أقلام وأراء

مقال بقلم آمال شحادة : “إسرائيل ” مناورات عسكرية وانتخابية


القدس المحتلة – آمال شحادة
الحياة، لندن، 30/10/2012

 لم يتأخر وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، كثيراً في استغلال التصعيد الأمني مع قطاع غزة ليطلق حملة ترويج لمتانة العلاقة العسكرية والأمنية بين تل أبيب وواشنطن. حملة مغلفة برسائل تحذير وتهديد، لا تقتصر على حماس بل تشمل إيران ولبنان وسورية. واختار باراك أن تكون مشاركته في التدريبات الأميركية – الإسرائيلية المشتركة عند الإعلان عن نصب منظومة الصواريخ «باتريوت» في القدس، متزامنة مع تصعيد الأوضاع عند الحدود الجنوبية على طرفي الحدود: قصف إسرائيلي مكثف على غزة يسقط قتلى وجرحى والرد عليه بإطلاق صواريخ فلسطينية تجاه بلدات الجنوب. باراك قال بكل وضوح إن العلاقة مع الجيش الأميركي والتعاون بين الطرفين سيكون سنداً قوياً للجيش الإسرائيلي في مواجهة «معاقل تنظيمات الإرهاب في غزة»، على حد تعبيره. لكن باراك واصل إطلاق رسائله إلى ما بعد غزة، فقال «نقدر جيداً التعاون مع الجيش الأميركي فهذا سيساعدنا في كيفية التعامل مع الصواريخ والقذائف التي تهدد أمننا … سيساعدنا في التصدي والمواجهة للصواريخ طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى».

ساعات قليلة بعد هذه التصريحات وأعلن أن الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية اجتمعت للبحث في كيفية التعامل مع قصف الصواريخ على إسرائيل وقررت أن الأوضاع تستدعي تقليص التدريبات المشتركة بين الجيشين، في شكل موقت، إلى حين اتضاح الوضع مع غزة.

القرار بحد ذاته يقحم الجيش الأميركي في ملف غزة. ولم تتردد جهات إسرائيلية معارضة لضربة عسكرية على غزة، في أن تعبر عن خشيتها من أن تتحول التدريبات المشتركة إلى غطاء أميركي لشن عدوان على غزة. فهذه التدريبات، التي كلفت خزينة البلدين ملايين الدولارات، تهدف بالأساس إلى حماية إسرائيل وأمنها والتدريب على اسوأ السيناريوات المتوقعة في حال قررت إسرائيل ضرب إيران.

قرار تقليص التدريبات المشتركة طرح تساؤلات عن الهدف منها، هل هو تجاوب مع طلب أميركي، أم هو مجرد إجراء تقني هدفه تفرغ الجيش الإسرائيلي للعمليات الحربية ضد القطاع. وفي كل الأحوال، يشتمّ من التوتر الأمني وما يرافقه من تهديدات، رائحة انتخابية واضحة، فإسرائيل تستعد لمعركة انتخابات مبكرة ستجرى في كانون الثاني (يناير) المقبل. رئيس الحكومة نتانياهو ووزير الدفاع إيهود باراك، هما الواجهة الإسرائيلية لكل حرب. وكل منهما يحتاج إلى حملة لاستعراض العضلات الأمنية والدفاعية.

نتانياهو يحاول بكل قوته منع المعارضة من جعل الموضوع الانتخابي المركزي الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في إسرائيل. فكما قال وزير التعليم الإسرائيلي، جدعون ساعر، «ليكود» عبر كل تاريخه كان يخسر الانتخابات في كل مرة أجريت حول القضايا الاقتصادية، بينما ربح كل معركة نجح في فرض الأمن والدفاع على أجندتها الانتخابية. لذلك، هرع إلى بلدات الجنوب التي تعرضت لإطلاق الصواريخ الفلسطينية وأعلن أن حكومته ستصادق على تحصين التجمعات السكانية الواقعة في المنطقة التي تبعد بين 4.5 كيلومتر وحتى 7 كيلومترات عن قطاع غزة، وبأنها ستغطي التكاليف المترتبة على إقامة غرف محصنة في حوالى 26 تجمعاً سكنياً في المنطقة.

أما باراك، الذي تشير معظم استطلاعات الرأي إلى أن حزبه الجديد «الاستقلال» لن يتجاوز نسبة الحسم وسيختفي عن الخريطة الحزبية، فقد كانت ردود فعله على الأوضاع في غزة محاولة إثبات وجود يتوخى منها أن تحفظ ماء وجهه وتمنع سقوطه في حضيض الساحة الحزبية، بعد هذا التاريخ السياسي والعسكري الحافل.

إخفاقات وعدم قدرة على الحماية

قبل أن يخرج سكان بلدات الجنوب الإسرائيلي بحملة احتجاج ضد القيادة الإسرائيلية، في أعقاب القصف الصاروخي الذي تعرضت له مدنهم وقراهم لعدم وجود أماكن آمنة والإهمال الكبير في المؤسسات التعليمية بكل ما يتعلق بمسألة الحماية، على رغم وعود نتانياهو وباراك، كشفت التدريبات الأميركية – الإسرائيلية المشتركة إخفاقات شكلت حال إحراج، خصوصاً لدى سقوط الطائرة من دون طيار. فقد روج الجيش الإسرائيلي، في أعقاب اختراق الطائرة الإيرانية الحدود الإسرائيلية، مطلع الشهر، أن التدريب على طائرات من دون طيار سيكون أحد أهم التدريبات التي سيجريها الجيشان وتحاكي تعرض إسرائيل لكمية كبيرة من الطائرات من دون طيار في آن واحد وفحص مدى قدرة مواجهة هذه الطائرات، وبينها طائرات تحمل مواد متفجرة. لكن الطائرة من طراز «هيرمز 450»، التي أرسلها الجيش للاستطلاع وجمع معلومات استخبارية فوق لبنان، شكلت أبرز الإخفاقات التي أعلن عنها في هذه التدريبات.

فقد أجمع خبراء على أن الأضرار التي ألحقها قرار إنزال الطائرة في منطقة إسرائيلية مفتوحة، دلت على أن سلاح الجو الإسرائيلي لم يتعلم الدرس ولم يستفد من تجارب الماضي. ففي شهر كانون الثاني الأخير، تحطمت طائرة من دون طيار من طراز «إيتان». وروج لها الجيش في حملة واسعة أمام وسائل إعلام محلية وأجنبية واعتبرها الأكثر تطوراً وقادرة على التحليق 24 ساعة، وبأنها تصل إلى مسافات بعيدة تبلغ مئات الكيلومترات، حتى إيران وأبعد من إيران. وتحلق في الجو على ارتفاع 40 ألف قدم وقادرة على حمل طن من المتفجرات والأدوات. وقد أعلن في أعقاب حادثة «إيتان» عن إجراء فحص وعلاج جذري عميق للخلل لجميع الطائرات من دون طيار. ثم سقطت طائرة بلا طيار صغيرة الحجم فوق نابلس، أواسط الشهر وتبعتها الطائرة الأخيرة.

وإزاء هذا الوضع يقول خبير إسرائيلي: «هناك ضرورة لأن تتخذ إسرائيل الخطوات التي تضمن لها تسيير أمورها مع العدو المحيط بها وتقدر أجهزته الاستخبارية بحوالى 150 ألف صاروخ موجهة إلى إسرائيل، وربما يفوق العدد هذا بكثير إذا ما شملنا في حساباتنا إيران وسورية وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي».

وفوق هذا كله، دلت الخلاصات الأولية للتدريبات التي أجرتها قوات الدفاع المدني الإسرائيلية، على أن الجمهور الإسرائيلي لم يتجاوب مع طلب الجيش التعاون في هذه التدريبات. وقد خصصت لمواجهة سيناريو خطير لسقوط آلاف الضحايا وتدمير عشرات ألوف البيوت نتيجة هزة أرضية أو نتيجة تفجيرات مدمرة من إيران وأذرعها. والتفسير الأكثر واقعية لهذا النكوص هو أن المواطنين الإسرائيليين لا يأخذون بجدية التهديدات بالحرب ويشعرون بأن المسألة تهدف إلى خدمة مصالح كل من نتانياهو وباراك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى