أقلام وأراء

الأصابع الأميركيّة الخفيّة في آسيا… مفتاح التّقارب بين الصّين وإيران

يوسف بدر

يوسف بدر 5-5-2022م

بعد الحرب الروسية في أوكرانيا، دار الحديث عن الدور الأميركي في هذه الأزمة، أو عن مساعي الولايات المتحدة لإدارة دفة هذه الحرب في خدمة مصالحها. وبسبب الهزة الاقتصادية الكبرى التي تعرّض لها العالم جراء هذه الحرب، فقد تطوّر الأمر إلى الحديث عن إعادة تشكيل العالم والسياسات والأنظمة الاقتصادية. 
ثم جاءت إطاحة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، لتؤكد استراتيجية الولايات المتحدة التوجه نحو آسيا، لمحاصرة خصومها هناك. فقد اعتبر خان الانسحاب الأميركي من أفغانستان انتصاراً لباكستان واستخباراتها، كما وصف “طالبان” بأنها “كسرت أغلال العبودية”. وهو ما دفعه للتقارب مع دول جوار أفغانستان من أجل الحفاظ عل الاستقرار هناك، بما يخدم أمن المنطقة ويحمي مواصلات الطاقة والتجارة ويدعم فرص التعاون الاقتصادي والأمني الإقليمي؛ ما أظهر إسلام آباد تتحرر من القيود الأميركية بالاقتراب أكثر من الصين وروسيا وتركيا.
وبعد إطاحة خان، جاءت تصريحات خلفه محمد شهباز شريف، لتؤكد نشاط السياسة الأميركية تجاه آسيا وجديتها، إذ قال إن بلاده لا تستطيع تحمّل أعباء معاداة الولايات المتحدة، وعلى حكومته تحسين العلاقات مع واشنطن. بينما أعلن خان أن الولايات المتحدة تقف وراء إطاحته.
“داعش – خراسان”
يمثل تنظيم “داعش – ولاية خراسان”، حلقة جديدة من الدور الأميركي في آسيا، وإن كان هذا التنظيم يُعلن العداء للولايات المتحدة؛ لكنه نجم المرحلة المقبلة وأداة واشنطن الناجعة لتحقيق أهدافها في منطقة جنوب آسيا ووسطها وشرقها، لنزع الاستقرار من مناطق النفوذ الصينية والروسية. 
فلم يكن بالمصادفة، بمجرد وصول رئيس الوزراء الباكستاني الجديد، تصاعد العمليات الإرهابية لهذا التنظيم داخل أفغانستان، وبخاصة ضد الشيعة في مدينة مزار شريف؛ لإظهار ضَعف حكومة “طالبان” وإدخالها في مرحلة توتر مع جارتها إيران، فضلاً عن إثبات وجود هذا التنظيم وفاعليته على الأرض بشكل يصعب السيطرة عليه، ويجعل أفغانستان تبدو في حالة غير مستقرة لا تساعد على نجاح أي خطط أو تحالفات اقتصادية بين دول جوار أفغانستان.
كما أن هذا التنظيم الذي ينطلق من الحدود الأفغانية مع الصين، يمثل هاجساً أمنياً للحكومة في بكين، التي تدرك أن وجوده يستهدف مصالحها في المنطقة، بخاصة أن خريطة تمدده تطال المناطق المسلمة داخل أراضيها، ووجوده كفيل بمحاصرة الصين ومصالحها في مناطق تمددها، في بلدان مثل باكستان وأفغانستان وإيران ودول آسيا الوسطى، حيث يعتمد هذا التنظيم على تجنيد مقاتلين من عرقيات خارج أفغانستان، تعاني الاضطهاد من حكوماتها الاستبدادية، منها على سبيل المثال عرقية الأويغور داخل الصين.
وعامل جود تنظيم “داعش – خراسان”، هو الإجابة عن سؤال: لماذا لا مفر أمام حكومتي طهران وبكين سوى التعامل مع “طالبان”؟ ولذلك قبلت إيران بعودة ثلاثة دبلوماسيين إلى سفارات أفغانستان في طهران ومشهد وزاهدان؛ لدعم متابعة المهاجرين الأفغان في ظل مخاوف من تسرب تنظيم “داعش” بينهم. وأيضاً لخشيتها من تنامي هذا التنظيم على حدودها، بما يجعل من أفغانستان قاعدة للهجمات الإرهابية ضد إيران.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصين التي سمحت للسفارة الأفغانية باستئناف عملها في العاصمة بكين، بخاصة أن الصين لديها قلق من تنامي وحش “داعش” على حدودها مع أفغانستان، بما يؤثر في أمنها، في المناطق الإسلامية في الداخل، وبما يعطّل طموحاتها الاقتصادية، بخاصة أن أقلية الإيغور المسلمين الذين تستهدف “داعش – خراسان” نصرتها، تقع في إقليم شينغيانغ، الذي هو في قلب مشروع “طرق الحرير الجديدة”.
