انطوان شلحت يكتب - فلسطينيو الداخل لم يغادروا مهداف سياسة القمع الإسرائيلي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

انطوان شلحت يكتب – فلسطينيو الداخل لم يغادروا مهداف سياسة القمع الإسرائيلي

0 94

انطوان شلحت *-  31/5/2021

في هذا العدد من “المشهد الإسرائيلي” ثمة تركيز خاص على علاقة إسرائيل والأكثرية اليهودية فيها بالفلسطينيين في الداخل، وذلك بعد أن أعادتهم الهبّة الشعبية الفلسطينية المتدحرجة إلى صدارة الاهتمام مرة أخرى.

وهو تركيز نقوم به من زاويتين، مع العلم بأنه ممكن أيضاً من زوايا عديدة أخرى: الأولى، زاوية النظرة الإسرائيلية العامة حيالهم والتي لا تنفك ترى فيهم بمثابة عدو داخلي وطابور خامس ومثار قلق استراتيجي، ما يستلزم استمرار التعامل معهم بمقاربة أمنية فقط. والزاوية الثانية، هي التنائي عن الاستثمار في التربية على مناهضة العنصرية حيال الفلسطينيين والعرب عموماً، كما تثبت ذلك التقارير الإسرائيلية الرسمية على نحو دوري، بما يخدم تكريسها ضدهم كجنس بشري أدنى، غير مستحق لأي حقوق جماعية. وبموجب ما يقرّ به حتى عدد كبير من الباحثين الإسرائيليين فمن الخطأ الجسيم الاعتقاد بأن المؤشرات إلى تغلغل فكرة دمج فلسطينيي الداخل في الاقتصاد الإسرائيلي داخل صفوف جهات مسؤولة كثيرة بمن فيها بعض صناع القرار، من شأنها أن تنطوي على مؤشر إلى استبطان فكرة استحقاقهم حقوقا جماعية. وهذا ما يؤكده مثلا المقال الخاص المترجم في هذا العدد لأحد هؤلاء الباحثين.

لا شك في أن أحد أبرز الأمور التي برهنت عليها الهبّة، لدى قراءة تداعياتها من وجهة نظر إسرائيلية، أن الفلسطينيين في الداخل ما زالوا في مهداف سياسة القمع والاستعلاء والاستعداء الإسرائيلية. ولا يجوز القول بأي حال بأنها هي من أعادتهم إلى هذا المهداف لأنهم لم يغادروه أصلاً حتى في ذروة التعبير عن “لهاث” إسرائيل وراء دمجهم اقتصادياً ومن ثم سياسياً، مع وجوب ملاحظة أن محاولات هذا الدمج الأخير، كما تبدّت خلال أزمة إسرائيل السياسية الحالية، لم تغادر غايتها الأداتية الصرف، وبالتأكيد لن تغادرها برسم الهبّة الأخيرة.

وتحتاج التحليلات الإسرائيلية التي تناولت هبّة الفلسطينيين في الداخل إلى وقفة أوسع، وإلى أن تحين وقفة كهذه في قادم الأيام ينبغي أن نشير إلى أن أول ما يتعيّن ملاحظته هو نشوء حالة جليّة من التعبئة العامة للمؤسسة الإسرائيلية، السياسية والأمنية، والأكاديمية والإعلامية، للوقوف في شبه إجماع في صفّ معارضة هذه الظاهرة ومحاربتها، والإلحاح الشديد على الدعوة إلى الخوض في ملف الفلسطينيين في إسرائيل، بعد أن اعتبرته بالمطلق ملفاً شديد الإشكالية والخطورة، ويستدعي “علاجاً فائقاً وحاسماً”. وقد بدأت التعبئة العامة بكبار المسؤولين والوزراء وأعضاء الكنيست، لتنتهي بـ”جيش الخبراء” في “الشؤون العربية”، وكبار المعلقين والمحللين السياسيين والصحافيين وصغارهم، مروراً بمعاهد الدراسات والأبحاث والتخطيط السياسي على اختلاف أهوائها ومشاربها. وحالة التعبئة العامة هذه لم تظل منحصرة في نطاق التعبير عن المواقف النظرية أو التأليبية أو الريبية، وإنما انتقلت إلى مستوى الممارسة التطبيقية عبر المنحى الترهيبي التقليدي.

كما نشير إلى أن السمة الغالبة على موقف المؤسسة الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين في الداخل خلال الأعوام الأخيرة هي أنهم “خطر أمني” أو “عدو داخلي”. ومع أنها سمة متأثرة، إلى حدّ بعيد، بالموقف الإسرائيلي الثابت، إلا إنها شهدت تصعيداً يثقب العين منذ العام 2000 الذي شهد هبّة أكتوبر. وبمراجعة سريعة للأعوام الأخيرة، كما توقفنا في أكثر من مناسبة، بوسعنا أن نرى أن الجهد الأساس الذي بذلته حكومات بنيامين نتنياهو كان مُوجّهاً نحو غاية واحدة: قمع التطلعات السياسية للمجتمع الفلسطيني في إسرائيل. وما زلنا نذكر أن ألوف بن، رئيس التحرير الحالي لصحيفة “هآرتس”، أكد قبل أعوام كثيرة أنه على الرغم من أن تصعيد التوتر الداخلي مع الفلسطينيين في الداخل يقترن بشكل عام بعدد من الوزراء في حكومات نتنياهو إلا أن هؤلاء ليسوا أكثر من مجرد حاملين للراية، ويختبئ وراءهم رئيس الحكومة نفسه، وشدّد على أن هذا الأخير هو المبادر والمحرّك لهذه السياسة، على الرغم من أنه يقلّل من الحديث حول الموضوع ومن التحريض ضد العرب.

وأوضح بن آنذاك أن “نتنياهو يرى أن إسرائيل هي جزء لا يتجزأ من الغرب وثقافته. وتاريخ العرب وثقافتهم ولغتهم لا تثير فضوله”، وأشار إلى أن نتنياهو كشف عن سياسته ودوافعه خلال الدورة الثالثة لمؤتمر هرتسليا حول ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي، في العام 2003، عندما كان وزيرا للمالية في حكومة أريئيل شارون، لكن أقواله لم تحظ بصدى كبير في ذلك الوقت، غير أن التدقيق فيها الآن من شأنه أن يوضح المقاربة التي يتم تطبيقها من جانب حكومته إزاء العرب في الداخل.

ولدى العودة إلى خطاب نتنياهو هذا نقرأ فيه قوله: “إننا نواجه مشكلة ديمغرافية أيضاً، لكنها غير متركزة في عرب فلسطين وإنما في عرب إسرائيل. لا توجد لدينا أي نية للسيطرة على السكان الفلسطينيين، ولذا فإن المشكلة الديمغرافية لن تكون قائمة هناك عندما ينتقل هؤلاء السكان إلى السيادة الفلسطينية. وقد حددنا في وثيقة الاستقلال أننا نقيم دولة يهودية وديمقراطية. دولة يهودية أولا وقبل أي شيء، وبعد ذلك ديمقراطية. وكي لا تلغي الديمقراطية الطابع اليهودي للدولة، يجب ضمان أغلبية يهودية. إن مسألة العلاقة بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية هي قبل أي شيء مسألة مزدوجة، مسألة نسيج العلاقات والقدرة على دمج هذه الأقلية في حياة الدولة وفي الاقتصاد والمجتمع من جهة أولى، ومسألة العدد من جهة أخرى. وإذا ما اندمج السكان العرب بشكل رائع (في الدولة) ووصل عددهم إلى 35 بالمئة أو 40 بالمئة من مجمل عدد سكان الدولة، عندها ستصبح الدولة اليهودية ملغية وتتحول إلى دولة ثنائية القومية. ولو بقيت نسبتهم كما هي عليه الآن، أي حوالي 20 بالمئة، أو حتى أصبحت أقل، لكن العلاقات بقيت متسمة بالصرامة والتحدي والعنف وما إلى ذلك، فإنه في هذه الحالة أيضا سيتم مس ادعائنا بشأن النسيج الديمقراطي. ولذا نحن بحاجة إلى انتهاج سياسة توازن بين هذين الأمرين. وقبل أي شيء يتعين علينا أن نضمن أغلبية يهودية في دولة إسرائيل”!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.