د. إبراهيم نعيرات: هل تدفع إسرائيل السلطة الفلسطينية إلى التفكك الذاتي؟
د. إبراهيم نعيرات 19-4-2026: هل تدفع إسرائيل السلطة الفلسطينية إلى التفكك الذاتي؟
تشهد الضفة الغربية اليوم مسارًا متدرجًا من الضغط والتآكل، لا يمكن فهمه بوصفه مجرد سلسلة من الإجراءات الأمنية المنفصلة، ولا باعتباره تنفيذًا لخطة سياسية واحدة واضحة المعالم. ما يتشكل على الأرض هو واقع أكثر تعقيدًا: تداخل بين سياسات ميدانية، وخطابات سياسية، ومواقف دولية منخفضة الانخراط، يقود في مجمله إلى إضعاف البنية القائمة دون حسم سؤال البديل.
في قلب هذا المشهد تقف السلطة الفلسطينية، ليس فقط كجهاز إداري أو أمني، بل ككيان سياسي يتعرض لاختبار وجودي مفتوح. فمنذ نشأتها، قامت العلاقة بينها وبين إسرائيل على معادلة دقيقة: بقاء السلطة يخدم حدًا أدنى من الاستقرار، لكنه لا يُفترض أن يتحول إلى مدخل لسيادة سياسية كاملة. هذه المعادلة، الهشة أصلًا، تتعرض اليوم لضغط غير مسبوق.
فالاجتياحات المتكررة داخل المدن، واتساع نطاق الاعتقالات، وتصاعد عنف المستوطنين، إلى جانب الضغوط الاقتصادية الخانقة، لا تؤثر فقط على الواقع الميداني، بل تنخر تدريجيًا في قدرة السلطة على أداء وظائفها، وتضعف موقعها في نظر مجتمعها. ومع كل جولة توتر، تتراجع قدرتها على تقديم نفسها كفاعل قادر على الحماية أو التأثير، ما يفتح فجوة متزايدة بينها وبين الشارع الفلسطيني.
لكن ما يمنح هذا المسار دلالته الأعمق ليس فقط ما يحدث على الأرض، بل الخطاب السياسي الذي يرافقه. فداخل الحكومة الإسرائيلية الحالية، لا تقتصر المسألة على اختلاف في التكتيك، بل تمتد إلى تباين في الرؤية حول وجود السلطة نفسه. شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش عبّرت بوضوح عن رفضها لفكرة استمرار السلطة بصيغتها الحالية، وطرحت مواقف تدفع باتجاه تقويضها أو تجاوزها، ضمن تصور أوسع يرفض أصلًا فكرة الدولة الفلسطينية.
هذا الخطاب ليس تفصيليًا أو هامشيًا، بل يصدر من موقع مؤثر داخل بنية القرار، ما يعكس وجود تيار سياسي حقيقي يرى في إضعاف السلطة هدفًا بحد ذاته. ومع ذلك، لا يعكس هذا الموقف إجماعًا كاملًا داخل إسرائيل. فداخل المؤسسة الأمنية، لا يزال هناك إدراك بأن انهيار السلطة قد يفتح الباب أمام فوضى يصعب التحكم بها، وأن وجودها، وهي ضعيفة، يبقى أقل كلفة من غيابها الكامل. هذا التناقض يفسر جزئيًا الطبيعة المزدوجة للسياسات القائمة: ضغط مستمر من جهة، دون الذهاب إلى خطوة الحسم من جهة أخرى.
في موازاة ذلك، يلعب الموقف الأمريكي دورًا لا يقل أهمية، ولكن من زاوية مختلفة. فعلى خلاف مراحل سابقة كانت فيها واشنطن أكثر انخراطًا في ضبط التوازنات، يبدو دورها اليوم أكثر محدودية في الضفة الغربية. يتركز الاهتمام الأمريكي على إدارة الأزمات الكبرى في الإقليم، بينما يُتعامل مع الضفة كملف ثانوي نسبيًا، تُدار فيه الأزمة بدل أن يُسعى إلى حلها.
هذا الانكفاء النسبي لا يعني غيابًا كاملًا، بل حضورًا مشروطًا ومحدودًا. فالولايات المتحدة تواصل الحديث عن ضرورة “إصلاح” السلطة، وتربط دعمها بقدرتها على تحسين أدائها الداخلي، ما يضعها في موقع دفاعي مستمر. وبدل أن تكون طرفًا يحتاج إلى حماية سياسية في ظل الضغوط المتزايدة، تجد نفسها مطالبة بإثبات أهليتها للبقاء.
وفي السياق نفسه، تتقاطع الضغوط السياسية مع ملفات أكثر حساسية، تتعلق بالمسارات القانونية الدولية والاتهامات المرتبطة بجرائم الحرب. ورغم أن طبيعة هذه الضغوط تختلف من حالة إلى أخرى، فإن الاتجاه العام يبدو واضحًا: البيئة الدولية لا تشجع التصعيد القانوني بقدر ما تدفع نحو احتواء الصراع سياسيًا، حتى لو كان ذلك على حساب أدوات ضغط يمتلكها الطرف الفلسطيني.
عند جمع هذه العناصر—الضغط الميداني، والخطاب السياسي داخل إسرائيل، والموقف الأمريكي منخفض الانخراط—تتضح صورة أوسع: لا يوجد بالضرورة قرار معلن يقضي بإنهاء السلطة، لكن هناك بيئة كاملة تدفع باتجاه إضعافها تدريجيًا. إنها عملية تآكل بطيء، قد لا تكون مبرمجة بشكل مركزي، لكنها تسير في اتجاه واضح.
في هذا السياق، تبرز فرضية مفادها أن ما يجري ليس تفكيكًا مباشرًا، بل دفعًا نحو “تفكك ذاتي”. أي ترك السلطة تحت ضغط مستمر، مالي، أمني وسياسي، إلى أن تصل إلى نقطة تفقد فيها قدرتها على الاستمرار، دون الحاجة إلى قرار رسمي بحلها. هذه المقاربة، إن صحت، توفر مخرجًا سياسيًا أقل كلفة للطرف الذي يفضل إنهاء دورها دون تحمل تبعات ذلك علنًا.
لكن هذه المقاربة تحمل في طياتها مفارقة خطيرة. فغياب السلطة لا يعني فراغًا يمكن التحكم به بسهولة، بل قد يفتح المجال أمام تعددية غير منضبطة من الفاعلين المحليين، ويحوّل الضفة إلى ساحة مفتوحة لصراع منخفض الحدة لكنه دائم، وأكثر تعقيدًا من حيث السيطرة. وهنا يظهر التناقض داخل الموقف الإسرائيلي نفسه: بين من يرى في إضعاف السلطة هدفًا، ومن يخشى من نتائج تحقيق هذا الهدف.
ميدانيًا، تتجلى خطورة هذا المسار في طبيعة الضفة الغربية نفسها، التي تختلف جذريًا عن غزة. فالصراع في غزة يأخذ شكل جولات واضحة: تصعيد ثم حرب ثم تهدئة. أما في الضفة، فالصراع مفتوح ومستمر، يتخلل الحياة اليومية، ويتجسد في احتكاك دائم بين الجيش والسكان، وبين المستوطنين والمجتمع المحلي. هذا النمط لا يسمح بحسم سريع، بل يرسخ حالة من التوتر المزمن، حيث تُستخدم القوة ليس لإنهاء الصراع، بل لإدارته وضبط إيقاعه.
لكن إدارة الصراع بهذا الشكل تحمل تناقضًا داخليًا: كلما استمر الضغط، تآكلت الأدوات التي تساعد على ضبطه، وفي مقدمتها السلطة نفسها. ومع تراجع قدرتها وشرعيتها، يزداد خطر الانزلاق نحو وضع أقل قابلية للتحكم.
في النهاية، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حسم قريب، بل نحو استمرار هذا المسار المفتوح. الاحتمال الأكثر ترجيحًا هو بقاء السلطة في حالة ضعف مزمن، تؤدي وظائف محدودة تحت ضغط دائم، دون أفق سياسي واضح. لكن هذا “الاستقرار الهش” لا يحمل في داخله ضمانة للاستمرار، بل قابلية دائمة للتآكل والانفجار.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية: ليس في وجود خطة واضحة، بل في غيابها. فالتاريخ يظهر أن أخطر التحولات لا تأتي دائمًا من قرارات حاسمة، بل من مسارات تُترك لتتطور دون توجيه، إلى أن تصل إلى نقطة لا يمكن السيطرة عليها. وفي حالة الضفة الغربية، يبدو أن الجميع يدير الحاضر، دون اتفاق حقيقي على شكل المستقبل.