الاقتراب بين الحلفاء
أمام نشاط الولايات المتحدة وتحركاتها في آسيا، بدأت الصين تحركات لتثبيت علاقاتها بحلفائها في المنطقة، فقد زار وزير الدفاع الصيني وي فنغ خه، طهران، يوم الأربعاء 27 نيسان (أبريل)، وفي اليوم التالي زار تركمانستان المحاذية لحدود أفغانستان الشمالية، ليشدد على سياسة تركمانستان الحيادية. 
ويأتي ذلك في ظل التحركات الأميركية في آسيا حيث سيجتمع الرئيس الأميركي جو بايدن، مع قادة رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) في واشنطن يومي 12 و13 من أيار (مايو) المقبل. وبعدها سيزور كوريا الجنوبية واليابان. وهي خطوات هدفها التقارب مع الحلفاء لمحاصرة الصين والتمدد في المحيطين الهندي والهادي.
وكذلك، يُمكن فهم الاقتراب بين بكين وطهران، على غرار اقتراب الصين من دولة جزر سليمان في المحيط الهادي وتوقيعها اتفاقية أمنية معها، بشكل أزعج واشنطن بشدة؛ خشيةً من إقامة الصين لقواعد عسكرية هناك. 
وبالنسبة إلى إيران التي وقعت اتفاقية استراتيجية مع الصين في 27 آذار (مارس) 2021، لمدة 25 عاماً، فهناك حاجة متبادلة للتعاون بين البلدين في الوقت الراهن؛ إذ إن طهران ليست متأكدة من إمكان التوصل إلى اتفاق نووي مع الغرب في فيينا، وهي بحاجة ملحة لتطوير بنيتها التحتية في قطاع الصناعة والطاقة والمواصلات والاتصالات والموانئ. والصين أيضاً لديها حاجة لتفعيل هذه الاتفاقية، من أجل أن تضمن موارد ثابتة من الطاقة وقريبة منها، تساعدها على دعم استراتيجيتها الأمنية والاقتصادية في المرحلة المقبلة، بخاصة أن توترات أسواق الطاقة وتأزم روسيا في أوكرانيا، تدفعها للبحث عن مصادر مستقرة للطاقة.
أيضاً في إطار الحاجة المتبادلة بين بكين وطهران، فقد رُفعت عقوبات التسليح عن إيران بموجب القرار 2231 في مجلس الأمن، منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2020، بما يساعد على تهيئة أرضية قانونية للتعاون العسكري بين البلدين، وتحتاج إيران إلى تطوير منظوماتها التسليحية والدفاعية، وأهمها قطاع الطائرات، وهو ما تراهن على الحصول عليه من الصين، التي ستحصل في المقابل على موطئ قدم عسكري في منطقة الخليج وبحر عُمان، بخاصة أن مناطق جنوب آسيا وغربها وصولاً إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط، هي مناطق أساسية في مشروع الحزام والطريق لنقل التجارة من الصين وإليها، وهو ما يحتاج إلى وجود عسكري لحماية مصالحها في تلك المنطقة.
 
المحصّلة
إن الأزمة في أوكرانيا وبعدها إسقاط حكومة عمران خان في باكستان، وتنامي صعود تنظيم “داعش – خراسان” في أفغانستان وتمركزه على الحدود الشمالية والشرقية مع الصين، وتقارب واشنطن مع مجموعة “آسيان” وكوريا الجنوبية واليابان؛ كلها مؤشرات إلى جدية الاستراتيجية الأميركية لمحاصرة الصين ومصالحها في آسيا.
إن عودة واشنطن للاستفادة من تنظيم “داعش” لتمهيد الأرض أمام الخطط الأميركية، دافع لتفعيل التعاون والتقارب بين الصين وإيران، الذي تسعى حكومة طهران لاستثماره في دعم تطوير بنيتها التحتية الاقتصادية والعسكرية والتسليحية. 
إن طهران، أمام التحولات في موازين القوى في العالم، تحاول إيجاد موطئ قدم لها وسط هذه التحولات، إذ تكشف سياستها تجاه الصين، أنها ترحب بوجود حليف مقرب منها في منطقة الخليج وبحر عُمان، بعد سنوات من الوجود الأميركي الذي حمل الخصومة ضدها متحالفاً مع دول الخليج العربي.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى