سيناء، ويتحد كل اليهود من نسله، وإنه خرج من مصر واحتل ’أرض إسرائيل’ التي وُعِد بها. وقامت مملكة داوود وسليمان، وأن هذا الشعب أُجلي مرة أيام البابليين، ومرة ثانية عام 70 بخراب الهيكل للمرة الثانية. وتشتت في شتى الأصقاع وبقي محافظًا على وحدته الدينية والإثنية… وكانت أراضي الشتات تخصُّه وحده فقط، ولا تخصُّ هؤلاء ’القلة’ الذين وصلوا إليها بمحض الصدفة… لذلك كانت حروب ’العائدين’ حروبًا عادلة، أما مقاومة السكان المحليين العنيفة فقد كانت آثمة”[12[.

ثم قام جيل في القرن التاسع عشر “باقتطاف شظايا ذاكرة دينية يهودية ومسيحية، استخرجوا منها بواسطة خيال خصب شجرة نسب متواصلة لـ’الشعب اليهودي’”[13]. [3]

لم يصب تلك التوليفية المزيّفة الشكّ إلّا مع سجالات ’المؤرخين الجدد’ في التسعينيّات، لكن بقي هذا السجال – بحسب ساند – محدود التأثير في الوعي.

ولقد ختم الفصل الأول بدراسة غنية للغاية حول الأبحاث المتعلقة بالقومية، مارًّا على ستيوارت ميل والدراسات الماركسية، ومعرجًا على هبسباوم، ليقف مطولًا عند أندرسن وغورز وغرامشي، معطيًا للتاريخ وللحداثة والثقافة وللمثقف دورها في القومية، ناقدًا نظريات الصهاينة الفقيرة وغير المجدية.

عمل ساند بعدها على دحض فكرة الأصل الواحد لليهود، مستهلًا ذلك بقول سبينوزا (1677) إنّه “يبدو واضحًا وضوح الشمس، أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة، بل كتبها شخص عاش بعد موسى بقرون عدة”[14]. ثم تعرّض لنقد وتمحيص كتابات المؤرخين الصهاينة: هاينريخ غريتس وموشيه هس الصهيوني، وأيضًا شمعون دوفنوف (1941)، الذي كرَّس حياته لبعث ما سُمِّي الاستمرارية التاريخية في الوجود اليهودي[15]. فقد أمَّمَ هؤلاء الـ”تناخ” (أسفار خمسة من التوراة)[4]، وحولوه “إلى كتاب تاريخي موثوق”[16].

ولاحظ ساند أنه في السنوات الأولى لقيام إسرائيل أضحى الـ”تناخ” أيقونة مركزية في تصميم وهندسة الوطنية “المتجددة”. وأُرغم موظفو الدولة على عبرنة أسمائهم”[17]. غير أن نتائج فورة حفريات علم الآثار بعد حرب 1967 خيبت آمالهم التي لم تطابق وتخيلًا الـ”تناخ”! عندها، اقترح الباحثون التعامل مع قصص الآباء هذه على أنها مجموعة قصصيّة اخترعها باحثون لاهوتيون أكفّاء[18].

وقد قضت الاستنتاجات العلمية لديهم بأنّه “إذا كان ثمة كيان سياسي قام في يهودا في القرن العاشر قبل الميلاد، فإن هذا الكيان هو مملكة قبلية صغيرة، لم يتعدَّ حجم القدس فيها حجم بلدة محصَّنة، ومن المحتمل أن تكون قد تطورت في هذا الكيان الصغير عائلة سُمِّيت آل داوود”[19]. وأنه لم يكن هناك على الإطلاق مملكة موحدة وعظيمة، وأنه لم تكن لدى الملك سليمان قصور فخمة وفسيحة ليُسكِن فيها سبعمائة زوجة”[20[

وعلى طريقته في نقض فكرة “الدولة اليهودية”، أقدم ساند على تقويض فكرة “المنفى – الشتات اليهودي” ضد ما تضمنته وثيقة الاستقلال الإسرائيلية، “عندما أُجلي الشعب اليهودي عن بلاده بالقوة، لم ينقطع عن الصلاة والتعلق بأمل العودة”، وضد قول شموئيل عغنون[5] (1970) إن “الشعب اليهودي أُجلي في أثر خراب الهيكل سنة 70 للميلاد… وفي قلبه أمل… في وطنه القديم”[21]. فيرد ساند: “الرومانيّون لم يقوموا قط بنفي الشعوب… وهذه السياسة الشاذة لم تطبَّق في الشرق الأوسط”[22[

فرّق ساند بين الانتماء لليهودية والإثنية؛ فاليهودية لم تنحصر في إثنية بعينها. [6]

فرجع إلى الأناجيل ليلتقط إشارات واسعة إلى عدم ثبات اليهودية في جنس واحد، فيُذكِّر بسفر زكريا، “فتأتي شعوبٌ كثيرة وأمم قوية ليطلبوا ربَّ الجنود في أورشليم، وليترضّوا وجه الرب”؛ (زكريا، الإصحاح الثامن)”[23]. وتحدث عن تهوُّد مملكة الحشمونائيم (القرن الثاني ق.م)، ومملكة حديب في القرن الثاني الميلادي شمال الهلال الخصيب، فكانت مملكة حوديب، هي الكيان السياسي اليهودي الأول خارج يهودا ولم تكن الأخيرة[24]. واستوطن اليهود في الحجاز؛ في تهامة ويثرب وخيبر، وكان التبشير باليهودية في اليمن قد ساهم في القرون الأولى للميلاد بانتشار التهويد في اليمن “مملكة حمير”[25].

ويأتي بمثال تهويد أهل مملكة الخزر، ما بين القرنين السادس والحادي عشر، بين جورجيا ونهر الفولغا، والذين ذكرهم الرحالة ابن فضلان والجغرافي الإطخري والمؤرخ المسعودي[26]. لهذا سعى الصهاينة إلى طمس الخزر من ذاكرة التاريخ[27]، وسجلت أفريقيا الشمالية إحدى نجاحات التهويد[28]. ولم يبدأ التهويد بالتراجع، إلَّا مع بدء التضييق على اليهودية، وذلك بعد وصول المسيحية للسلطة مع الإمبراطور قسطنطين (ت 272)، في القرن الرابع[29]. فكانت اليهودية عابرة للأمم ولم تخصّ قومًا بحدِّ ذاته.

وانصبّ جهد ساند في الفصلين الثالث والرابع لتفكيك الأسطورة الصهيونية عن شجرة أنساب اليهود المتسلسل لـ”الشعب اليهودي”، واتهمه نقاده الصهاينة بأنه حاول فصم علاقة اليهود بـ”أرض الأجداد” وجرّدهم من حقهم التاريخي، فرد عليهم بالقول إنه “لم يكن يتصور أن يكون هناك في مطلع القرن 21، من يُبرِّر إقامة دولة إسرائيل بالادعاء أنّها ’أرض الأجداد’”[30[

وشرح ساند موضوع كتابه بالقول: حاولت أن أشرح في كتابي “اختراع الشعب اليهودي” كيف فبركت الحركة الصهيونية تاريخًا مزيفًا لليهود مبنيًا على فكرة الشعب اليهودي. وبيّنتُ أن هذه فكرة خاطئة ومجرّد خرافة، تمّ استعمالها من أجل تبرير الاحتلال الإسرائيلي، فالشعب بالمعنى الأنثروبولوجي والسوسيولوجي – الاجتماعي، هو مصطلحٌ يُطلق على مجموعة بشرية تجمعها ثقافة مشتركة مثل؛ اللغة والأدب والموسيقى وما إلى ذلك من الشروط الثقافية الأخرى. وهذا ما لا ينطبق على الشعب اليهودي الذي اخترعته الحركة الصهيونية”[31[

ويذهب إلى أنه إذا كان القوميون في أوروبا قد نسجوا أيديولوجياهم القومية على مقاس الجماعة التي تحدثوا عنها وعلى مقاس المجال/ الأرض التي يعيشون عليها، فالصهيونية تعيَّن عليها اختراع أسطورتها القومية واختراع الشعب نفسه تحت اسم “الشعب اليهودي”، وأضيفت إليه “الدولة اليهودية”[32]. إلى جانب ذلك، لاحظ أن هذه القومية “اليهودية”، التي وُلدت في شرقي أوروبا “المتخلّف” قياسًا لغربيّ أوروبا، كان “نجاحها” مشروطًا بمساندة “الأغيار”، فظلَّت الصهيونية ما بين العام 1897؛ منذ تاريخ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، تيارًا هزيلًا للغاية في صفوف الجاليات اليهودية في العالم[33]. فلجأت إلى تحويل فلسطين إلى وطن قومي لكل يهود العالم. واستدعت الميثة التاريخية لتبني أيديولوجية “علمية” ملائمة؛ “فالوعد الإلهي لم يعد كافيًا لدعاة القومية العلمانيين. وإذا كان العدل لا يكمن في الميتافيزيقا الدينية، فعليه أن يكون مخبوءًا في البيولوجيا”[34]. وقد قال فيلسوفهم بيرنباوم: “ليست اللغة أوالثقافة هي التي يمكن أن تفسِّر نشوء القوميات، وإنما فقط البيولوجيا”[35]. وأكد ماكس نورداو، رجل هرتسل المخلص، على الأمر نفسه، إذ قال “إن اليهود يشكلون بوضوح، شعبًا ذا أصل بيولوجي متجانس… تشده رابطة الدم”[36]. وأصبح العرق والأعراق النقية لدى جابوتنسكي، مصطلحين علميين[37]. وقد استهدفت تلك البيولوجيا اليهودية تشجيع نزعة الانعزال عن الآخرين، بغية الحفاظ على الهوية القديمة[38]، وللتطهير العرقي لاحقًا. وهذا التفسير يصبح مقبولًا عند حديث ساند عن طرد الفلسطينيين أثناء حرب 1948[39[

ولقد لاحظ ساند، بمرارة، أن المجموعة الصهيونية مارست سياسة الإقصاء العرقي والديني تجاه الفلسطينيين، السكان الأصليين، تدعمها ثقافة استبعادية معادية للغير، وتكرست هذه النزعة وتلك السياسة بالقانون الدستوري، الذي ترك ثغرة يمكن استغلالها نسبيًا لخوض انتخابات الكنيست، بعد أن أقرَّت المحكمة العليا قانونًا للكنيست يمنع “المشاركة في انتخابات الكنيست لأية قائمة، إذا وجد في أهدافها أو أعمالها ما يشير إلى

 “1- نفي كيان دولة إسرائيل بصفتها دولة الشعب اليهودي.

 2- نفي الطابع الديمقراطي للدولة.

 3- التحريض على العنصرية”[40].

غير أن هذه الثغرة لم تسمح بتمرير فصل المواطنة عن الدين. فيشير ساند إلى أن “الفلسطينيين -الإسرائيليين الذين يشكلون خُمس سكان إسرائيل، يعلنون جهارًا أن الدولة ليست لهم، وإنما تعود لشعب آخر غالبيته ما زالت تعيش وراء البحار”، كما أنّ الكاتب أنطوان شماس خاطب الإسرائيلية محاججًا: “تعالوا لنكون جميعًا إسرائيليين متعددي الثقافات، نُبلور هوية عليا قومية لا تمحو الهويات الأصلية، بل تتوجّه نحو مستقبل إسرائيلي يسوده التعايش بين اليهود والعرب مواطني الدولة”، لكن أ. ب. يهوشوع، أحد أبرز الكتاب الإسرائيليين، وممثل بارز لليسار الصهيوني، رفض فورًا هذه الدعوة مؤكدًا: إسرائيل يجب أن تبقى دولة الشعب اليهودي المشتت، ولا يجوز أن تصبح لجميع مواطنيها[41[

لذا، انحسرت الآمال بدولة المواطنة الواحدة لأصحاب الهويات المتعددة، تحت ضغط شعار “تهويد الدولة”، كما “تمسك الصهيونيون بضرورة بقاء إسرائيل دولة حصرية ووحيدة لجميع اليهود. وفي المقابل، أيّد تيار ’ما بعد الصهيونية’، الاعتراف الكامل بدولة إسرائيل في حدود 1967، وتحوّل إسرائيل إلى دولة جميع مواطنيها”[42]. ويبدو أن ساند يميل إلى هذا الخيار الإستراتيجي.

وأعقب ذلك في عام 1992 سن قانون يحمل نصًّا قاطعًا، بأنّ إسرائيل “دولة ديمقراطية يهودية”[43]. وهو عنوان متناقض في دلالته المفهومية، وجُنَّدت، أثناء ذلك، لدعم هذا التوجُّه، حملة من مثقفي الصهيونية للدفاع عن هذا الشعار نفسه “يهودية الدولة”، معتبرين ذلك لا يمس الديمقراطية[44]؛ فيرد ساند مهاجمًا اليمين الصهيوني قائلًا إن “الجمهورية الفرنسية لا ترى نفسها بأية حال دولة مواطنيها الكاثوليك فقط، وإنما أيضًا بشكل صريح دولة سكانها الفرنسيين اليهود والبروتستانت وحتى الفرنسيين المسلمين”[45[

فيتمعَّن ساند في تلك الميول الإقصائية في إسرائيل، وتأثيرها على “الديمقراطية”، لسبر المظاهر المعيقة للديمقراطية وحرية التنوع الثقافي، فيجد من هذه المظاهر، أن “القومية اليهودية التي تسيطر على المجتمع الإسرائيلي ليست هوية مفتوحة ومتضمنة تطوق وتفضِّل وتعزل الأغلبية عن الأقلية، وتؤكد أن الدولة هي ملك الأغلبية فقط”[46]. بينما الصحيح، هو أنّ “الهوية العليا الرسمية التي تشكِّل أساسًا موجهًا للثقافة القومية، ينبغي أن تكون مفتوحة للجميع، أما في إسرائيل، فالوضع معكوس تمامًا، فالامتيازات والحقوق الإضافية مكفولة ومحفوظة للأغلبية اليهودية”[47[.

وبناء على تلك المقدمات، يرى ساند، أنه “من الملائم أكثر وصف إسرائيل كـ’إثنوقراطيا’، وإذا شئنا التدقيق، سيكون من الأفضل تعريفها كإثنوقراطية يهودية ذات ملامح ليبرالية، بمعنى دولة ليست مهمتها الرئيسية خدمة (شعب) مدني – متساوٍ، وإنما خدمة (شعب عرقي – إثنوس) بيولوجي ديني – وهمي تمامًا من ناحية تاريخية”[48]، ويحرّكها يقين مثيولوجي للتاريخ، بحكم علاقتها بالجغرافيا بأرض فلسطين، وسيطرت عليهم فكرة التوسع، والاستيطان

[1]  شمس الدين الكيلاني، باحث سوري في المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، ومقر المركز في مدينة الدوحة-قطر.

[2]  يرى شلايم في كتابه: أن الموضوع الخلافي الأساسي هو حرب 1948 وقيام دولة إسرائيل. وهو يقر بأن قيام الدولة العبرية تمخض عنه ظلم كبير بحق أهل فلسطين، إلا أنه يعترف بشرعية دولة إسرائيل بحدود ما قبل عام 1967- ل ت ف (اختصار لجنة التعبئة الفكرية في فتح)

[3]  ويقول الباحث أيضا في كتابه: «لم يكن في الماضي شعب يهودي واحد ينتمي الى أصول بيولوجية متجانسة، ولا يوجد اليوم أمة يهودية»، اليهودية كانت على الدوام مثل المسيحية والإسلام، حضارة دينية مهمة وليست ثقافة شعبية قومية. ل ت ف (لجنة التعبئة الفكرية في حركة فتح)

[4]  في الحقيقة أن التوراة هي الأسفار الخمسة الاولى من التناخ التي تمثل 39 سفرا لا يعترف بها الكثيرون خاصة فيما يتعلق بصلاحيتها ككتاب تاريخ-ل ت ف في فتح

[5]  شموئيل يوسف عكنون أو عجنون (1888-1970م) كان كاتبًا يهوديا من جمهورية أوكرانيا. ل ت ف

[6]  كانت اليهودية بالنسبة إلى معظم المثقفين والباحثين الألمان بحسب كتاب «تاريخ الايزرائيلتيم»، وهو أول كتاب يبحث في تاريخ اليهود، «طائفة دينية ولم تكن قطعا شعبا مشردا أو قومية».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.