يديعوت: ترامب يريد ان يذكر في التاريخ كالرئيس الذي عقد صفقة عقارات جيوسياسية

يديعوت 22/1/2026، د. كوبر بردا: ترامب يريد ان يذكر في التاريخ كالرئيس الذي عقد صفقة عقارات جيوسياسية
في نظرة أولى تبدو خطوات دونالد ترامب الأخيرة كجملة من النزوات غير المرتبطة. غرينلند. فنزويلا. مواجهات مع الاتحاد الأوروبي. مشاركة عنيفة في الشرق الأوسط. وكله مغلق بتغريدات استفزازية وبلغة فظة. لكن اذا توقفنا للحظة ورفعنا مستوى النظر في محاولة للتذكير مثل ترامب، يتبين خط ربط واضح جدا. هذه ليست أيديولوجيا، هذه ليست دبلوماسية وهذه بالتأكيد ليست مجاملات دولية. هذا صراع على السيطرة على مقدر واحد فيحسم القرن الـ 21: الذكاء الاصطناعي.
نبدأ بالنقطة التي تبدو الأكثر ضعفا. غرينلند. لماذا يهدد الرئيس الأمريكي الدانمارك، احدى الحلفاء الأكثر قدما وراحة لواشنطن؟ دولة سمحت للولايات المتحدة ان تقيم قواعد عسكرية في الجزيرة، غضت النظر على مدى عقود واقترحت أوجه تعاون اقتصادي. الجواب البسيط هو ان ترامب لا يثق بأحد. الجواب الاعمق هو جيوسياسي.
ذوبان القطبين يفتح مسارات ابحار جديدة في الشمال. مسارات تقصر جدا الطريق بين اسيا وأوروبا. من يسيطر عليها، يسيطر على قسم هام من التجارة العالمية. ترامب مقتنع، وليس بلا سبب، بان روسيا والصين باتتا هناك. الدانمارك، من ناحيته، ببساطة غير قادر على الدفاع عن المصالح الامريكية. عندما يسخر من قدرة الدفاع لغرينلند ويتحدث عن زلاجتي كلاب للدفاع عن الجزيرة فانه لا يمزح. بل يطلق إشارة.
لكن هنا تأتي المرحلة التي تشرح لماذا لا يكتفي ترامب بالتهديدات. فحسب تقرير “رويترز” تنظر الإدارة الامريكية في عرض لان تدفع لكل واحد من الـ 56 الف من سكان غرينلد مبلغ نحو 100 الف دولار كحافز للانتقال الى الرعاية الامريكية. لا احتلال عسكري بل شراء سياسي. ترامب لا يحاول ا قناع كوبنهاجن، هو يقفز عنها مباشرة الى السكان المحليين، بالمنطق إياه لصفقة تاجر عقارات. المال الان، امن امريكي، والتاريخ بعد ذلك.
غرينلند ليست فقط مسارات ابحار. هي أيضا ثروة معادن نادرة، هذه المعادن التي هي عنصر حرج في انتاج الشرائح الذكية، مراكز الخدمات الالكترونية وشبكات الحوسبة المتطورة. بدون هذه المعادن لا وجود للذكاء الاصطناعي، وترامب يريد ان يذكر في التاريخ كالرئيس الذي عقد صفقة عقارات جيوسياسية بحجم شراء الاسكا. في 1867 اشترت الولايات المتحدة تحت رئاسة الرئيس جونسون الاسكا من روسيا بنحو 7.2 مليون دولار. سنتان تقريبا للدونم. يبدو هذا اليوم كفعل عبقري. ترامب يريد خطوة كهذه على اسمه، تذكر حتى بعد 150 سنة الى الامام وتنصبه في القصر الذهي لرؤساء الولايات المتحدة.
من هنا نواصل الى فنزويلا. مرة أخرى ظاهرا، موضوعا آخر تماما. اعتقال مادورو بدعوى تجارة المخدرات. عمليا، يدور الحديث عن النفط، الكثير من النفط. لفنزويلا يوجد نحو 303 مليار برميل مثبت. نحو 17 في المئة من الاحتياطات العالمية. اليوم نحو 90 في ا لمئة من النفط الفنزويلي مرهون فعليا للصين كجزء من تسديد ديون. ترامب يريد أن يقطع هذا الارتباط. ان يعيد هذا النفط الى اياد أمريكية.
وهنا بات هذا مشوقا حقا. اذا اضفنا الى ذلك إمكانية مستقبلية لسيطرة أمريكية على النط الإيراني، نحو 12 في المئة من الاحتياطات العالمية، فان الولايات المتحدة تقترب من وضع تسيطر فيه بالفعل سيطرة مباشرة او غير مباشرة على نحو 35 في المئة من النفط في العالم. هذا لا يحطم أوبك فقط. هذا يمنح الولايات المتحدة سلاحا استراتيجيا هائلا في سباق الطاقة. من ناحية ترامب، الشعب الإيراني هو ضرر جانبي في المسرح الذي يدخله النظام. يتطلع ترامب لان يكون النقيض للرئيس كارتر الذي على اسمه سجلت ثورة آيات الله ونقيض أوباما الذي سيخط في الذاكرة عبر اتفاقات النووي. يتطلع ترامب لان يذكر كمن اسقط النظام وتسلم أيضا الغنيمة في شكل صندوق النفط.
ولماذا هي الطاقة هامة بهذا القدر؟ لان الذكاء الاصطناعي لا يركض على أيديولوجيا بل على كهرباء. والكثير منه. مراكز المعطيات تستمد الطاقة بوتيرة تستصعب دول كاملة الإيفاء بها. مدير عام أنفيديا يحذر منذ الان بان فوارق البنى التحتية من شأنها أن تحسم ميزان القوى بين الولايات المتحدة والصين. بدون طاقة رخيصة، وافرة ومستقرة فان السباق الى الذكاء الاصطناعي سيعلق. يفهم ترامب هذا عبر منطقة البسيط: من يتحكم بالطاقة، يتحكم بالوتيرة.
ويشرح هذا أيضا دافعه لان ينتقل الى المرحلة التالية في إقامة مجلس السلام في غزة الذي هو بحد ذاته سحق لمؤسسة الأمم المتحدة. لدى ترامب يوجد دوما خيط مزدوج يمر في كل خطوة: جائزة وهدف. من جهة التمنيات بالدخول الى صفحات التاريخ، ومفضل مع جائزة نوبل للسلام في اليد. من جهة أخرى، استخدام السلام نفسه كأداة عمل في الصراع الأكبر حيال الصين، واساسا في السباق على الذكاء الاصطناعي. في نظره، الامران لا يتضاربان. بل يكملان الواحد الاخر. يريد أن يبدو كمن انهى نزاعا يعود الى 3 الاف سنة بين أبناء إبراهيم، إسماعيل واسحق – ليس لانه بالضرورة رجل المصالحة بل لان هذا انجاز يمكن تأطيره كمتعذر الى ان انتظر العالم وصول “الزعيم الأشقر الذي نجح في حل مشكلة غير قابلة للحل منذ الاف السنين.
لكن من تحت النصوص والعناوين، فان الهدف البارد هو تطبيع كامل بين إسرائيل والسعودية يحصل فقط بعد حل في غزة لاجل تحريك الـ IMEC. الممر الذي يربط بين آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط والذي يتجاوز الصين ويطرح بديلا لمبادرة الحزام والطريق. ممر يربط الطاقة، البنى التحتية والتجارة تحت رعاية أمريكية.
عندما نربط كل النقاط تنشأ صورة واضحة. ترامب لا يعمل عشوائيا. هو يعمل انطلاقا من ضغط الزمن. هو مقتنع بان السباق على السيطرة على الذكاء الاصطناعي سيحسم في السنوات القريبة القادمة. وفي اللحظة التي تصبح فيها فوارق الحوسبة خارج وظيفية، لن يكون بعد ما يحتاج الى الاغلاق. وعليه فهو مستعد لان يدفع اثمانا دبلوماسية باهظة، يقوض تحالفات ويهز المنظومة. هنا المفتاح لفهمه. لدى ترامب المصلحة الشخصية والمصلحة الاستراتيجية لا تصطدمان بل تتحدان. الإرث، النوبل، اسمه في صفحات التاريخ والصراع البارد حيال الصين على الطاقة، البنى التحتية والذكاء الاصطناعي هي كوجهين لعملة واحدة. يمكن التحفظ على الأسلوب ويمكن انتقاد الاثمان لكن من الصعب تجاهل المنطق. ترامب لا يحاول أن يكون محبوبا. هو يحاول في نفس الوقت ان ينتصر وان يذ كر في الزمن أيضا.
*باحث في التاريخ السياسي الأمريكي والجيواستراتيجي، الكلية متعددة المجالات – HIT حولون



