أقلام وأراء

اللواء محمد إبراهيم الدويري: إسرائيل وغزة: هل الحلول الدائمة ممكنة؟

اللواء محمد إبراهيم الدويري (نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية)

من المؤكد أن الأحداث الجارية بين إسرائيل وقطاع غزة لم يتفاجأ بها المتابعون عن كثب لهذا الملف الشائك حيث إننا أمام سيناريو متكرر منذ أكثر من عشر سنوات فقد شنت إسرائيل أربع حروب على القطاع أعوام 2008 و2012 و2014 و2021 وكلها تشابهت فى قوة التدمير والقتل التى قام بها الجيش الإسرائيلى ضد المؤسسات والممتلكات والمواقع الفلسطينية فى مقابل نجاح كل من حركتى حماس والجهاد الإسلامى فى إطلاق آلاف الصواريخ على المدن الإسرائيلية المختلفة ثم يتدخل الوسيط المصرى النشط وينتهى الأمر بوقف التصعيد وبلورة بعض التفاهمات وسرعان مايتكرر نفس السيناريو مرة أخرى.

وإذا كان من المستحيل أن تستمرأى تهدئة أو حتى هدنة شاملة يتم التوصل إليها بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية لفترة طويلة رغم أنها ضرورية من أجل التقاط الأنفاس والبحث عن الحلول المناسبة، فإنى لن أخوض فى هذا المقال فى تفصيلات العملية العسكريةالتى بدأتها إسرائيل بدون أى مبرر باغتيال القيادى فى الجهاد الإسلامى تيسير الجعبرى يوم الخامس من أغسطس حيث إن جميع تفصيلات العمليات المتبادلة يمكن متابعتها عبر الفضائيات المختلفة، وإنما سوف أحاول فى هذا المقال التفكير فى كيفية إنهاء أزمة غزة برمتها.

بداية سوف يظل قطاع غزة والضفة الغربية يشكلان معا جناحى الدولة الفلسطينية المستقلة التى لابد أن تولد فى يوم من الأيام ولن تستطيع إسرائيل أو غيرها من القوى أن تقف أمام حكم التاريخ مهما يطل أمد الاحتلال، وسوف ترضخ إسرائيل لهذا الحكم، سواء عن طواعية أو رغما عنها فلا يمكن أن يستمر هذا الاحتلال البغيض إلى مالانهاية. وحتى أكون واقعيا فلابد لى من أن أكون أكثر صراحة حيث إن هذا الأمل الذى ننشده بحتمية قيام الدولة الفلسطينية لن يتحقق بسهولة مادام هذا الانقسام قائما يمزق عن عمد أواصر الوطن الفلسطينى ومادامت المصالح التنظيمية أعلى وأقوى من المصلحة العليا للشعب الذى يتوق إلى الحرية، ولايجد الأدوات التى تساعده على تحقيق هذا الأمل، ومن المؤلم أن الشعب الفلسطينى أصبح يواجه بمفرده ليس فقط جيشا يمتلك كل الأسلحة الحديثة الفتاكة ويستخدمها دون أي اعتبارات إنسانية، ولكنه يصارع أيضا استيطانا يلتهم كل يوم أراضيه ويغير معالمها وينتهك مقدساته، بينما العالم يشجب ويطالب بضبط النفس.

لن أفقد الأمل مطلقا فى أن الشعب الفلسطينى سيظل صامدا وسوف يكون هو صاحب القرار فى تغيير الواقع الحالى وفرض إرادته على الجميع من أجل أن تتحول المصالحة إلى واقع حقيقى على الأرض ويكون إنهاء الانقسام هو البداية الحقيقية لقيام الدولة، وهنا أؤكد قناعتى بأننا إذا حققنا المصالحة الفعلية وليست الوهمية فسوف نرى بعدها بوقت قصير معالم الدولة الفلسطينية التى من المؤكد أن إسرائيل لن تمنحها مجانا، وإنما سوف تتأسس على أكتاف وإرادة هذا الشعب البطل. وليسمح لى قادة الفصائل الفلسطينية التى أكن لهم كل الاحترام أن أوجه لهم سؤالا مهما مفاده إذا لم ينهوا الانقسام فى هذه الظروف القاسية التى تتعرض فيها المناطق الفلسطينية والقدس لكل أنواع العنف والظلم والقتل والاقتحام فمتى سوف يتوحدون؟ وإذا كانت حركة الجهاد الإسلامى قد أطلقت على عمليات الرد التى تقوم بها ضد إسرائيل اسم وحدة الساحات، فأرجو أن يكون هذا المسمى مقدمة حقيقية لوحدة الوطن، ثم ألا يستحق هؤلاء الشهداء والقادة الذين ارتقوا على مدى سنوات طويلة وحتى اليوم وباكرأن يكون إنهاء الانقسام هدية لهم أو ثمنا بسيطا لما قدموه للوطن.

وفى هذا المجال أود مناشدة كل من مصر وإسرائيل والفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والمجتمع الدولى بما يلى:-

بالنسبة لمصر أرجو استمرار الدور العظيم الذى تقوم به تجاه القضية، وأن تستمر عمليات إعادة الإعمار غير المسبوقة التى تتم فى القطاع رغم الدمار الذى تم، وفى رأيى فإن الإنجاز الأكبر يتمثل فى وضع المبادئ التى تحول دون تكرار مثل هذه العمليات العسكرية. بالنسبة لإسرائيل عليكم إبعاد غزة عن العملية الإنتخابية فقد يكون الثمن الذى سوف تدفعه تل أبيب معاكسا لما هو مخطط، كما أن سياسة الاغتيالات والتدمير لن تنهى القضية، وسوف يظل الفلسطينيون يتوارثون حالة العداء المشروع مادمت حقوقهم مسلوبة وعلى الإسرائيليين أن يعلموا أن أمنهم لن يتحقق أبدا إلا بقيام الدولة الفلسطينية.

بالنسبة للفصائل الفلسطينية أرجو من قادتها تنحية كل ما يتعلق بالمصالح الحزبية جانبا، فعلى سبيل المثال ماهى قيمة سيطرة حركة حماس على القطاع وماذا أضافت لها هذه السيطرة سوى تقسيم الوطن المحتل ومعاناة الشعب وإبعاد آمال قيام الدولة الفلسطينية. بالنسبة للسلطة الفلسطينية أرجو مخلصا استئناف جهود المصالحة برعاية مصرية فور انتهاء هذه العمليات وعلى الجميع تقديم التنازلات مادامت تصب فى مصلحة الوطن. بالنسبة للمجتمع الدولى أتمنى أن يكون لمرة واحدة على مستوى المسئولية وأن يبدأ فى الإعداد الجدى لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية بالتنسيق مع مصر والأردن كما أرجو ألا يكون تحركه مرتبطا فقط بمقولة عدم التصعيد وضبط النفس.

وفى النهاية ففى ظل غياب الحل السياسى العادل للقضية وإقامة الدولة الفلسطينية، فمن المؤكد أن أحداث غزة سوف تتكرر مرارا، وإذا كانت مصر قادرة بالتعاون مع بعض شركائها فى وقف التصعيد فى كل جولة فمن يضمن أن تخرج الجولة القادمة عن السيطرة، أو أن نشهد انتفاضة فلسطينية تنفجر فى وجه الجميع، ولن ينفع حينها ضبط النفس لشعب يفقد كل يوم أمله ليس فقط فى الدولة المستقلة، ولكن فى الحياة الكريمة، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى