#أقلام وأراء

د. سنية الحسيني: رسالة من تحت أنقاض غزة

د. سنية الحسيني ٢-١١-٢٠٢٣: رسالة من تحت أنقاض غزة

هذه ليست رسالة تطالب العالم بالنظر بعين العطف أو حتى التعاطف مع غزة وأهلها، بل هي رسالة تحمل عدداً من الحقائق والمعطيات، اللازمة لوضع النتائج والاستنتاجات لمستقبل القضية الفلسطينية.

أول هذه الحقائق تتمثل في فشل كل محاولات الصهيونية ودولتها في تزوير حقيقة قضية فلسطين ومحاولات الانقلاب عليها، ولتتذكر إسرائيل ومن يقف وراءها من دول استعمارية على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، انه من الصعب إخفاء الحقائق وتزوير التاريخ في العام ٢٠٢٣. وقد تكون كلمات الوفود في مجلس الأمن والجمعية العامة التي صخبت بها أروقة المجلسين، ونداءات وشعارات مئات آلاف المحتجين الذين يملؤون شوارع عواصم العالم حتى هذه اللحظة، على رأسها تلك الدول الاستعمارية سابقة الذكر، تكشف بوضوح حقيقة أن معظم دول العالم لم تنس قط واقع القضية الفلسطينية واحتلال فلسطين والنكبة الفلسطينية. فجاءت هذه الحرب لتعلن صراحة أن العالم بشعوبه ومعظم حكوماته لم ينس القضية الفلسطينية، وأن الادعاءات والاكاذيب التي اختلقتها الصهيونية ودولتها لا يصدق الا إسرائيل والدول الاستعمارية التي أوجدتها ودعمت بقاءها.

الحقيقة الثانية تتمثل في سقوط كل نظريات الولايات المتحدة وإسرائيل حول وصم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، تلك المحاولات التي عمل البلَدان على فرضها بالقوة على شعوب العالم والمنطقة، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، في انقلاب على الشرائع والأعراف. فكانت أول إجابة من قبل دول وشعوب العالم أجمع وحتى المنظمات الدولية المقيدة بإرادة الدول الاستعمارية المتحكمة بها، بأن الرد على ممارسات الاحتلال المتجبرة والمتبجحة دون محاسب أو مُسائل ولسنوات طويلة لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يُعتبر إرهاباً، وإنما مقاومة مشروعة لاحتلال طال.

أما ثالث هذه الحقائق فتتمثل في صعوبة إخفاء الجرائم التي يقترفها الاحتلال الاسرائيلي عن أنظار العالم في العام ٢٠٢٣، وكل محاولات فصل الإنترنت وخطوط الاتصالات وتهديد الفضائيات صراحة واصطياد المراسلين وقتلهم، لم يُجدِ نفعاً، وكلما زاد الإجرام والقتل بحق المدنيين، فستزداد مشاعر الكُره والاشمئزاز من ممارسات الاحتلال، وستزداد طردياً أعداد التظاهرات والاحتجاجات في دول العالم.

ورابع هذه الحقائق تركز على مدى الانحياز الأعمى للولايات المتحدة وأتباعها من الدول الغربية للرواية الإسرائيلية، المعروفة بادعاءاتها وأهدافها، دون مراجعة أو تحقق أو تدقيق. فمررت الرواية الأميركية الادعاءات الإسرائيلية بـ “رؤوس الأطفال والاغتصاب”، وأعادت رواية الاحتلال حول قصف مستشفى المعمداني. ولأن عالم اليوم ليس هو ذاته العام ١٩٤٨، فمن عدل الادعاءات والأكاذيب صحف غربية أميركية وبريطانية، أعادت بث الحقائق ونفي الأكاذيب، مقدمة الدلائل.

وخامس الحقائق تتعلق بالدول العربية، خصوصاً المؤثرة منها، والتي أثبتت خلال هذه الأزمة عجزها عن التحرر من التبعية للولايات المتحدة والمنظومة الغربية. فالفلسطينيون ليسوا بحاجة للأموال والمساعدات اللوجستية بقدر حاجتهم لموقف سياسي صلب، يدعم الصمود والنضال الفلسطيني الأسطوري. اليوم في ظل تحولات دولية كبرى لصالح تطور مكانة الصين وروسيا على وجه الخصوص، وانسجام مواقف هاتين الدولتين حول حل القضية الفلسطينية مع موقف الدول العربية المعلن، كان يمكن تشكيل جبهة قوية تضغط على الولايات المتحدة والدول الغربية لحل عادل للفلسطينيين، خصوصاً في ظل استمرار تورط العرب في الحرب الروسية الأوكرانية.

وأهم هذه الحقائق على الإطلاق هي تلك الآتية من فلسطين، فالشعب الفلسطيني ورغم كل هذا الإجرام الذي مورس ضده، على مدار أكثر من قرن، يعود وفي كل مرة من تحت الأنقاض ليقاوم ويبقى، ولم ينجح الانتداب البريطاني والاحتلال الصهيوني في تقويض إرادته قط. فهجوم إسرائيل الحالي على غزة ليس الأول، ولن يكون الأخير، وفي كل مرة تدمر آلة الحرب الإسرائيلية العنيفة البيوت والشوارع وتقتل الأطفال، ودون مساءلة، فيعود الفلسطيني ليبني ويعمر ويواصل نضاله من أجل البقاء والحرية. في الضفة الغربية، والتي تعد منزوعة من السلاح، الا من بعض البنادق والأسلحة الخفيفة، يشتري المناضل بندقيته من ماله الخاص، ويقف بصدره العاري أمام دبابات ومجنزرات الاحتلال، ويتم اغتياله بصواريخ الطائرات، ودون مساءلة أو محاسبة. ويستمر النضال، بأبسط الأدوات، أمام أعتى الأسلحة، دون يأس أو ملل، في طريق اختاره الفلسطينيون حتى نيل الحرية المنشودة.

وآخر هذه الحقائق تتعلق بالسيناريوهات التي تضعها إسرائيل للتعامل مع قطاع غزة في أعقاب الحرب، والتي تدعم بالطبع بمباركة أميركية. فقد افترضت السيناريوهات الإسرائيلية حقيقة واحدة فقط هي هزيمة الفلسطينيين في غزة، وعليه اعتبر السيناريو المرجح لدى دولة الاحتلال أن طرد الفلسطينيين من ديارهم أفضل الحلول، في ظل مباركة أميركية، روّجت لذلك السيناريو بتضليل الفلسطينيين، ووعود بإرجاعهم في أعقاب الحرب. وكان من بين السيناريوهات التي وضعها الاحتلال بعد نزع سلاح غزة وقتل كل مسلح فيها، إعادتها للسيطرة الفلسطينية، الا أن إسرائيل لا ترجح ذلك السيناريو بحجة ضرورة المحافظة على سياسة الفصل بين الضفة وغزة، لاستبعاد أي حل سياسي للفلسطينيين. إن هزيمة المقاومة في غزة لن تكون في مصلحة الفلسطينيين وقضيتهم، لأن هزيمتنا في غزة تعني الهزيمة في الضفة الغربية أيضاً، وتعني استمرار تنفيذ المقاربة الإسرائيلية في التعامل مع الفلسطينيين، بنفي حقوقهم، والتضييق عليهم في الضفة الغربية، وإحلال المستوطنين مكانهم، تمهيداً لطردهم، لأن ما يُحاك لغزة بالتأكيد يُحاك للضفة الغربية.

إن حرب غزة اليوم هي حرب مصيرية للشعب الفلسطيني، والنصر فيها هو السيناريو الذي يفترض أن يكون مرجحاً ليس فقط للفلسطينيين بل والعرب وحلفائهم أيضاً. إن نصر الفلسطينيين في غزة اليوم سيجبر الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل على التفاوض لحل القضية الفلسطينية، كما حدث بعد حرب عام ١٩٧٣، والتي جاءت باتفاقية سلام في نهاية ذلك العقد، انسحبت على اثرها إسرائيل من سيناء وأخلت جميع مستوطناتها منها. فدولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة وفق قرار مجلس الأمن ٢٤٢ لعام ١٩٦٧، وعاصمتها القدس، وإخلاء جميع المستوطنات من الضفة الغربية، وضمان التواصل بين شطري الوطن المحتل (غزة والضفة الغربية) هو المبتغى الفلسطيني المشروع.       

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى