منير أديب يكتب - كيف جنّدت الإستخبارات الغربية الإخوان المسلمين ؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

منير أديب يكتب – كيف جنّدت الإستخبارات الغربية الإخوان المسلمين ؟

0 177

منير أديب – 13/2/2021  

صحيح أن حركة الإخوان المسلمين نشأت في مصر قبل مئة ‏عام، ولكن منذ ذلك التاريخ وحتى الآن ارتمى التنظيم في ‏حضن الغرب، بداية من قبوله التبرع بمبلغ ثلاثمئة جنيه قبلها ‏المؤسس الأول حسن البنا من المحتل البريطاني بمصر في ‏بدايات النشأة الأولى للتنظيم بدعوى بناء مسجد، ومن وقتها ‏ولندن تُسيطر على الجماعة وتعلم عنها ربما أكثر مما تعلمه ‏بعض الدول العربية، والأخطر أنها تُحرك التنظيم وفق أهدافها ‏في منطقة الشرق الأوسط.‏

خطّط الإنكليز في إحتواء الحركة الوليدة والصاعدة بمصر في ‏ذات الوقت لم تنته بخروج قواتهم من مصر، وإنما إمتدت ‏لعشرة عقود تالية، حتى تباهت عاصمة الضباب بإحتضانها ‏مقر التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في الستينات من القرن ‏الماضي ووجود أمينها العام على أراضيها بل وحصوله على ‏الجنسية البريطانية فيما بعد، وهو ما يحمل نفس الدلالة السابقة ‏من تبعية التنظيم للإمبراطورية البريطانية، وللمناسبه ظلّ ‏التنظيم على حاله وبقت بريطانيا على سياستها في إحتواءه ‏واستثمار وجوده وقوته في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما ‏يتماهى مع سياسة الإنكليز قديمًا وحديثًا في منطقة الشرق ‏الأوسط.‏

لحركة الإخوان المسلمين جناحان أو مكتبان تصدر عنهما ‏القرارات التي تُسّير شؤون التنظيم العالمية سواء مكتب ‏الإرشاد في مصر أو التنظيم الدولي في بريطانيا، والذي إتخذ ‏من لندن مقرًا له؛ وبما أن مكتب الإرشاد والذي يُعد الأقوى ‏والأكثر تأثيرًا أغلق على خلفية الصدام بين التنظيم وقادته ‏والنظام السياسي في مصر والذي تشكل على خلفية ثورة 30 ‏حزيران “يونيو” من العام 2013، فتولى التنظيم الدولي قيادة ‏التنظيم بأكمله بما فيه مصر، وهنا أصبحت بريطانيا هي ‏صاحبة التنظيم الحقيقي وتُديره وفق ما ترغب أو يخُدم سياستها ‏في المنطقة العربية ووفق أهدافها الإستراتيجية.‏

لم يكن تنظيم الإخوان المسلمين رهينة المخابرات البريطانية ‏فقط، وإنما باتت إيران وتركيا وقطر من أهم الدول التي تُحرك ‏التنظيم وفق أهدافها، وليس عجيبًا القول إن مخابرات هذه ‏الدول قد حصلت على عضوية التنظيم، وكلٌ منها يعقد ‏إجتماعات ثنائية مع التنظيم، ويُطلب من التنظيم إعداد ملفات ‏وتقارير تفصيلية عن حركته أو نشاطه المستقبلي أو قضايا ‏تخص وتمس الأمن القومي المصري، وهنا لا مانع لدى ‏الإخوان من التعاون مع أجهزة الإستخبارات هذه أو غيرها ‏مقابل أن تحقق أهدافها أو ما ترنو إليه أو مقابل وصول التمويل ‏الشهري المتفق عليه.‏

المصلحة هي المحرك الرئيسي لتنظيم الإخوان المسلمين ‏ومجموعاته الموجودة في الخارج، فكل منها يبحث عن المال. ‏ما يريده الطرف الأخر هو المعلومات والاغتيال المعنوي ‏لبعض الشخصيات التي تنتقد هذه الدول ودعمها للإرهاب، ‏فللجماعة شبكة كبيرة من اللجان الإلكترونية التي تستهدف من ‏خلالها الشخصية المصرية والنظام السياسي والخصوم في ‏العموم، كمحاولة للردع، على كل الأحوال بقي هذا السلاح في ‏يد الاستخبارات الغربية تستخدمه وقتما تشاء وبالكيفية التي ‏تُريدها وتُلبي حركة الإخوان المسلمين كل ما يُطلب منها في ‏هذا الشأن.‏

على مدار أكثر من ثماني سنوات نجحت كل أجهزة ‏الإستخبارات في التعاون وتجنيد مجموعات الإخوان المسلمين ‏الموجودة في الخارج، بما فيها القيادات نفسها، وكثير منها كان ‏يَطْلب تمويلًا فيُعطى مقابل التبعية، وأصبحت المخابرات ‏الإيرانية رقمًا مهمًا في هذه المعادلة، لدرجة أنها تختار نوعية ‏التمويل والمجموعة التي تقدم لها ذلك، عندما اندفع عدد كبير ‏من قادة الإخوان المسلمين وشركائهم لطلب التمويل وتقديم ‏مقترح بالنشاط الذي يُدار ويُخدم في نفس الوقت سياسة طهران ‏في المنطقة.‏

طلب الشيخ محمد الصغير، عضو مجلس شورى حزب البناء ‏والتنمية، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية وأحد قادتها ‏التاريخيين، دعمًا ماليًا لمركز حريات للدراسات السياسية ‏والذي يديره طارق الزمر، عضو مجلس شورى الجماعة ‏الإسلامية وأحد أمرائها من إيران، غير أنها رفضت، فنجح ‏‏”الصغير” في تسهيل مهمة حصول “الزمر” على الدعم من ‏الدوحة بحكم علاقته مع د.يوسف القرضاوي.‏

ولعل الشيخ الصغير هو عرّاب التمويلات بحكم علاقته بمكتب ‏يوسف القرضاوي، وكونه مفتياً شرعياً لأخطر التنظيمات ‏الدينية، الجماعة الإسلامية، ولكونه نجح في صناعة مساحة من ‏العلاقات مع أجهزة الإستخبارات التي أشرنا إليها، وبالتالي ‏ساعده ذلك في تعيين نجله عبد الرحمن في قناة الجزيرة ‏مباشر، بينما أصبح نجله الثاني، عبد الرحيم، أحد أهم البارزين ‏في تسهيل مهمة شباب الإخوان وغيرهم من الشباب الذي ‏يرغب في القتال بمناطق الصراع وبخاصة في سوريا بجانب ‏جبهة النصرة، كما كان ينسق في وقت سابق مع أحد أخطر ‏قيادات الجماعة الإسلامية وعضو مجلس شوراها، رفاعي طه، ‏قبل أن يتوفى، هذه المساحة مثلت جسرًا جديدًا في العلاقة مع ‏المخابرات القطرية التي مازالت تدعم جبهة النصرة في ‏سوريا وتنظيمات أخرى في بعض البلدان العربية.‏

المساحة التي صنعها الشيخ الصغير لنفسه قربته من قيادات ‏الإخوان المسلمين بصوره لافته، وهو ما استفاد منه حتى بات ‏واجهة التنظيم أمام الإعلام وأمام أجهزة الإستخبارات الغربية، ‏كما بات بخطابه المتشدد العصا التي يضرب من خلالها تنظيم ‏الإخوان المسلمين النظام السياسي في مصر وخصومه.‏

مما يمكن قوله في فكرة تجنيد الإستخبارات الأجنبية للإخوان ‏المسلمين، أن الجماعة باتت هي المقبلة على إيجاد هذه ‏الروابط، وقد حاولت بعد طلب من الحرس الثوري الإيراني ‏جبهة أمين عام التنظيم السابق د. محمود حسين، تدريب قرابة ‏‏20 عضوًا من الإخوان على ما يُسمى بالأمن السيبراني، إلا ‏أن طهران تحفظت على الطلب، وهو ما دفع الإخوان لتدريب ‏هؤلاء الشباب في روسيا وألمانيا، وتم اختيار ألمانيا لأنها تمثل ‏قلب أوروبا وتمثل أيضًا أكبر تكتل مالي وخبراتي وعددي ‏للإخوان في القارة العجوز، كما أن حركة حماس، فرع التنظيم ‏في فلسطين، لها علاقات قوية مع الروس، فكان بمثابة مفتاح ‏لعلاقة قيادة التنظيم بالروس أنفسهم، وهو جزء من الإختراق ‏الإستخباراتي للألمان والروس معًا.‏

جماعة الإخوان المسلمين حاولت توفيق أوضاعها وبخاصة ‏إزاء القضايا الشائكة وعلاقتها بإسرائيل حتى لا تخسر الغرب ‏ولا أجهزته الداعمه لها، فلم تُمانع في سفر الإخوان المسلمين ‏لزيارة القدس بتأشيرة سفر إسرائيلية شريطة أن يأخذ عضو ‏الإخوان الجنسية التركية، وهنا تكون قد حققت الهدف من سفر ‏الإخوان المسلمين إلى القدس بتأشيرة إسرائيلية وإبتعدت في ‏نفس الوقت عن الإنتقاد، محملة ذلك لأشخاص حصلوا على ‏الجنسية التركية حتى ولو كانوا أعضاءً في التنظيم ومن أصول ‏مصرية.‏

وهنا تكون قد حققت رغبة غربية ومكاسب من وراء ذلك، ‏ورفعت الحرج عن نفسها في نقس الوقت وخرجت من المأزق ‏الشعبي والأخلاقي أمام ما تقوله ومخالفته لما تفعله! وهذا يُعد ‏بعدًا جديدًا في علاقتها مع أجهزة الإستخبارات الغربية.‏

قد لا تثق المخابرات الإيرانية في شباب الإخوان المسلمين، ‏وقد تفضل دعم المجموعات الجهادية مثل الجماعة الإسلامية ‏وتنظيم الجهاد الإسلامي وغيرها، كما أنها اختارت دعم اللجان ‏النوعية، الميلشيات المسلحة للإخوان في مصر من خلال ‏مجموعاته في تركيا، ولكنها في ذات الوقت تثق في قيادات ‏الإخوان ولديها روابط قوية بهذه القيادات، ولكن العلاقة أخذت ‏بعدًا من التمنع من قبل الحرس الثوري، الذي بدأ يختار ‏المجموعات التي يدعمها داخل التنظيم، نظرًا لوجود طلبات ‏تمويلية كثيرة.‏

كما أن إيران مثل غيرها من الدول الغربية حصلت على كم ‏هائل من المعلومات عن هذه التنظيمات ووظفتها، وانتقلت من ‏مرحلة الحصول على المعلومة إلى توظيف أكبر تنظيم سني ‏خرج من عباءته كل جماعات العنف والتطرف في المنطقة ‏العربية، وحتى تكون صاحبة الدور الأبرز في استثمار ‏الجماعات الدينية المؤدلجة في المنطقة العربية حتى ولو كانت ‏من خلفية سنّية.‏

القرار داخل تنظيم الإخوان المسلمين أصبح رهينة ‏الاستخبارات الأجنبية التي أشرنا إليها، وهو ما يفتح الباب أمام ‏ضرورة إعادة قراءة التنظيم من جديد وفق المعطيات المشار ‏إليها، ووضع ملامح الجماعة الجديدة بشكل استشرافي في ظل ‏وضع جديد لأكبر التنظيمات الدينية ليس من خلال إنتهاجها ‏للعنف ولكن من خلال عمالتها أيضًا لأجهزة الإستخبارات ‏الغربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.