ترجمات أجنبية

فورين أفيرز: كيف ستقلب حرب إيران الاقتصاد العالمي رأسا على عقب

فورين أفيرز 8-4-2026، هنري توغيندهات: كيف ستقلب حرب إيران الاقتصاد العالمي رأسا على عقب

هنري توغيندهات

في أواخر مارس (آذار) الماضي، شنت كل من إسرائيل وإيران هجمات على حقول للغاز في الخليج العربي، في تصعيد هو الأكثر دراماتيكية حتى الآن في حرب إيران. من خلال استهداف البنى التحتية لمراحل الإنتاج الأولي للطاقة، ضمن الطرفان المتقاتلان أن تخلف الحرب تداعيات عالمية تخلف أثراً إلى ما بعد انتهاء النزاع. حتى لو صمد وقف إطلاق النار الذي أعلن أخيراً وانتهت الحرب قريباً، قد تستغرق إعادة بناء البنى التحتية المدمرة ما يصل إلى خمس سنوات. وإذا فشل وقف إطلاق النار واستؤنفت الحرب، سيتعاظم أيضاً خطر وقوع مزيد من الدمار. وفي عالم من الموارد المحدودة، سيكون الأغنياء هم من سيستطيعون تحمل دفع أسعار باهظة في مقابل الحصول على ما يتبقى من الطاقة، وسيكون أفقر الناس في العالم هم من سيعانون أكثر من غيرهم.

في الواقع، تكاد هذه الضربات، إلى جانب الاضطرابات الأوسع التي لحقت بقطاع الطاقة نتيجة الحرب الأميركية – الإسرائيلية في إيران، تضمن حدوث صدمة في إمدادات الطاقة ستدفع معدلات التضخم إلى الارتفاع عالمياً، وأية هجمات إضافية على البنية التحتية الحيوية لإنتاج الطاقة وتوزيعها من شأنها أن تفاقم الأزمة. وهذه الدينامية – أي ارتفاع الطلب على موارد محدودة – تعد محركاً تقليدياً للتضخم. وبعد الضربات مباشرة، بدأت الأسواق الأميركية تراهن على أن مجلس الاحتياط الفيدرالي سيرفع أسعار الفائدة، وهي أداته الأبرز لمكافحة التضخم. وفي ظل أزمة قائمة أصلاً في تكاليف المعيشة، سيواجه الأميركيون تداعيات ملموسة: فرفع الفائدة سيزيد كلفة الاقتراض، مثل قروض السيارات والرهون العقارية، كما سترفع أسعار الطاقة كلفة الوقود، فيما سينقل المصنعون ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى المستهلكين.

لكن التضخم والقرارات التي يتخذها مجلس الاحتياط الفيدرالي لمكافحته تتسم بأهمية تتجاوز حدود الولايات المتحدة بكثير، إذ لا تزال ديون معظم البلدان المستحقة التسديد مقومة بالدولار الأميركي. وذلك يصح أيضاً في شأن تلك البلدان التي اقترضت خلال العقدين الماضيين من الصين. ببساطة، سيحدد ارتفاع معدلات الفائدة الأميركية مدى قدرة عدد من الدول على تحمل أعباء ديونها. وبغض النظر عن نتيجة هذه الحرب، من الواضح بالفعل أن عدداً من الدول ستضطر إلى دفع مزيد من المال في مقابل الحصول على الطاقة اللازمة لتشغيل الصناعات، وتزويد شبكات الكهرباء بالطاقة، وإبقاء شبكات النقل قيد العمل. لكن الدول التي تتحمل أعباء ديون ثقيلة، مثل تلك التي يصنفها البنك الدولي بأنها دول منخفضة الدخل، ستعاني أيضاً تفاقم أعبائها المالية، إذ يجعل التضخم تسديد ديونها أكثر كلفة. وسيصح ذلك سواء كانت هذه الدول مدينة بتلك الدولارات لمؤسسات مالية في بكين، أم مديري أصول في لندن، أم مصارف تنموية متعددة الأطراف في واشنطن.

هذه هي الكلفة الخفية للحرب، وسيقع أشد أعبائها وطأة على عاتق أولئك الأقل قدرة على تحملها. في الواقع، تعاني عدد من الدول ذات الدخل المنخفض بالفعل مستويات تاريخية من الديون السيادية، في السنوات الأخيرة، تضاعفت نسبة الدول التي تعاني أزمة ديون أكثر من الضعف، من 24 في المئة عام 2013 إلى 54 في المئة عام 2024. ومع تزايد توتر المناخ الجيوسياسي، قد تؤدي حالات التخلف عن التسديد على نطاق واسع في صفوف البلدان النامية إلى تقويض المكاسب التي تحققت في مجال القضاء على الفقر، والصحة العالمية، ودخول مجال التصنيع، مما يولد مصاعب سيتحمل أعباءها الأطفال وكبار السن أكثر من غيرهم. ويتزايد تردد أصداء أزمة الديون الكبرى التي عرفها العالم في ثمانينيات القرن الـ20 مع استمرار هذه الحرب، وبالتالي تعد طبيعة استجابة كل دولة دائنة أمراً بالغ الأهمية لتجنب أخطاء الماضي، إذ جاءت الحلول وقتئذ متأخرة جداً بالنسبة إلى كثير من دول ما يسمى بالجنوب العالمي.

إرهاق المصارف

مرت البلدان النامية بهذا النوع من أزمات الديون من قبل، خلال حرب يوم الغفران عام 1973، حظرت منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) تصدير النفط إلى الدول التي دعمت إسرائيل. تسببت صدمة العرض الناتجة من الحظر في قفزة في أسعار الطاقة العالمية بلغت نسبتها 300 في المئة في غضون ستة أشهر، مما أثر في تكاليف التصنيع والنقل وأعباء الأسر في أنحاء العالم كله. وعلى رغم من أن الحظر النفطي لم يكن السبب الوحيد للتضخم الجامح الذي أصاب عدداً من البلدان، ولا سيما الولايات المتحدة، في ذلك العقد من الزمن، فقد شكل إضافة قوية إلى عدد من الضغوط التضخمية الأخرى التي كانت تعتمل حتى ذلك الحين. وكما رأى رئيس الاحتياط الفيدرالي السابق آرثر بيرنز عام 1979، فإن تضخم سبعينيات القرن الماضي نتج من مجموعة عوامل، من بينها “التمويل المتساهل” لحرب فيتنام، وخفض قيمة الدولار في عامي 1971 و1973، والازدهار الاقتصادي العالمي في 1972–1973، وفشل المحاصيل وما تبعه من ارتفاع حاد في أسعار الغذاء العالمية بين 1974 و1975، والزيادات “الاستثنائية” في أسعار النفط، إضافة إلى التباطؤ المفاجئ في الإنتاجية. وبعبارة أخرى، جاء حظر “أوبك” في خضم عاصفة اقتصادية عاتية، على نحو يشبه ما يصفه بعضهم اليوم بـ”الأزمات المتداخلة”.

وعلى رغم أن الدول النامية لم تكن في الغالب أهدافاً مباشرة للحظر النفطي، فإن الدول غير المنتجة للنفط عانت بشدة تضاعف أسعار الوقود أربع مرات. قدر البنك الدولي أن الخسائر التجارية بلغت نحو نصف متوسط قيمة الصادرات والواردات في بلدان مثل البرازيل وكوريا الجنوبية، وتباطأ النشاط الصناعي في تلك البلدان. وبحلول منتصف السبعينيات، كانت البلدان النامية غير المصدرة للنفط تحاول تمويل العجز المتزايد في ميزان مدفوعاتها عن طريق اقتراض مزيد من الأموال من الأسواق التجارية ومن المؤسسات المتعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي. وضربت الاقتصاد العالمي أزمة نفطية ثانية خلال الثورة الإيرانية عام 1979، مما أدى إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار. وبحلول ذلك الوقت، تجاوز معدل التضخم في الولايات المتحدة واحداً في المئة شهرياً، في ارتفاع مفاجئ مقارنة بالهدف المحدد عادة من مجلس الاحتياط الفيدرالي والبالغ اثنين في المئة سنوياً، ولم يجر التصدي للتضخم إلا عندما رفع بول فولكر، الذي تولى رئاسة مجلس الاحتياط الفيدرالي في أغسطس (آب) 1979، معدلات الفائدة إلى نسبة مذهلة بلغت 20 في المئة. وبما أن معظم اقتراض الدول منخفضة ومتوسطة الدخل كان مقوماً بالدولار الأميركي، فقد قفزت كلفة خدمة الديون عبر العالم النامي بصورة حادة.

وكانت زيادات فولكر في أسعار الفائدة مدمرة على نحو خاص للدول النامية، إذ وجهت لها ضربة مزدوجة. فمن جهة، تسببت في ارتفاع قيمة الدولار الأميركي في مقابل عملات بلدان الجنوب العالمي، مما عنى أن البلد المقترض سيضطر إلى دفع مبالغ أكبر من عملته المحلية لتسديد الديون المقومة بالدولار. ومن جهة أخرى، تسببت في قفزة حادة في معدلات الفائدة المتغيرة الخاصة بهذه الديون، وهي معدلات تتقلب في صورة دورية. لقد تسبب ذلك في ارتفاع مدفوعات الفائدة لدى نحو ثلثي البلدان النامية الحاصلة على قروض ذات معدلات فائدة متغيرة، ولم تشهد البلدان النامية المدينة معدلات فائدة منخفضة على غرار الحال في أوائل السبعينيات حتى الطفرة المالية الدولية بين عامي 2005 و2008.

ما بدأ كسلسلة بطيئة من حالات التخلف عن تسديد الديون في منتصف السبعينيات في دول مثل جامايكا وتركيا وزائير، أصبح يعتبر فجأة مشكلة نظامية عندما أعلنت المكسيك في أغسطس 1982، على رغم اقتصادها الكبير بصورة ملاحظة، أنها غير قادرة على تسديد ديونها المقومة بالدولار الأميركي. وبحلول نهاية ذلك العام، باتت 40 دولة تقريباً متأخرة في تسديد مدفوعات الفوائد، وبحلول العام التالي، كانت 27 دولة من هذه الدول تفاوض على إعادة هيكلة قروضها المستحقة. وغالباً ما يزيد التعثر المالي من تفاقم الأوضاع الاقتصادية الهشة أصلاً، إذ قد يؤدي مثلاً إلى خفض قيمة العملة المحلية، بما يفاقم التضخم ويضعف القدرة الشرائية للمواطنين. كما يمكن أن يقوض التصنيف الائتماني للدولة، مما يصعب إعادة التمويل ويدفع الحكومات إلى إعادة هيكلة الديون بشروط مؤلمة.

ومع تفاقم أزمة الديون، لجأ الدائنون الغربيون إلى صندوق النقد الدولي لإعادة التفاوض نيابة عنهم، إلا أن التدخل – كما يرى كثيرون – زاد الأمور سوءاً في دول عدة، فمن خلال فرض شروط لإعادة توجيه الإنفاق نحو سداد الديون، قلص الصندوق، بدعم من البنك الدولي، هامش المناورة المالية لدى الحكومات. وتعطلت صناعات ناشئة، وتوقفت خدمات اجتماعية أساسية، في محاولة للوفاء بمدفوعات الديون المعاد هيكلتها، كما أن تحويل الموارد بعيداً من الاستثمارات الإنتاجية جعل من الصعب على الدول توليد الإيرادات اللازمة لخدمة ديونها، مما أدى إلى أزمات أعمق في أفقر بلدان العالم.

خلال هذه الفترة، التي يشار إليها في الغالب باسم “العقد الضائع”، عادلت مدفوعات الفائدة السنوية لدى بعض البلدان الناتج المحلي الإجمالي السنوي الخاص باقتصاداتها بالكامل. في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مر أكثر من 20 سنة قبل أن تعود حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات ما قبل الأزمة ويصح الأمر نفسه على الاستثمارات. فقدت المؤسسات المالية الرقابية التي أنشئت في مؤتمر بريتون وودز خلال الحرب العالمية الثانية كثيراً من صدقيتها، اعتبرتها البلدان النامية في أحسن الأحوال بعيدة من الواقع، وفي أسوأ الأحوال إكراهية واستغلالية. لم تغب هذه التصورات عن الصين، التي كانت في ذلك الوقت دولة من دول الجنوب العالمي المدينة، ولا تنفك تكرر اليوم التأكيد بعدم فرض شروط على القروض التي تمنحها إلى البلدان النامية.

حلت الأزمة في نهاية المطاف من خلال إعفاءات من التسديد، و”مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون” التي أطلقها صندوق النقد، والآلية المالية المبتكرة المعروفة باسم “سندات برايدي”، التي سمحت للبلدان النامية بإصدار أوراق مالية جديدة مدعومة بسندات الخزانة الأميركية تحل محل بعض من ديونها السيادية القائمة. وبعدما تعلم المقرضون الغربيون درساً من الأزمة، ابتعدوا لاحقاً من تقديم القروض المخصصة لتطوير البنى التحتية التي هيمنت على محافظهم الاستثمارية في الستينيات والسبعينيات. وبدل تقديم قروض بدأت مؤسسات تنموية كثيرة تعرض المنح وأعطت الأولوية إلى البرامج التي تركز على الصحة والتعليم والحوكمة، لكن البلدان النامية كانت لا تزال بحاجة إلى مال لبناء الطرق والموانئ والبنى التحتية الأخرى اللازمة للنمو الاقتصادي، وهكذا انطلق الإقراض من كل من القطاع الخاص والصين في أوائل العقد الأول من القرن الـ21 لسد هذه الفجوة.

الصعود

مع مطلع القرن، عاودت اقتصادات كثيرة في بلدان الجنوب العالمي النمو، مدعومة بطفرة في أسعار السلع الأساسية وتجارة دولية مستقرة نسبياً. والأهم من ذلك، حسنت تسوية الديون أيضاً التصنيفات الائتمانية لهذه البلدان، مما سمح لعدد منها بالبدء في الاقتراض مرة أخرى من المصارف التجارية أو ضمان القروض التي تقدمها المصارف التجارية إلى مؤسسات محلية تحظى برعاية حكومية. والأهم من ذلك، بدأت بلدان كثيرة ذات دخل متوسط، مثل الإكوادور وزامبيا وسريلانكا، في إصدار سندات في الأسواق المالية الغربية للمرة الأولى. انخفض إقراض القطاع الخاص إلى البلدان النامية قبل وقت قصير من الأزمة المالية العالمية لعام 2008، لكن الدائنين من القطاع الخاص في البلدان الأكثر ثراء استعادوا موقعهم بسرعة في العقد الثاني من القرن الـ21، إذ سعوا إلى تحقيق عوائد أعلى في خضم انخفاض معدلات الفائدة في الأسواق الغربية. وبرز أيضاً تفاؤل كبير في شأن قدرة العديد من الاقتصادات الناشئة على تجاوز الأزمة المالية في صورة أفضل مقارنة بالبلدان الأكثر ثراء. بين عامي 1985 و2024، على رغم أن حصة إقراض القطاع الخاص إلى البلدان ذات الدخل المتوسط ظلت تقريباً كما هي عند أقل بقليل من 60 في المئة من إجمالي قروض هذه البلدان، انخفضت نسبة قروض المصارف التجارية من 74 في المئة إلى 21 في المئة من هذه الحصة، بينما ارتفعت نسبة السندات إلى 79 في المئة.

في الوقت نفسه، برزت الصين كأكبر مقرض مباشر [من دولة إلى دولة] لكل من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وكما الحال مع المقرضين من القطاع الخاص، كان معظم تلك القروض مقوماً بالدولار الأميركي. في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، كان الاقتصاد الصيني، الداخل حديثاً إلى عالم التصنيع، يتطلع إلى تعزيز الصادرات في أنحاء العالم كله، وكان الإقراض وسيلة لدعم تدفق السلع والخدمات الصينية إلى البلدان النامية، ولا سيما إلى قطاعات البناء. كذلك بدا أن إقراض شركاء في الجنوب العالمي يشكل حلقة إيجابية: لقد أدى تقديم الأموال إلى شركاء عالميين كانوا في حاجة ماسة إلى الدعم لتنفيذ مشاريع في مجال البنى التحتية إلى تحسين صورة المصارف الصينية، وحصلت تلك المصارف في الوقت نفسه على عائد استثماري أعلى مما كانت تكسبه من اقتناء سندات الخزانة الأميركية، من بين 475 مليار دولار من الديون المباشرة [من دولة إلى دولة] المستحقة على البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل اليوم، تمثل القروض الصينية الحصة الأكبر، ما يزيد قليلاً على 147.5 مليار دولار، أو ما يقرب من 31 في المئة.

ومع ذلك، فشل هذا الجيل الجديد من المقرضين في تقييم الأمن الاقتصادي الخاص بالإقراض بالدولار الأميركي في المقام الأول، ولم تظهر العواقب بوضوح إلا مع جائحة “كوفيد-19″، حين أدى ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة إلى إقدام الاحتياط الفيدرالي على زيادات حادة في أسعار الفائدة، هي الأولى من نوعها منذ سبعينيات القرن الماضي. وسرعان ما شعرت دول الجنوب العالمي بتداعيات ذلك، لتقع بعض الدول، مثل غانا وسريلانكا، في دوامة التعثر عن السداد.

نتيجة لهذه التحديات، ولأسباب أخرى، انضمت الصين أخيراً إلى أهم مبادرتين متعددتي الأطراف لتخفيف عبء الديون: “مبادرة تعليق خدمة الديون”، التي أطلقتها مجموعة الـ20 خلال جائحة كوفيد-19 لتخفيف التزامات الديون على 73 دولة من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، و”الإطار المشترك لمعالجة الديون”، الذي حل لاحقاً محل المبادرة. غير أن التقدم ظل بطيئاً بسبب الخلافات حول تقاسم الأعباء. فقد تأخر، على سبيل المثال، مسار إعادة هيكلة ديون زامبيا، في ظل إصرار بكين على أن تتحمل بنوك التنمية متعددة الأطراف خسائر أكبر، وألا تحمل البنوك الصينية العبء الأكبر. وفي الوقت ذاته، لا تزال الصين تفتقر إلى آلية واضحة لتحديد كيفية توزيع التعويضات والخسائر بين بنوكها عندما يعجز المقترضون عن سداد القروض الخارجية، مما أدى إلى مفاوضات مطولة وخلافات داخل شبكتها المالية المترابطة.

أزمة ديون تلوح في الأفق

بالنسبة إلى البنوك الصينية، ستكون الخسائر المحتملة الناجمة عن تعثر المقترضين كبيرة، لكنها قابلة للاحتواء، نظراً إلى أن الصين لا تزال تحتفظ بفوائض ضخمة من الدولارات الأميركية، غير أن الخطر الأكبر يكمن في أن طول المدة اللازمة لتحديد المسؤوليات عن الخسائر بين المؤسسات المالية الصينية المتعددة سيؤدي إلى إطالة أمد إعادة هيكلة الديون. مثل هذه التأخيرات تنطوي على أخطار تقويض سردية التعاون التي سعت بكين إلى ترسيخها مع شركائها في الجنوب العالمي، وترك المقترضين مع الانطباعات نفسها التي تكونت لديهم عن المقرضين الغربيين خلال أزمة الديون السابقة.

في الواقع، تنذر أزمة الديون التي تلوح في الأفق اليوم بأن تصبح أكثر تعقيداً، سواء للمقترضين أم المقرضين، مقارنة بأزمة ثمانينيات القرن الماضي، تحديداً لأنها تبدو مرشحة للاستمرار لفترة أطول بكثير. مقارنة ببضع عشرات من المصارف التجارية الكبرى الدائنة في الثمانينيات، يعد عدد المقرضين اليوم أكبر بكثير. وبناء عليه، وإضافة إلى التأخيرات الناجمة عن الخلافات المالية الداخلية غير المحسومة في الصين، ستجد الدول النامية نفسها مضطرة إلى التفاوض مع مئات من صناديق التقاعد الغربية، ومديري الأصول، وصناديق التحوط، وشركات التأمين، وغيرها من المؤسسات التي باتت تمتلك محافظ متنوعة من السندات الصادرة عن جهات حكومية وخصوصاً في الجنوب العالمي. وكلما ازدادت تعقيدات الحل اللازم لأزمة ديون جديدة، تفاقمت صعوبة تعافي البلدان الداخلة حديثاً مضمار التصنيع مثل سريلانكا أو زامبيا، مما يعني أن معاناتها ستستمر.

وعلى رغم أن مسألة استدامة الديون تشكل تحدياً متصاعداً منذ ما لا يقل عن خمسة أعوام، فإن الحرب في إيران أدخلت صدمة اقتصادية عالمية مفاجئة، تجعل من شبه المؤكد أن أزمة ديون طويلة الأمد باتت وشيكة. فقد وصف المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة أخيراً حرب إيران بأكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ، لافتاً إلى أن السياسيين والأسواق يقللون من شأن حجم الأزمة. ستمر سنوات قبل أن تستأنف بعض حقول النفط والغاز المتضررة عملياتها، وعلى رغم أن وقف إطلاق النار قد يخفف من التوترات في قطاع الشحن البحري في الأجل القريب، لا حل دائماً يلوح في الأفق للمواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران في شأن الوصول إلى مضيق هرمز. وفي غضون ذلك، من المرجح أن تقفز معدلات التضخم، مما يزيد الضغط على مجلس الاحتياط الفيدرالي لرفع معدلات الفائدة. وستكون البلدان الأكثر فقراً هي الأكثر تضرراً، إذ ستضطر حكوماتها إلى إعادة هيكلة موازناتها للوفاء بالتزامات خدمة الدين بدلاً من الاستثمار في نموها الاقتصادي وسكانها.

وعلى رغم أن بعض الدروس المستخلصة من أزمة الديون الكبرى السابقة يمكن تطبيقها على الأزمة الحالية، فإن الطبيعة الأكثر تعقيداً للديون الحالية يرجح أن تطيل أمد الأزمة وتطرح تحديات جديدة، في مقدمها مسألة تقاسم الأعباء بين حملة السندات والبنوك الصينية، ولا تبدو في الأفق حلول سحرية واضحة. ويبقى الأمر المؤكد الوحيد هو أن إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن، سيتيح للعالم الشروع سريعاً في معالجة هذا الضيق الاقتصادي.

*هنري توغيندهات زميل سوريف في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى وباحث مشارك في مبادرة بحوث الصين – أفريقيا بكلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز، وقد عمل سابقاً خبيراً اقتصادياً في معهد السلام الأميركي.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى