هآرتس: في شن حربه على ايران يراهن ترامب على الرأي العام في امريكا

هآرتس 3/3/2026، ياعيل شترنهل: في شن حربه على ايران يراهن ترامب على الرأي العام في امريكا
رغم الإنجاز الباهر الذي يتمثل في القضاء على قمة القيادة في ايران، على رأسها الزعيم الأعلى علي خامنئي، ما زال رد فعل الشعب الأمريكي حول الهجوم العسكري في ايران فاتر. حتى وسائل الاعلام المحافظة والتي في العادة تدعم سياسة خارجية متشددة، مثل “وول ستريت جورنال” تظهر الشكوك وتطرح التساؤلات حول اهداف العملية والقدرة على تحقيقها. وقد اظهر استطلاع أجرته “رويترز” بعد بدء العملية بان 27 في المئة من المستطلعين فقط يؤيدونها، و56 في المئة اعتبروا ان الرئيس ترامب متسرع جدا في استخدام القوة العسكرية.
يتبين انه رغم التغييرات العميقة التي حدثت في السياسة الامريكية في العقد الأخير، والهوس المتواصل الذي يميز عهد ترامب، الا ان الأمريكيين، بما في ذلك الجمهوريين، لم ينسوا الدرس القاسي لحروب الشرق الأوسط التي دخلتها الولايات المتحدة بعد عمليات 11 أيلول. وقد بنى ترامب نفسه في بداية مسيرته السياسية صورته العامة، ضمن أمور أخرى، على الصراحة اللافتة التي ادان فيها قيادة الحزب الجمهوري بسبب الحروب الفاشلة التي قادها.
لقد نجحت الولايات المتحدة في العراق وفي أفغانستان في اسقاط الأنظمة القمعية، ولكنها فشلت فشلا ذريعافي ترسيخ بدائل قابلة للبقاء. ففي العراق أدت الحرب الى تفكك الدولة وصعود تنظيم داعش، وفي أفغانستان انتهت الحرب بعد 18 سنة بانسحاب مهين شوه سمعة الرئيس في حينه، جو بايدن، الى درجة أن البعض ينسبون انهيار شعبيته لذلك.
حتى الذين لا يعرفون أو لا يتذكرون التاريخ الطويل والمحرج لعمليات التدخل الامريكية في دول أخرى خلال القرن الماضي، الا انهم يتذكرون الطائرات الامريكية التي أقلعت بذعر من كابول في العام 2021 عندما استعادت طالبات السيطرة على البلاد، وكشفت لكل العالم عجز اقوى قوة في العالم. الأغلبية الساحقة من الأمريكيين لا تدرك الفرق بين ايران وأفغانستان والعراق، وهي تعتبرها كلها دول شرق أوسطية بعيدة وعنيفة، والتي من الأفضل للولايات المتحدة ان تبعد نفسها عنها. بالنسبة لهم الحرب التي بدات في صباح السبت بدون أي استعداد هي حدث ليس له معنى أو أي صلة حقيقية بعالمهم. بالنسبة لترامب فان تصدر الحرب على جدول الاعمال في نهاية الأسبوع بدأ بكونه اخبار سارة أبعدت الانشغال اللانهائي بالفضائح المتواصلة في قضايا المتحرش الجنسي وصديقه السابق جيفري ابستين، أو بانتخابات نصف الولاية التي بدات تقترب وتهدد بعودة الحزب الديمقراطي الى السيطرة على الكونغرس.
لقد أعاد نبأ اغتيال خامنئي بضربة واحدة ومفاجأة تامة الى الاذهان اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في بداية كانون الثاني، الذي يعتبره ترامب نجاح كبير ونموذج للتدخل العسكري الذي يرغب في تنفيذه: سريع وجذاب إعلاميا وبدون خسائر في الطرف الأمريكي. ولكن بعد ثلاثة أيام اصبح من الواضح ان الحرب في ايران معقدة اكثر بكثير، وان قرار شنها يمثل مقامرة كبيرة على مكانة الرئيس في الراي العام.
لقد تم افتتاح أسواق الأسهم على انخفاض في يوم الاثنين، في حين ارتفعت أسعار النفط، واعلن قادة البنتاغون في مؤتمر صحفي عن ارسال قوة إضافية الى الشرق الأوسط، ورفضوا تحديد موعد نهاية. مع مرور الوقت تتضح التناقضات في رسائل الإدارة الامريكية حول هدف الحرب.
وزير الدفاع الأمريكي بيت هاغست صمم على ان الحرب لن تورط الولايات المتحدة بالالتزام بإقامة نظام ديمقراطي في ايران، لان الإدارة الامريكية الحالية غير معنية بـ “حروب سليمة سياسيا”، وان الهدف العملية يقتصر على اضعاف القدرات العسكرية لإيران. يصعب التوفيق بين هذه التصريحات وتصريحات ترامب نفسه في بداية العملية، عندما دعا الشعب الإيراني الى استغلال الهجوم من اجل التحرر من حكم آيات الله، مع ان ترامب نفسه، بعد يومين وفي مقابلات مستمرة مع وسائل اعلام مختلفة، ظهر مختلف، حيث ذكر أربعة اهداف للحرب لم تتضمن اسقاط النظام.
في غضون ذلك تنشغل إسرائيل حاليا بالطلبات الملحة لخوض الحرب والدفاع عن الجبهة الداخلية، لكن من حيث علاقتها المعقدة مع الرأي العام الأمريكي، فانه يوجد هنا رهان غير بسيط. فقد تراجعت مكانة إسرائيل في الراي العام الأمريكي الى ادنى مستوى على الاطلاق بعد سنتين من الحرب على غزة. وترفض أصوات كثيرة، من اليمين الانفصالي واليسار التقدمي على حد سواء، التسليم بالمسلمة التي تقول بان الولايات المتحدة تلتزم بدعم حليفتها التاريخية في الشرق الأوسط.
على الرغم من تأكيد الرئيس ترامب على قوة الجيش الأمريكي في خطاباته، الا ان الخطاب العام يصور الحرب كعملية مشتركة بين الجيشين. ومن بين التفسيرات المقدمة لقرار شن الحرب هو قدرة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على الاقناع، إضافة الى مصالح أخرى مثل المملكة العربية السعودية. واذا ما تدهورت الأمور، مثلما هي الحال على الاغلب في الحروب، فسيسهل تصور كيف سيتم القاء اللوم على إسرائيل بالفشل.
في غضون ذلك يتمتع ترامب بالوضع الخاص للقائد الأعلى للقوات المسلحة في زمن الحرب، بما في ذلك التغطية الإعلامية المتواصلة والوتيرة السريعة التي تبدو وكانها صممت خصيصا لشخصية تلفزيونية تحب الدراما. ولكن السؤال كالعادة هو الى متى سيبقى مركز على الهدف ومتى سيشعر ان السحر يتلاشى وينتقل الى موضوع آخر لامع اكثر ومعقد اقل. ماذا ستفعل إسرائيل عندما سيحدث ذلك.



