Take a fresh look at your lifestyle.

ماذا يعني بينيت بـ”تقليص الصراع” مع الفلسطينيين وكيف يلتقي هذا المفهوم مع أجندة الصهيونية الدينية؟

0 459

  وليد حباس *- 2/8/2021 

عندما تولى نفتالي بينيت رئاسة الحكومة الاسرائيلية توجه في خطاب إلى الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي تناول فيه، من جملة ما تناوله، موقفه من القضية الفلسطينية. في هذا الخطاب أطلق بينيت بعض العبارات التي يمكن من خلالها أن نستقرئ سيناريوهات مستقبلية لحكومته. فقد قال إن على “الفلسطينيين أن يتحملوا المسؤولية عن أفعالهم وأن يفهموا أن العنف سيواجه برد حاسم”. كما أنه أكد أن “الهدوء الأمني وانشغال [الفلسطينيين] بالشؤون المدنية سيؤديان إلى تطورات في المجال الاقتصادي وتقليل الاحتكاك [مع الجيش الإسرائيلي] وإلى تقليص الصراع.[1]” قد يبدو هذا التصريح مألوفاً للفلسطينيين ويندرج تحت ما يمكن تسميته سياسة العصا والجزرة التي تعود إلى الأيام الأولى في أراضي 1967.[2] لكن الأمر ليس كذلك تماما.

في الحقيقة، مقولة “تقليص الصراع” هي مقولة جديدة تدخل إلى القاموس السياسي الإسرائيلي، وهي من إنتاج أستاذ التاريخ الإسرائيلي ميخا غودمان الذي تحول إلى “سوبر ستار” في السنتين الأخيرتين. إلى جانب طاقم بينيت المكون من المختصين ورجالات الاستخبارات والساسة المخضرمين والمستشارين التكنوقراط، فإن غودمان هو أحد الأشخاص الذي يقوم بينيت باستشارتهم باستمرار، سيما بعد توليه منصب رئاسة الحكومة. بل ان عبارة “تقليص الصراع” التي استخدمها بينيت في خطابه مأخوذة من كتاب غودمان الذي يحمل عنوان “مصيدة 67” والذي صدر العام 2017. كما أن بينيت كان قد نشر على صفحته على الفيسبوك في أيار 2017، تقييما للكتاب وقال إنه قد لا يتفق مع كل ما جاء فيه، الا أنه يعد عملا لامعا ومثيرا للنقاش البناء.[3]

بكل تأكيد، غودمان لا يتحدث عن “حل الصراع” ولا عن “إدارة الصراع” وإنما يجلب معه مفهوما جديدا ومثيرا للجدل من حيث مضمونه السياسي وتطبيقه العملي وهو “تقليص الصراع”.

في هذه المقالة، سأقوم بمراجعة سريعة لأهم أفكار غودمان والمتعلقة بتقليص الصراع، مشيرا إلى الأسباب التي تجعل هذا المفهوم مستساغا لدى رئيس الحكومة بينيت.

أراضي العام 1967 هي مصيدة؛ إذن “لنقلص الصراع”!

ينطلق ميخا غودمان في كتابة “مصيدة 67” من فرضيات أساسية باعتبارها مسلمات نهائية غير قابلة للنقاش، ويبني عليها باقي أطروحته. إحدى هذه المسلمات هي أن الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني كان قد بدأ مع احتلال أراضي العام 1967. والسبب هو أن غودمان يريد أن يقارب القضية الفلسطينية منطلقا من النقاشات الفكرية والخلافات الأيديولوجية داخل إسرائيل، وليس من خلال رصد للجذور التاريخية للصراع. بالنسبة للإسرائيليين (وهو يركز على اليسار واليمين الصهيونيين) فإن هناك توافقا تاما على حق إسرائيل في القيام على أراضي 1948، بيد أن الجدال الحاصل هو حول أراضي 1967. الافتراض الثاني الذي يسوقه غودمان هو أن الصراع داخل إسرائيل على مصير أراضي العام 1967 هو صراع غير قابل للحل، ولن يزول، بل سيبقى ملازما للمجتمع الاسرائيلي إلى الأبد.

وعليه، فإن “إدارة الصراع” الذي يعتبر غير قابل للحل لا يمكن أن تكون خيارا استراتيجيا على المدى البعيد. وعليه، يقترح غودمان “تقليص الصراع”. ويقصد بتقليص الصراع التقليل قدر الإمكان من كل مظاهر الاحتلال (دون تفكيكه)، وتقليل الاحتكاك ما بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي والمستوطنين (بدون إنهاء السيادة الإسرائيلية على أراضي “ج”)، وتقديم تسهيلات حياتية واقتصادية ملموسة. حسب غودمان، هذا من شأنه أن “يعزز الانطباع بالسيادة الفلسطينية من الناحية الرمزية ويقلل من السيطرة [الإسرائيلية] على الفلسطينيين من الناحية العملية[4] ،” وبالتالي سينهي أسباب وجود صدامات شعبية أو تذمرات دبلوماسية.

وقبل شرح الخطوات العملية الثماني التي يقترحها غودمان لتقليص الصراع، لا بد من تقديم نقد كامل للسياق الذي أوصل غودمان لهذا المقترح، وذلك من خلال قراءة نقدية لكتابه “مصيدة 67. و”مصيدة” هي أفضل ترجمة نجدها لكلمة “ميلكود” بالعبرية، والمعنى المقصود هو المكان الذي يدخله الشخص ولا يستطيع الإفلات منه. يعتبر غودمان مؤرخا انتقائيا وصاحب أسلوب مغمور بالتشويق والجاذبية. وهو يرى أن حرب العام 1967 أدخلت الاسرائيليين في حالة نشوة لا حدود لها، الأمر إلى أدى إلى تغييرات عظمى في الفكر السياسي لكل من اليسار واليمين الصهيونيين. بالنسبة لليسار، فإن حرب العام 1967 تعتبر اللحظة التي تحولت فيها الهوية الفكرية لليسار الصهيوني من يسار اشتراكي تعاوني إلى “يسار صاحب مشروع سلام”. فجأة، رأى اليسار العلماني نفسه يسيطر على الضفة الغربية، سيناء، الجولان وغزة، وهي كلها أراض تريدها الدول العربية المجاورة ويمكن مقايضتها مع العرب وفق مبدأ “الأرض مقابل السلام”. لقد أعاد اليسار الصهيوني العلماني تشييد قصره الأيديولوجي بناء على فكرة “خلاص اليهود من الكراهية واللاسامية” من خلال تطبيع العلاقات مع الدول العربية بعد مقايضتها على الأراضي المحتلة، وهكذا تتحول إسرائيل إلى دولة طبيعية، وهو إنجاز قد لا يقل أهمية عن إنجاز إقامة الدولة. العراب الرئيس لهذا التحول هو شمعون بيريس في كتابه “الشرق الأوسط الجديد”.[5] بالنسبة لليمين، فإن حرب العام 1967 تعتبر اللحظة التي تعانقت فيها الهوية الفكرية لليمين الصهيوني مع أفكار الخلاص الإلهي والعودة إلى أرض إسرائيل الكاملة. إن العودة إلى “شخيم” (نابلس) و”حفرون” (الخليل) و”بيت إيل” وغيرها من الجغرافيات التوراتية، بدا وكأنه تحقيق للنبوءة الربانية باقتراب الخلاص اليهودي ومجيء المسيح. لا أحد كان قادرا على أن يوقف تسونامي الصهيونية الدينية والتي خيمت معتقداتها على كل اليمين الصهيوني. ترى الصهيونية الدينية أنه وبمجرد أن حقق الله ثاني النبوءات بالعودة إلى الضفة الغربية (أولى النبوءات كانت بإقامة الدولة)، فإن باقي النبوءات وصولا إلى الخلاص النهائي حتما آتية، وخصوصاً إقامة الهيكل في جبل الهيكل والاستيطان الكثيف في الأرض المحتلة. “فالله لا يقوم بالمعجزات بالصدفة”.[6] العراب الرئيس لهذا التحول هو الراب تسفي يهودا كوك الابن.

بيد أنه وبعد أكثر من 50 عاما على احتلال أراضي العام 1967، دخلت الأيديولوجيتان، السلام اليساري والخلاص اليميني، إلى أزمة. يمكن رؤية أراضي العام 1967 بمثابة مصيدة لأن الانسحاب من أراضي 1967 (حسب الأجندة اليسارية) سيهدد أمن إسرائيل، وسيحول تل أبيب إلى مدينة شبيهة ببلدة سديروت على حدود غزة. أما إبقاء الإسرائيليين في الضفة الغربية (حسب الأجندة اليمينية) فيعني تحويل اليهود إلى أقلية وسط أغلبية عربية ما بين النهر والبحر، وبالتالي التحول إلى دولة أبارتهايد.

وقد انعكست هاتان الأزمتان، اليسارية واليمينية، على الأجندة السياسية للأحزاب، الأمر الذي دفع غودمان إلى ابتداع مفهوم “تقليص الصراع”. بالنسبة للأحزاب اليسارية، فإنها غير قادرة تماما على إنهاء الاحتلال وتحقيق انسحاب شامل من أراضي العام 1967 لعدة أسباب، أهمها أنها غير قادرة على ضمان “أمن إسرائيل” بعد الانسحاب. ناهيك عن عدم قدرتها على إقناع المتدينين الذين يرون في التنازل عن أراضي الضفة بمثابة مخالفة واضحة للتعاليم الدينية، بل وكفر يستوجب العقاب الإلهي. بالنسبة لأحزاب اليمين، فإن برنامجها السياسي تحول إلى برنامج “الحفاظ على أمن إسرائيل” والذي أصبح ذريعة (وأحيانا سببا معقولا بالنسبة لغودمان) لعدم الانسحاب.[7]

في المقابل لا أحد يتحدث عن أحزاب الوسط، والتي يراها غردمان أحزابا صاعدة ولها مستقبل في إسرائيل، لكنها لا تمتلك أي برنامج سياسي فيما يخص القضية الفلسطينية والأراضي المحتلة. هنا يقدم غردمان برنامجه حول “تقليص الصراع” ويعرضه على أنه ملائم لأحزاب الوسط الصهيوني، وأنهم قادرون من خلاله على أن يجمعوا تناقضات اليسار واليمين، وأن يخلقوا حلا وسطا تجمع عليه كافة الأطراف.

تقليص الصراع يقوم على ثماني خطوات

في العام 2019، استكمل غودمان مقاربته السياسية وكتب مقالا مثيرا للجدل في المجلة الإسرائيلية الشهرية “ليبرال (liberal)” تحت عنوان: “ثماني خطوات لتقليص الصراع”[8]. بعض هذه الخطوات يتعلق بالشؤون المدنية الحياتية والبعض الآخر يتعلق بالشؤون الاقتصادية. لكنها جميعها تنطلق من افتراض أن “تقليص الصراع” يكون باتخاذ خطوات جريئة من قبل إسرائيل من شأنها أن تقلل الاحتكاك ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، دون أن تعد بحلول سياسية سيادية من جهة، ودون أن تهدد من إسرائيل من جهة أخرى. وهذه الخطوات هي:

  1. ربط كل مناطق “أ” و”ب” داخل الضفة الغربية مع بعضها البعض من خلال إنشاء بنية تحتية من الشوارع السريعة والأنفاق والجسور. والهدف أن يتنقل الفلسطيني من الخليل إلى جنين مرورا بأريحا بدون أن يشعر أنه تحت احتلال وبدون أن يلتقي بجندي إسرائيلي واحد أو يتوقف عند حاجز. خصوصا عندما تستلم السلطة الفلسطينية السيادة على هذه الشوارع، فإن الواقع المرير الذي يعيشه الفلسطيني سيتغير بشكل دراماتيكي.
  2. 2. مصدر آخر للصدامات ما بين الجيش الاسرائيلي والفلسطينيين هو الحق في السكن والتوسع الطبيعي داخل الضفة الغربية. وعليه تطرح الخطوة الثانية منح مساحات إضافية للسلطة الفلسطينية تكون على أطراف القرى والمدن وهي أطراف قام الفلسطينيون أصلا بالتوسع عليها بشكل “غير قانوني”. ويمكن ضرب عصفورين بحجر، إذ أن إقامة بنية تحتية لربط المناطق الفلسطينية سيتطلب أن تقدم إسرائيل “تنازلات” في المناطق “ج” والتي يمكن أيضا الاستفادة منها للتوسع العمراني والتكاثر الطبيعي.
  3. السفر إلى الخارج هو من أهم التجارب التي تجعل الفلسطيني يشعر بوجود الاحتلال. إن توسيع جسر اللنبي وتسهيل تنقل الفلسطينيين سوف لن يضر بالأمن الإسرائيلي، لكنه لا يكفي أيضا. يقترح غودمان إضافة إلى ذلك افتتاح محطة مغادرين في الضفة الغربية تكون مرتبطة مباشرة مع مطار بن غوريون، وتسيير خط حافلات (shuttle) بينهما. هذه القضية وحدها قادرة على أن تحدث نقلة نوعية في مفهوم الفلسطينيين حول الاحتلال.
  4. زيادة عدد تصاريح العمال الفلسطينيين ليصلوا إلى حوالى 400 ألف.
  5. تخصيص مساحات في المنطقة “ج” لغرض إنشاء مدن صناعية.
  6. ربط التجار الفلسطينيين بخطوط مباشرة مع الموانئ البحرية والجوية الإسرائيلية على نمط الخطوط اللوجستية المسماة “باب إلى باب” (Door-to-Door) والتي ستعفي التاجر الفلسطيني من المرور عبر المعابر التجارية المرهقة من خلال فتح مسار “آمن” له.
  7. إلغاء اتفاقية باريس الاقتصادية التي يعتبرها الفلسطينيون بأنها إعادة إنتاج للاحتلال بأدوات اقتصادية. ويقترح غودمان منح استقلالية اقتصادية شبه كاملة للفلسطينيين.
  8. انضمام إسرائيل إلى جهود القيادة الفلسطينية الرامية إلى الاعتراف بفلسطين كدولة في الأمم المتحدة! بيد أن اعتراف العالم يجب أن يكون اعترافا بدولة فلسطين وليس اعترافا بحدودها. هذا قد يفتح الباب لتحول السياسات الإسرائيلية من سياسات “الضم الزاحف” إلى سياسات “الانفصال الزاحف” بدون التزامات جغرافية مقيتة.

هذه الخطوات التي يعرضها غودمان ليست مجرد بنات أفكاره. فهو يدعي أنه وصل إليها بعد أن تشاور مع العديد من المختصين وضباط الجيش وغيرهم. من الواضح أن “تقليص الصراع” يهدف إلى إبقاء 60% من مناطق الضفة الغربية تحت السيادة الإسرائيلية، وفي أحسن الحالات “التنازل” عن 2-5% من مناطق الضفة الواقعة في المنطقة “ج” لصالح الخطوتين الأولى والثانية. ثم إنه يقترح منح إقامة دائمة (على غرار الهوية المقدسية) للفلسطينيين الذين سيبقون في المناطق “ج” وربطهم منفعيا مع المؤسسة الإسرائيلية. لكن الأهم من كل ذلك، هو أن غودمان، كأستاذ تاريخ، يخطئ في قراءة تاريخ الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، ويصور الصراع باعتباره هبة فلسطينية للمطالبة بتسهيلات حياتية. بمعنى أنه يهمل حق تقرير المصير، والمشاعر القومية والوطنية لدى الفلسطينيين والمتمثلة في إصرارهم على إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس. كما أنه لا يتناول قضية اللاجئين والمياه الموارد الطبيعية والقدس. والسبب هو ببساطة لأن خطته لا ترمي إلى إنهاء الصراع ولا إلى إدارة الصراع، وانما تهدف إلى تقليص الصراع.

لقد تلقف نفتالي بينيت هذا المفهوم وكأنه هدية من السماء. فمفهوم تقليص الصراع يتلاقى كليا (وليس جزئيا) مع الأجندة الصهيونية الدينية، وخصوصا مع برنامج بينيت الاستيطاني، ويبقى على حق المستوطنين في البناء داخل “أرض الميعاد”، ويحافظ على أمن إسرائيل. وبينما أراد غودمان أن يطرح خطة تكون مخرجا من “مصيدة 67” بحيث يقدم بديلا عن برنامج اليسار السلامي وبرنامج اليمين الخلاصي وقاسما مشتركا يجمع عليه الطرفان، فإنه وقع هو نفسه في المصيدة وجاء بخطة يمينية بامتياز. فليس في خطة “تقليص الصراع” أي تضمين للأجندة السياسية اليسارية والمتمثلة بإنهاء الاحتلال. بل إن ايهود باراك، زعيم حزب العمل في السابق، كان قد انتقد خطة غودمان ووصفها بأنها انحياز مطلق للأجندة اليمينية المتطرفة.[9]

التعامل الرسمي الإسرائيلي مع “خطة تقليص الصراع”

إن تقليص الصراع لدى غودمان يختلف كليا عن مفهوم “السلام الاقتصادي” الذي كان يفسر النهج السياسي لبنيامين نتنياهو مع القضية الفلسطينية خلال العقد ونيف السابق. فعقيدة نتنياهو كانت تستند إلى زيادة السيطرة على الفلسطينيين، ومراقبتهم، والتحكم في مفاصل حياتهم من جهة، وتقديم تسهيلات اقتصادية إنعاشية من جهة أخرى. وعليه، لم يجد نتنياهو نفسه مضطرا لخوض أي عملية سياسية مع الفلسطينيين في السنوات الأخيرة. بيد أن تقليص الصراع يقوم على عقيدة نقيضة مفادها إنهاء السيطرة المباشرة على الفلسطينيين وإنهاء أي احتكاك بينهم وبين الإسرائيليين. ويمكن النظر إلى “تقليص الصراع” على أنها إعادة إنتاج لرؤية موشيه ديان حول “الاحتلال الخفي” الذي كان يعني الإبقاء على هياكل الاحتلال والاستمرار في السيطرة الفعلية على الأرض ومصير السكان الفلسطينيين، بدون أن يشعر الفلسطينيون بذلك. والسبيل الوحيد لأن لا يشعروا بذلك، هو أن يتم منحهم شعوراً حقيقياً بأنهم أحرار وأنهم غير مضطرين إلى مقابلة جندي إسرائيلي في كل مرة يغادرون منزلهم. بل إن منحهم “سيادة رمزية” بدلاً من السيادة الفلسطينية الحالية التي تآكلت قد يكون حجر الأساس في تقليص الصراع.

ولا بد من الإشارة إلى أن عدداً من النقاط الثماني الواردة أعلاه ضمن خطة تقليص الصراع، قد تم تطبيقها بالفعل على شكل خطوات جزئية صغيرة، بعضها بشكل عملي والبعض الآخر بشكل نظري. 1) بخصوص ربط مناطق “أ” و”ب” من خلال شبكة شوارع فلسطينية، فقد قطع المشروع شوطا لا يستهان به على المستوى النظري لا العملي. وقد طور قسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي قبل حوالي 20 عاما خطة أسماها “الجميع يتدفق”، ومن ثم أرسلها إلى شركات خاصة لتطويرها. بالفعل تطورت هذه الخطة بشكل “مهني” لدى القطاع الخاص والذي أشرف عليها بشكل مباشر هو د. داني تيرزا،[10] وهو ضابط سابق في الجيش لكنه اليوم يشغل منصب أحد أهم الباحثين في معهد القدس لشؤون المجتمع والدولة[11] (وهو think tank تابع لليمين الصهيوني الجديد). 2) فيما يخص زيادة عدة التصاريح، فإن حكومة بينيت كانت قد صادقت خلال الشهر الأول من ولايتها على زيادة كوتة التصاريح لعمال البناء بحوالي 15 ألفا. ومن المرجح على ضوء الإصلاحات الزراعية التي تقدمها حكومة بينيت أن تتم زيادة عدد تصاريح الزراعة بشكل ملموس في الوقت القريب.       [12] 3) قبل بدء جائحة كورونا، وافقت إسرائيل على منح العديد من الفلسطينيين حق استخدام مطار بن غوريون بشكل حر، خصوصا الفلسطينيين الذين يملكون معاملات لم شمل.[13] 4) فيما يخص ربط التجار الفلسطينيين بالخطوط اللوجستية الأمنة (door-to-door)، فإن المشروع قد انطلق بالفعل في آذار 2018، ويصل عدد التجار المستفيدين منه إلى حوالي 30 موزعين ما بين الخليل ونابلس وجنين ورام الله، وهؤلاء التجار مسؤولون عن حوالي 60% من صادرات الضفة إلى إسرائيل.[14]

قد يعتقد البعض أن هذه الخطوات العملية والنظرية التي تم تنفيذها حتى اليوم هي مجرد خطوات بسيطة لا ترتقي إلى ما يسميه غودمان خطة تقليص الصراع. لكن الأمر على العكس من ذلك تماما. فخطة غودمان تقوم بالأساس على مبدأ “إحداث خطوات صغيرة جدا، وبشكل متتابع ومكثف… للوصول إلى تغيير جوهري” والمتمثل بتقليص الصراع. لهذا الغرض، يتجنّد العديد من الإسرائيليين[15] لدعم مفهوم تقليص الصراع والقيام بحملات إعلامية ومبادرات سياسية للترويج لهذه الخطة التي تمنح الفلسطينيين “مشاعر بالحرية” حتى بدون إقامة دولة. كما أنها تضمن أمن إسرائيل، ولا تشمل انسحاباً من أراضي “ج”. من وجهة نظر نفتالي بينيت إذن هي صفقة مناسبة للجميع.

* عن مركز مدار – المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلي “مدار”.

مراجع:

  1. باراك رفيد، “مسؤول أميركي كبير: بايدن سيمنح بينيت وقتا ويعطي فرصة لحكومته لكي تستقر”، https://news.walla.co.il/item/3442355.
  2. Shlomo Gazit, The Carrot and the Stick: Israel’s Policy in Judaea and Samaria, 1967-68 (Washington, D.C: B’nai B’rith Books, 1995). 
  3. انظر حساب نفتالي بينيت على الفيسبوك على الرابط التالي: https://www.facebook.com/NaftaliBennett/posts/1431701746851489:0 Micah Goodman, Catch-67: The Left, the Right, and the Legacy of the Six-Day War (New Haven: Yale University Press, 2018), 157. 
  4. Micah Goodman, Catch-67: The Left, the Right, and the Legacy of the Six-Day War (New Haven: Yale University Press, 2018), 157. 
  5. Ibid., 57. 
  6. Ibid., 65–66. 
  7. Ibid., 73. 
  8. ميخا غودمان، “ثماني خطوات لتقليص الصراع”، ليبرال- مجلة اسرائيلية سياسية شهرية، 2019، https://bit.ly/3laDoOB.
  9. إيهود باراك، الفرق ما بين اليسار واليمين- مثل الفرق ما بين المعتقدين بنظرية التطور وأولئك الذي ينكرونها، هآرتس، 2017، https://www.haaretz.co.il/literature/study/.premium-MAGAZINE-1.4083765.
  10. دافنا ليئيل، “خطة تقليص الصراع (إعادة)”، عوسيم بوليتيكا، n.d., https://apple.co/3idduYs.
  11. مركزالقدس لشؤون المجتمع والدولة، الباحثون، 2021، https://bit.ly/3xeGUdg.
  12. إلعاد سمحايوف وغاي فيرون، “الثورة الزراعية”، آحاد بيوم، 2021. على الرابط التالي: https://apple.co/3C3dBxC
  13. انظر بيان وزارة الداخلية الإسرائيلية من شباط 2020، على الرابط التالي: https://bit.ly/3BU9WCt
  14. Walid Habbas, “Economic Interventions of the Israeli Civil Administration in the West Bank,” Roundtable (Ramallah: Palestine Economic Policy Research Institute (MAS), 2021), http://www.mas.ps/files/server/20210104144702-1.pdf.
  15. انظر مثلا، الموقع الإلكتروني “مبادرة لتقليص الصراع” على الرابط التالي: https://www.tzimzum.org.il

مركز الناطور للدراسات والابحاث Whatsapp

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.