أقلام وأراء

الدكتورة أماني القرم: رواية عباس الحقيقية وخريطة نتنياهو المزورة

الدكتورة أماني القرم 24-9-2023: رواية عباس الحقيقية وخريطة نتنياهو المزورة

بخريطة مزورة في لحظة فارقة كشف نتنياهو عن الشيء الوحيد الصادق الذي يسعى اليه: إزالة الفلسطينيين ومحوهم.. لم يعد بعد ذلك لخطابه أهمية .. فالصورة تحدثت بوضوح عن السياسة والاستراتيجية والعقيدة الصهيونية .. ولتوضيح الأمر لمن لم يشاهد كلمة نتنياهو في الامم المتحدة على التلفزيون، فإنه رفع أثناء خطابه المخادع خريطتين للشرق الاوسط خاليتين من الوجود الفلسطيني كلّية: الاولى لعام 1948 حيث أشار فيها الى فلسطين التاريخية على أنها “اسرائيل” مظلّلا إيّاها كاملة باللون الازرق، والثانية نفس الخريطة للشرق الاوسط الجديد المقبل مع تغير لون الدول العربية المحيطة بفلسطين الى اللون الاخضر . وذلك لإظهار /حسب إدعائه/ كيف كانت اسرائيل وحيدة في عالم عربي عام 1948 ، وكيف اصبحت اليوم محاطة بالاصدقاء بعد مسار التطبيع . هذا التزوير للتاريخ والتغييب القسري للشعب الفلسطيني حدث على منبر الامم المتحدة المسئولة الأولى قانونيا وتاريخيا عن الشرعية الدولية وعن القرارات التي يرتكز عليها الفلسطينيون في المطالبة بحقوقهم . لكن غير مهم .. القاعة كانت شبه فارغة وكأنه يتحدث لنفسه ومجموعة المهرجين الذين يصفقون له .

كيف يمكن للعالم ان يستمع لخطاب يدعي كذبا سلام في الشرق الاوسط ويرفع خريطة للتطهير العرقي في نفس اللحظة ؟؟

عموماً يحسب لنتنياهو دوماً إجادة التمثيل بدراماتيكية على مسرح الامم المتحدة ملوّحا بأقلام حمراء .. أما في هذه الدورة فكان هو بحق ودون تمثيل ..

كان الرئيس عباس قد استبق عرض نتنياهو المسرحي بخطاب واثق وهادئ، موجز وواضح ، رصين وسلس .. بدأه بجملة قوية واضحه اقرب ما تكون لرسالة تحذيرية مستقبلية قائلا: “واهم من يعتقد ان هناك سلام… دون حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة”. ردّت هذه الجملة استباقيا على خطاب وخارطة نتنياهو المزورة أو ربما استفزته بالشكل الذي جعلته يظهر قناعاته الحقيقية.

خطاب الرئيس عباس كان شاملا ومقنعا لأنه ببساطة يستند على رواية حقيقية هي حكاية الشعب الذي يناضل من أجل انهاء الاحتلال رغم التغيرات حوله والتغافل المتعمد عن معاناته المستمرة ومحاولات تجاوزه.. شجاعة تكرار المطالب الفلسطينية دون كلل أو ملل من المجتمع الدولي تحسب للرئيس عباس .. لأننا/ للأسف/ نواجه تحدي ابقاء القضية الفلسطينية حية على سلم أولويات المجتمع الدولي وكأنه لا يكفينا فحسب محاربة الاحتلال ! ولعل من أهم ما جاء في كلمة الرئيس ابو مازن هو مطالبته المستمرة بأحقية حصول فلسطين على العضوية الكاملة للامم المتحدة والاعتراف بالدولة الفلسطينية لمن لم يفعل بعد. وأعتقد أنه مطلب يجب الإلحاح في تكراره والسعي الدؤوب من أجل حدوثه لأنه يدحض نظرية “البديل” الصهيونية التي تتمحور حول “أرض بلا شعب” والتي عرضها نتنياهو لاحقا بوقاحة في خارطته المزورة . أيضاً تحدّى عباس المجتمع الدولي بالمطالبة بعقد مؤتمر للسلام. وهو أمر أعتقد أنه مرهون بمصالح الفاعلين الدوليين ومدى استعدادهم للمشاركة وقدرتهم على بناء مواقف سياسية فاعلة .. لكن في نفس الوقت مع التحولات المتسارعة التي يمر بها النظام العالمي اليوم نحو التعددية القطبية، وصعود لقوى الوسط والجدّية في توسيع تكتلات جيوسياسية واقتصادية مثل “البريكس” ومجموعة 77زائد الصين، من شأنها اعادة تشكيل الاقتصاد العالمي والمنظومة السياسية العالمية، ولذا فإنّ النظرة لعقد المؤتمر الدولي يجب أن تتغير.. وليس بالضرورة حضور جميع الفاعلين الغربيين !!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى