ترجمات عبرية

هآرتس: في قطاع غزة سئموا جولات الحروب العبثية، وحماس تستمع إلى همسات الجمهور

هآرتس 8/8/2022، بقلم: عميره هاس 

من الصعب، وحتى من الوقاحة، أن نسأل الآن الناس في غزة عبر الهاتف إذا كانوا يؤيدون قرار “الجهاد الإسلامي” الرد بصلية صواريخ على قتل أحد قادته العسكريين، تيسير الجعبري، ومرافقه سلامة عابد. لماذا هذا صعب؟ أولاً، تقنياً؛ ففي ظل عدم وجود ملاجئ أو قبة حديدية أو صافرات إنذار، فإن المليوني مواطن في القطاع يشاهدون الروليت الروسية التي خبروها في الحروب الأربع منذ العام 2008 وعدداً لا يحصى من “العمليات” العسكرية الأصغر.

هم ينشغلون بالاهتمام بحياتهم وحياة أقاربهم، يخافون ويتخيلون الأسوأ. عندها يقصّون قصص الرعب بنوم هستيري أو هذر كلامي حول كل شيء، عدا عن الحرب الحالية. يفحصون من قتل من أقاربهم في جباليا أو رفح، وما هو وضع أصدقائهم الذين يعيشون قرب المبنى الذي تم قصفه، يتبادلون المعلومات والأفلام القصيرة التي تصعب مشاهدتها؛ عن يد تظهر من بين الأنقاض، وأطفال يصرخون، ونساء يهربن، وبيوت تنطوي على نفسها داخل سحابة من الدخان والتراب. غزة منطقة صغيرة، ويبدو أن الجميع يعرفون بعضهم هناك ويخافون على بعضهم.

بين الخوف من صوت الطائرات المسيرة وصوت الانفجارات، يشغّل الناس المولّد المنزلي أو مولد الحي؛ لأن تزويد الكهرباء الآن لا يتعدى ثلاث ساعات في اليوم، أو يملأون صهريج المياه للاستحمام لأنهم لا يعرفون متى ستكون لدى البلدية كهرباء لضخ المياه. مياه الصنبور غير صالحة للشرب، لذلك يخاطر الناس ويخرجون من البيوت لشراء عبوات المياه التي تمت تنقيتها، وللبحث عن بقالة فيها غذاء، الذي نفد حين أغلقت إسرائيل معبر البضائع كرم أبو سالم قبل خمسة أيام. يهتمون بسلامة الجدات والأبناء الذين لم يذهبوا للعلاج في شرقي القدس أو في نابلس، لأن إسرائيل أغلقت حاجز “إيرز” الثلاثاء الماضي.

لماذا وقاحة؟ لأن هذا سؤال يحوي في طياته الافتراض الإسرائيلي، وهو أن “الفلسطينيين، مرة أخرى، هم الذين بدأوا” وأن الأمر يتعلق بوضع متناظر بين دولتين سياديتين، فيه إحداهما، غزة، تشعل الحرب وتهاجم الدولة التي تحب السلام. هذا سؤال لا يأخذ في الحسبان أن إسرائيل تواصل تقرير حياة الفلسطينيين في القطاع، مثلما في الضفة الغربية، حتى لو كانت تدعي أن الأمر ليس كذلك، وحتى لو أن معظم مواطنيها اليهود يصدقونها.

عندما بادرت إسرائيل إلى الاغتيال الذي كان -حسب ادعائها- يمكن أن يفشل عملية، فهي بذلك راهنت على أن “الجهاد الإسلامي” سيعمل حسب السيناريو الذي كتبته؛ أي أنها بوعي وبشكل متعمد أعادت بلدات غلاف غزة إلى دائرة الخوف من الصواريخ وصافرات الإنذار وصوت اعتراضات القبة الحديدية. عندما عمل الجهاد حسب السيناريو الذي كتبته إسرائيل، كان عليها أن تفترض بأنها لن تكتفي بجولة واحدة فقط من مبادرتها ورده، أي كان عليه الأخذ في الحسبان بأن إسرائيل ستعود وتقصف بقنابل “جراحية”، التي تقتل وتصيب مدنيين فلسطينيين غير مسلحين وغير متورطين – هذه القنابل التي تلحق ضرراً كبيراً بالممتلكات وتعيد المليوني شخص المحاصرين إلى دائرة الرعب وخطر الموت على حياتهم.

مع ذلك، يتم طرح سؤال: هل يؤيد الناس رد “الجهاد الإسلامي”، الذي هو منظمة صغيرة ويجد تأييداً له في غزة، على اغتيالات إسرائيل؟ ليس هذا هو وقت الجواب، لكن الناس يهمسون بشيء ما عن تشككهم وتعبهم من جولات القتال والدمار التي لا تحقق شيئاً ولا تنهي الحصار. فيما بعد، ستزداد هذه الأصوات وربما لا. التجربة تعلم بأن هناك عتبة من القتل والدمار، إذا اجتازتها إسرائيل مرة أخرى فسيؤيد سكان القطاع، رغم الذعر والخوف، أي رد عسكري فلسطيني يمنع إسرائيل من مواصلة القصف والقتل والتدمير.

حتى الآن، تأمل غزة بأن يتم تطبيق وقف إطلاق النار، وهو نوع من الإجابة على السؤال. ولكن الإجابة الواضحة أكثر هي قرار حماس، على الأقل حتى أمس، وقف إطلاق النار. فهذه منظمة تصغي لدقات قلب الجمهور، حتى لو لم تعمل وفقها بالضرورة. هناك عدة أصوات في “الفيسبوك”، سبق وسمت عدم انضمام حماس للمعركة العسكرية “خيانة”، ولكنها قليلة. والاعتقاد لدى عدة مصادر في غزة هو أن معظم الجمهور راض من ضبط حماس نفسها وعدم انضمامها. وعدم انضمامها ضمانة لوقف إطلاق النار القريب جداً.

حماس كحكومة فعلية في القطاع، ستبقى، وستسعى إلى قيادة جميع الشعب الفلسطيني مستقبلاً، في البلاد والشتات، بدلاً من م.ت.ف وحركة فتح، اللتين أفرغتا من كل مضمون. وهي كحزب حاكم، تعرف الاستطلاع الذي أجرته منظمة “أنقذوا الأطفال”، الذي نشر في حزيران الماضي تحت عنوان “واقعون في المصيدة”. أظهر هذا الاستطلاع أنه بعد 15 سنة من الحصار الذي فرضته إسرائيل، ستكون هناك نسبة فقر وبطالة عالية، تسبب بهما الحصار والحروب الأربع، وأن أربعة أطفال من بين كل خمسة في القطاع (80 في المئة) يعانون من الاكتئاب ويعيشون في حالة خوف وحزن. في العام 2018، في استطلاع سابق للمنظمة ذاتها، كانت هذه النسبة 55 في المئة. التبول في الليل وعدم الحديث وعدم القدرة على العثور على طرق إيجابية لمواجهة الصعوبات والشعور بأن العائلة والأصدقاء لا يؤيدونهم وعدم التركيز… كل ذلك بعض الدلائل النفسية غير المفاجئة التي أشار إليها التقرير، والتي يعاني منها معظم الأطفال. ووجد أيضاً أن نصف أطفال القطاع فكروا بالانتحار، وثلاثة من بين كل خمسة يتسببون بالضرر لأنفسهم.

التبرعات القطرية لا تحل هذه الضائقات. وحتى لو كان لدى حماس ميل للتشكيك بدرجة دقة الاستطلاعات “الغربية” التي تعتمد على نظريات نفسية “غربية”، فلا يمكنها أن تتجاهل المعطيات وعلاقتها المباشرة بالحرب. هذا لا يعني إسرائيل ومواطنيها، ولا يعني أيضاً الحكومات الغربية التي تتحدث عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، مع تجاهل يدعو إلى اليأس بسبب سيطرتها على القطاع.

إذن، يجب على حكومة القطاع الفعلية استخلاص الدروس والأخذ بالحسبان أن توسع الحرب الحالية أمر سيئ لشعبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى