د. غانية ملحيس: هل انتهت النهايات أم أننا نسيء فهمها؟
في نقد أطروحة “تفكّك أفق النهاية” وإعادة تأطير الحسم داخل بنية الصراع

د. غانية ملحيس 14-4-2026: هل انتهت النهايات أم أننا نسيء فهمها؟ في نقد أطروحة “تفكّك أفق النهاية” وإعادة تأطير الحسم داخل بنية الصراع
لا يأتي هذا المقال كرد مباشر على أطروحة الأستاذ خالد عطية “تفكك أفق النهاية”، بل كمحاولة لاختبار قوتها من داخل منطقها ذاته، ودفعها إلى الحد الذي تكشف فيه عن بنيتها التفسيرية وحدودها في آن واحد.
تقوم هذه الأطروحة على فرضية مركزية مفادها أن العالم المعاصر لم يعد ينتج نهايات حاسمة أو مكتملة، ليس نتيجة ظرف عارض أو خلل في أدوات التحليل، بل بسبب تحول بنيوي في طبيعة الصراع ذاته. لكن هل يُنتج هذا التحول استحالة أم إعادة تعريف فقط؟
أولا: الفخّ المركّب وحدود التأويل
يُفهم “الفخّ المركّب” داخل هذه السلسلة بوصفه إطارا لتفسير تعقّد الصراعات المعاصرة، لا لنفي إمكانيات التحوّل داخلها. فهو يشتغل عند تقاطع التدويل والتداخل البنيوي والاستنزاف الإدراكي. ويكشف كيف تتحول أدوات القوة، في بعض السياقات، إلى قيود تُبطئ الحسم، وتعيد إنتاج الصراع داخل مستوياته المختلفة.
غير أن هذا الإطار قد ينزلق في بعض قراءاته إلى تحول إشكالي، حين ينتقل من كونه أداة تفسير للتعقيد إلى تصور كلي لطبيعة العالم، أي تحويل الوصف إلى حتمية بما يجعل التعقيد نفسه مرادفا للاستحالة، ويحوّل الاتجاه البنيوي إلى قدر مغلق لا يتيح أي إمكانية للحسم.
المشكلة لا تكمن في التعقيد نفسه، بل في لحظة يتحول فيها المفهوم من أداة تفسير إلى نموذج مكتمل يدّعي الإحاطة بالواقع. في هذه الحالة، لا يعود المفهوم وسيلة لفهم الظاهرة، بل يصبح إطارا مغلقا يعيد إنتاجها ضمن حدوده الخاصة. فيما الوعي بالتعقيد سلاح يجعلنا نوجه ضرباتنا لـ “مفاصل النظام” بدلاً من إهدار الطاقة في الجدران المصمتة.
ثانيًا: ديمومة الصراع وحقيقة الحسم
تنطلق هذه القراءة من نقطة تأسيسية: الصراع يكاد يكون ملازما للتاريخ الإنساني، لكنه يتخذ أشكالًا ودرجات متفاوتة. لكنه في عصر الحداثة المادية اتخذ أشكالا أكثر تعقيدا واتساعا، وارتبط بقدرات عنف غير مسبوقة من حيث الأدوات والنطاق. الحسم لم يكن يوما نهائيا. فكل ما يُسمى “نهاية” في التاريخ لم يكن إغلاقا للصراع، بل إعادة ترتيب لموازين القوة داخله.
“النهاية” لا تُفهم بوصفها إغلاقا نهائيا، بل بوصفها انتقالا من شكل من أشكال الصراع إلى آخر. إنه مسار لا يتوقف، بل يتبدّل.
ثالثًا: الزمن بوصفه البعد الغائب
الزمن هنا يُفهم بوصفه بنية تفسيرية للصراع، أي كعنصر يعمل داخل تكوينه البنيوي، لا كأداة يمكن توظيفها. لكن هل الزمن نفسه محايد أم جزء من الصراع؟
واحدة من الثغرات المركزية في أطروحة “تفكّك أفق النهاية” هي التعامل مع الصراع ضمن أفق زمني قصير، حيث يُقاس الحسم بنتائجه المباشرة. غير أن “الفخّ المركّب” لا يعمل في الزمن القصير، بل في زمن التراكم، حيث تتشكل القوة تدريجيا وتُبنى السرديات. وعند لحظة معينة، يبلغ هذا التراكم حدّه، فيُنتج تحولا يُقرأ كـ “حسم”، لكنه في الواقع لحظة داخل مسار أطول، وليس نهاية له.
وبالتالي، فإن ما يبدو “لا- حسما” اليوم، قد يكون فقط ما قبل الحسم التاريخي. الزمن التاريخي هو ساحة اشتباك، حيث كل فعل مقاوم هو الذي يدفع لولب التاريخ للأمام، وبدونه، يتحول الزمن إلى ركود يخدم القوي.
يظهر هذا النمط بوضوح في حالة أفغانستان (2001-2021)، ليس بوصفها فشلا في تحقيق الحسم، بل كنموذج لاشتغال “الفخّ المركّب” في أقصى تجلياته. فقد تداخلت مستويات الصراع فيها على نحو حال دون تحويل التفوق العسكري إلى سيطرة بنيوية مستقرة:
٠ تدويل كثيف أعاد توزيع القرار خارج ساحة الصراع نفسها،
٠ بنية محلية مقاوِمة قادرة على امتصاص الصدمة وإعادة إنتاج ذاتها،
٠ وزمن استنزافي طويل أعاد تعريف معنى “النجاح”
و” الفشل” تدريجيا.
وعند لحظة الانسحاب الأمريكي، ظهر الحسم كإغلاق للصراع بالهزيمة الاستراتيجية والإضرار بصورة القوة الأمريكية، بما كشف أن ما بدا تفوقا حاسما في البداية قادرا على الحسم العسكري سقط، وشكّل ذلك تحولا معنويا عميقا في صورة القوة وحدودها، حتى لو استمر الصراع في مربعات أخرى، ومع أن ذلك لا يرقى بالضرورة إلى إعادة تشكيل موقع الهيمنة الأمريكية داخل النظام الدولي.
رابعًا: بين الاستمرار والحسم
يستخدم هنا التفريق الصارم بين مستويين غالبا ما يتم الخلط بينهما
• الاستمرار: يشير إلى بقاء بنية الصراع وتواصل دينامياته دون انقطاع.
• الحسم: يشير إلى تغير في موقع القوة أو في شكل توزيعها داخل الصراع.
ولا يُقصد بهذا المستوى تقديم تفسير لغياب الحسم أو حضوره، بل فقط ضبط الحدود المفاهيمية بين المصطلحين. لكن هل هذا التفريق ثابت أم إجرائي فقط؟
لا يُفهم هذا التفريق بوصفه ثباتا وجوديا في بنية الصراع، بل كأداة تحليلية إجرائية تهدف إلى ضبط القراءة ومنع تداخل المستويات دون الادعاء بانفصالها في الواقع.
خامسًا: القوة والحق – البعد الغائب في تفسير الاستمرار
لا ينشأ استمرار الصراع فقط عن اختلال العلاقة بين القوة والحق، بل إن هذا الاختلال لا يعمل كمعطى خارجي يفسّر الاستمرار، بل كبنية داخلية تعيد إنتاجه.
فكل محاولة لتثبيت القوة خارج إطار الشرعية تولّد دورة جديدة من إعادة الطعن في شرعيتها. إن عدم استقرار القوة خارج الشرعية ليس قاعدة فيزيائية فقط، بل هو حتمية أخلاقية. فالقوة الغاشمة، مهما بلغت، تظل بنية “قلقة” لأنها تفتقر للحق، وبذلك فإن النضال لبلوغ الحق هو الذي يجعل هذه القوة تعيش في حالة استنزاف دائم، حتى تسقط تحت ثقل لاشرعيتها.
غير أن العلاقة بين القوة والحق والزمن لا تعمل كعلاقة سببية خطية، بل كبنية تفاعلية غير مستقرة، حيث لا ينتج أي عنصر نتيجة ثابتة، بل يعيد إنتاج شروط اشتغال العناصر الأخرى.
وبهذا المعنى، لا يؤدي الاختلال إلى استمرار الصراع بوصفه نتيجة، بل يعمل الصراع ذاته كبنية تعيد إنتاج مفهوم القوة والحق والزمن بشكل متبادل، بما يمنع استقرار أي منها كمرجع نهائي.
سادسا: ما الذي تغيّر فعلا؟
يركز هذا القسم على التحول في شكل الحسم داخل الواقع المعاصر، من حسم سريع ومغلق إلى حسم ممتد زمنيا، عالي الكلفة، وغير مستقر النتائج.
يظهر هذا التحول بوضوح عند النظر إلى حالات تاريخية ليس بوصفها شواهد توضيحية، بل كتطبيقات بنيوية لمنطق الحسم الممتد، حيث تتكشف دينامياته في مستويات مختلفة من الصراع.
وفي هذا السياق الذي لا يسمح بنهايات مكتملة، يُفترض أن الحسم لا يعني إنهاء الصراع، بل تغيير موقع الفاعل داخله. وبذلك يصبح أداة قياس عملية تُحدد عبر تقليص القيود الفعلية على الحركة، تحسين موقع الفاعل، وتقليص قدرة الخصم على تحقيق أهدافه. الحسم هنا حالة نسبية ومتدرجة، تُقاس بميزان التأثير وليس بالإغلاق النهائي.
سابعا: ما بعد وهم النهاية
لا يبدو العالم اليوم في حالة “غياب للنهايات”، بل في مرحلة تراجع فكرة النهاية بوصفها إغلاقا نهائيا ومكتملا. فما يُسمّى بالنهاية لا يمثل توقفا للصراع، بل انتقالا في شكله وحدوده ومساراته. وفي هذا المستوى، يُنظر إلى الزمن كقرينة على معنى النهاية نفسها، أي أن الزمن يكشف عن معنى “انهيار فكرة النهاية” عندما تُفهم داخل مسار ممتد وغير مكتمل.
إن أحد المآزق المضمرة في أطروحة “تفكك أفق النهاية” هو وقوعها في شرك “الزمن الجيلي”، أي الرغبة المضمرة في رؤية الحسم واكتمال النهاية ضمن المدى الزمني لعمر الفرد أو الجيل الواحد. غير أن استقراء التاريخ يؤكد أن الصراعات الكبرى، كصراعات التحرر من الاستعمار، أو المجابهة مع المشاريع الاستيطانية الإحلالية: كالنموذج الإفرنجي/الصليبي قبل عشرة قرون، والنموذج الصهيوني المعاصر، هي صراعات عابرة للأجيال بطبيعتها. في مثل هذه المسارات، لا يُقاس الحسم بالنتائج الفورية، بل بالقدرة على تراكم النقاط داخل حركة التاريخ “اللولبية”.
إن ما يراه البعض “انسدادا في الأفق” ليس سوى “بطء في المخاض الحضاري”، يتطلب رؤية نهضوية تتجاوز “سجن اللحظة الراهنة”، واتساقا في الفعل، وإدراك أن كل فعل مقاوم أو بناء مؤسسي هو لبنة في حسم آت، وإن تراخى زمنه.
إن جيلنا لا يواجه انسداد الأفق، بل يواجه شرف تحطيم أثقل القيود، ليكون الحسم الذي يحققه اليوم هو القاعدة التي سيبدأ من فوقها الجيل القادم، وليس نقطة الصفر.
ثامنا: حين يتحول الصراع إلى بنية تاريخية عابرة للأجيال
تمثّل فلسطين حالة نموذجية لفهم الصراع ليس بوصفه حدثا قابلا للإغلاق، بل كبنية تاريخية ممتدة تعيد إنتاج نفسها عبر الزمن. فمنذ تشكّل المشروع الصهيوني أواخر القرن التاسع عشر، لم يُطرح الصراع ضمن أفق مواجهة تقليدية يمكن أن تنتهي بحسم عسكري أو تسوية سياسية نهائية، بل ضمن مسار مركّب يتداخل فيه الاستيطان، وإعادة تشكيل الجغرافيا، وبناء السرديات، وإدارة التوازنات الدولية.
ضمن هذا المسار، ظهرت محطات متعددة قُدّمت في لحظاتها بوصفها “نهايات ممكنة”: من الحروب النظامية، إلى مشاريع التسوية، إلى الاتفاقيات السياسية التي سعت إلى إعادة تعريف الصراع ضمن أطر مغلقة. غير أن هذه المحطات، عند تفكيكها، لم تمثّل إغلاقا للصراع، بل تحولات في بنيته. إذ كان كل “حلّ” يعيد إنتاج شروط صراع جديد بصيغ وأدوات مختلفة.
بهذا المعنى، لا يعمل الصراع في فلسطين ضمن منطق “الحدث” الذي يبدأ وينتهي، بل ضمن منطق “البنية” التي تستمر وتتحول. فالمشروع الاستيطاني الإحلالي لا يهدف إلى تحقيق غلبة مؤقتة، بل إلى إعادة تشكيل مستمرة للواقع الديموغرافي والجغرافي والسياسي، بما يجعل الصراع ذاته جزءا من آلية اشتغاله، لا حالة طارئة عليه.
إن إدخال الزمن هنا ليس بوصفه إطارا، بل كبنية تفسيرية، يكشف أحد أهم أبعاد هذه الحالة. فالصراع في فلسطين لا يُقاس بنتائج مرحلية أو تحولات سريعة، بل بمسار تراكمي طويل، تتبدل داخله مواقع الفاعلين، وتتغير أشكال السيطرة، دون أن يصل إلى لحظة إغلاق نهائي. وفي هذا المستوى، يصبح ما يُنظر إليه أحيانًا كـ “تعثر في الحسم” تعبيرا عن اشتغال الصراع ضمن زمن مختلف، لا عن غياب الحسم من حيث المبدأ.
وإذا ما وُضع هذا المسار في أفق تاريخي أوسع، يمكن ملاحظة أن أنماطًا من الصراع ذات الطابع الاستيطاني أو الديني – السياسي، كما في الاستيطان الإفرنجي /الصليبي في فلسطين قبل عشرة قرون، لم تُحسم عبر لحظة واحدة فاصلة، بل عبر تراكمات ممتدة أعادت تشكيل موازين القوة تدريجيا، إلى أن تغيّرت شروط الصراع نفسه، وسمحت بالحسم.
غير أن استدعاء هذا التشابه لا يهدف إلى إقامة تماثل تاريخي مباشر، بل إلى الإشارة إلى نمط بنيوي يتكرر في الصراعات طويلة الأمد، حيث يعمل الزمن كعامل حاسم في إعادة تشكيل النتائج.
ضمن هذا الإطار، لا يمكن فهم “الحسم” في الحالة الفلسطينية بوصفه نهاية للصراع، بل بوصفه تغيرا في موقع الفاعلين داخله، وفي قدرتهم على التأثير في مساراته.
فكل جولة من جولات المواجهة، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو مجتمعية، لا تنهي الصراع، لكنها تعيد ضبط توازناته، وتفتح إمكانات جديدة أو تغلق أخرى.
إن ما تكشفه هذه الحالة ليس غياب “النهايات”، بل محدودية تصور النهاية كإغلاق كامل. فالصراع هنا لا يتوقف، بل يعيد تعريف نفسه باستمرار، والحسم لا يظهر كضربة قاضية، بل كعملية تراكمية تُعيد توزيع القوة داخل بنية لا تستقر على شكل واحد.
وعليه، فإن ما يبدو في لحظات معينة كـ “انسداد في الأفق” ليس سوى تعبير عن قراءة الصراع ضمن زمن قصير، لا يتناسب مع طبيعته البنيوية الممتدة. أما إذا أُعيد إدراجه ضمن زمنه التاريخي، فإن هذا “الانسداد” يكشف عن ذاته كمرحلة داخل مسار أطول، تتشكل فيه النتائج ببطء، كما هو جاري منذ طوفان الأقصى، وتُعاد فيه كتابة موازين القوة دون أن يُعلن عن نهاية قاطعة.
تاسعا: استراتيجيات الفعل داخل الفخّ المركّب، من الاشتباك إلى إدارة النظام
أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية هو التعامل مع “الفخّ المركّب” بوصفه وضعا ينبغي الخروج منه كليا. لا يُفترض وجود “خارج” مكتمل، بل يبدأ الفعل بإعادة تنظيم الحركة داخل شروط الانغلاق عبر منظومة من محاور الاشتغال المتزامنة.
المحور الأول: الصمود النشط – إدارة توزيع الضغط
يفترض أن الضغط قائم وممتد ولا يمكن إيقافه في المدى القصير. لذا لا يُفهم الصمود كتحمّل سلبي، بل كإعادة توزيع لأثر الضغط على مستويات متعددة، وتغيير هندسة تأثيره بحيث يفقد قدرته على الإرباك المركزي.
المحور الثاني: تفكيك التداخل عبر فصل الجبهات
التداخل بين المستويات (العسكري، السياسي، الاقتصادي، الخطابي، الإعلامي) حالة بنيوية قائمة مسبقا. الهدف ليس إزالة التداخل، بل منع تحوله إلى كتلة ضغط واحدة عبر تفكيكه إلى مستويات اشتغال مستقلة نسبيا، يمكن التعامل مع كل منها وفق منطقها الخاص.
المحور الثالث: إدارة الزمن عبر عدم التزامن الاستراتيجي
يُعامل الزمن كمتغير قابل للإدارة وليس كإطار محايد، وذلك عبر تأجيل الاستجابة عند الضرورة، أو كسر التزامن بين الفعل ورد الفعل، بما يُربك حسابات العدو ويُفقده القدرة على توقع الإيقاع.
المحور الرابع: إعادة تشكيل السردية بوصفها أداة تأثير
بما أن الشرعية لا تُحدد بالقوة وحدها، تُستخدم السردية لإعادة ضبط معنى الأفعال، وتحويلها من مجرد ردود أفعال إلى أفعال مشروعة داخل الإطار العام للصراع، بما يعيد تعريف المجال الذي تُقاس داخله القوة.
المحور الخامس: إدخال متغيرات غير متوقعة داخل البنية
لا يتعلق الأمر بالفوضى، بل بإدخال اختلال محسوب داخل نمط التفاعل السائد، عبر تغيير مستوى الاشتباك، أو فتح مسارات جديدة لا تدخل في حسابات الخصم، بما يقلل استقرار نموذج الصراع لديه ويعيد تشكيل توقعاته.
لا يقدّم “الفخّ المركّب” إطارا تفسيريا فقط، بل يكشف بنية الضغط وكيفية اشتغالها. ويفتح في الوقت نفسه مجالا لتفعيل هذه المحاور ليس كخيارات منفصلة، بل كنظام تشغيل لإدارة التعقيد.
وفي هذا الكشف، تنفتح إمكانية الفعل: ليست كقدرة على إنهاء الصراع، بل كقدرة على إعادة تشكيل شروطه من الداخل.
عاشرا: ليس تفككًا لأفق النهاية، بل خطأ في تعريفها
إن الإشكال في أطروحة “تفكك أفق النهاية” لا يكمن في تشخيصها لبطء التحولات أو تعقّد الصراعات، بل في افتراضها الضمني أن “النهاية” يجب أن تظهر بوصفها لحظة مكتملة، قابلة للرصد ضمن أفق زمني محدود. بهذا المعنى، لا يكون “تفكك الأفق” خاصية في العالم بقدر ما يبدو مرتبطًا بطريقة تعريف النهاية نفسها.
فحين تُفهم النهاية بوصفها إغلاقا، يبدو التاريخ وكأنه يفشل في إنتاجها. أما حين تُعاد صياغتها بوصفها تحولا في البنية، فإن ما يبدو غيابا للنهايات يتحول إلى تعدد في أشكال الحسم غير المكتمل.
المشكلة إذا ليست في أن العالم لم يعد ينتج نهايات، بل في أن أدوات القراءة ما تزال تبحث عن لحظة قد لا يعمل التاريخ وفق منطقها الصارم.
فالحسم، كما يكشف هذا التحليل، لا يقع خارج الصراع بوصفه خاتمة له، بل يُعاد إنتاجه من داخله، كعملية مستمرة تعيد توزيع القوة دون أن تُغلق المجال الذي تتحرك فيه.
وبهذا المعنى، لا يعود السؤال: لماذا غابت النهايات؟ بل يصبح: كيف تُفهم فكرة الغياب نفسها داخل الشروط التي تنتجها؟
إن ما يُفهم بوصفه “تفكك أفق النهاية” يمكن قراءته بوصفه تفككا في الإطار المفاهيمي الذي يحاول القبض عليها، بينما يظل التاريخ في حالة إنتاج مستمر لصيغ متعددة من الحسم، دون أن يستقر ذلك على صيغة واحدة.
إن إدراك سيولة النهايات لا يعني تبني يقين معاكس، بل إعادة النظر في مركزية نموذج ‘الضربة القاضية’ بوصفه الشكل الوحيد الممكن للإغلاق. فالصراع يبدو أقرب إلى مسار إرادات ممتد، تتغير داخله معايير النتائج باستمرار.
ربما كان الخلل في الاتجاه أكثر من كونه في المفهوم ذاته. فليس من الضروري القول إن التاريخ لا ينتج نهايات، بقدر ما يمكن القول إن النهايات، حين تُفهم، تظهر غالبا داخل مسارات أوسع منها، لا كنقاط إغلاق نهائي.
ومن ثمّ، لا تبدو النهاية غيابا يتحقق أو حضورا يُفقد، بل صيغة تتغير دلالتها مع تغيّر موقع النظر داخل البنية نفسها، بما يجعل ما يُعدّ نهاية في لحظة ما، قابلا لأن يُقرأ لاحقا كبداية أو مقدمة لمسار آخر.



