ترجمات أجنبية

كذبة ليبيا وحقيقة اختطاف الربيع العربي وفشل سياسات أوباما

مركز الناطور للدراسات والابحاث

 لا تتعلق المشكلة بالخطاب الأميركي الذي يصر على لوم الفيديو المسيء للإسلام، بل إن قصة نجاح ليبيا مزيفة من أساسها.

يبدو أن معظم الأمور التي سمعناها عن ليبيا خلال السنتين الأخيرتين غير صحيحة.

كان يُفترض أن تشكل ليبيا الحرة إثباتاً على نجاح “سياسة إعادة ضبط العلاقات” التي يطبقها الرئيس أوباما في الشرق الأوسط، فحين اندلعت حركة التمرد هناك، انضمت الولايات المتحدة إلى فرنسا وبريطانيا لقصف معمر القذافي وإسقاطه من الحكم، ما ساهم وفق بعض الادعاءات في تعزيز نظام ديمقراطي خلال الربيع العربي. لم يسقط أي شخص أميركي ضحية تلك الحملة.

كان يُفترض أن يقدّر الليبيون، مثل معظم شعوب العالم العربي، قيمة السياسة الخارجية الأميركية الجديدة. أشاد أوباما، خلال خطاب القاهرة في يونيو 2009، بالإسلام واعتذر نيابةً عن الغرب. قيل إن سياسة متعددة الجوانب مبنية على “القيادة من وراء الكواليس” حلّت مكان عمليات التدخل الإمبريالية التي قادها جورج بوش الابن في الماضي.

كذلك، كان يجب أن يكسب أوباما قلوب وعقول الليبيين بعد كابوس عهد القذافي بفضل هويته العرقية المختلطة وإرث والده المسلم. خلال المؤتمر الديمقراطي هذا الصيف، تحدث مناصرو أوباما عن نجاحات سياسته في الشرق الأوسط: مقتل أسامة بن لادن، وإضعاف “القاعدة”، واستبدال الحكام الدكتاتوريين بالإصلاحيين خلال الربيع العربي.

للحفاظ على فاعلية تلك الرسالة المشرقة حتى انتخابات شهر نوفمبر، كانت إدارة أوباما ووسائل الإعلام مستعدة لتجاهل جميع الأحداث المزعجة أو توصيفها بطريقة خاطئة. طالبنا الأمم المتحدة بقرار لتقديم المساعدات الإنسانية وفرض حظر جوي تمهيداً للتدخل في ليبيا، ثم تجاوزنا عمداً ذلك القرار من خلال قصف قوات القذافي، وذلك بعد تجاوز اعتراضات الكونغرس الأميركي والحصول على موافقة جامعة الدول العربية.

لم تكن ليبيا محررة بمعنى الكلمة حين بدأت تغرق في الفوضى الناجمة عن الخلافات القبلية. أُعدم مناصرو القذافي السابقون والمرتزفة الأفارقة على يد الأشخاص الذين ساعدناهم. بدأ الإسلاميون يرسخون قوتهم ويدنسون المقابر العسكرية البريطانية ويطردون الغربيين.

في الذكرى الحادية عشرة من اعتداءات 11 سبتمبر، اقتحمت مجموعة إسلامية متطرفة القنصلية الأميركية في بنغازي وهي تحمل أسلحة ثقيلة، ما أدى إلى مقتل السفير كريس ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين.

رداً على ذلك، أصر المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني، ومدير الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر، والسفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس، على أن أعمال القتل تلك كانت عبارة عن تظاهرة عفوية خرجت عن السيطرة ولا أهمية كبرى لها. وفق هذه النظرية، بالغ بعض المتظاهرين في ردود أفعالهم واقتحموا القنصلية بسبب غضبهم من الفيديو المسيء للإسلام الذي صنعه شخص أميركي ونشره على الإنترنت. كان ذلك الغضب “طبيعياً” بحسب رأي الرئيس.

لكن لماذا تزامن ذلك الغضب الناجم عن فيديو منشور على الإنترنت منذ أشهر عدة مع ذكرى اعتداء 11 سبتمبر؟ هل يحمل المتظاهرون في العادة قذائف صاروخية وقذائف هاون وأسلحة ثقيلة؟ لماذا نسبت الحكومة الليبية تلك الأعمال إلى فرع “القاعدة” إذا كانت إدارة أوباما لم تفعل ذلك؟

لنضع تلك الأسئلة جانباً. خلال معظم فترات شهر سبتمبر، تمسك المسؤولون اليائسون في الإدارة الأميركية بالنظرية القائلة إن الكارثة الليبية كانت نتيجة فيديو بغيض. في الأمم المتحدة، انتقد الرئيس ذلك الفيلم المبتذل. كذلك، أسفت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون لحصول أعمال العنف العفوية حين كانت تتحدث بالقرب من نعوش الأميركيين المقتولين.

لكن لم تتوقف الحقائق المزعجة عن الظهور: كان السفير ستيفنز قد حذر وزارة الخارجية بشكل متكرر من اقتراب أعمال العنف من جانب الإسلاميين. كذلك، حث الفريق الأمني من دون جدوى على تشديد أمن القنصلية، ما دفع بالضابط الأمني الإقليمي السابق، إريك نوردستروم، إلى قول إن “عناصر طالبان كانوا داخل المبنى”. كشف فيديو الاعتداء عن عدم حدوث أي تظاهرات على الإطلاق، بل مجرد اعتداء إرهابي شامل.

تزامناً مع تبدد النظرية التي تتحدث عن تظاهرات عفوية، حاول مسؤولون في الإدارة الإميركية إنقاذ الموقف وإنقاذ سياستهم المثالية في الشرق الأوسط. أدلى نائب الرئيس جو بايدن خلال مناظرة الأسبوع الماضي بتصريح فاضح مفاده أن الإدارة لم تتبلغ يوماً أن الأميركيين في ليبيا طلبوا تعزيز التدابير الأمنية. هو ضحى بالوكالات الاستخبارية التي فشلت كما قال في تحذير الإدارة من التهديدات المرتقبة.

لم يركز خطاب الإدارة الجديد على لوم فيديو واحد فحسب بل إنه لام وكالات الاستخبارات لأنها ضلّلتها بشأن تهديد “القاعدة” في القنصلية الأميركية، كما أنه لام حملة رومني لأنها طالبت بأجوبة وافية حول السفير المقتول ورفاقه. في غضون ذلك، كانت وزارة الخارجية الأميركية وحملة أوباما ووكالات الاستخبارات تتبادل الاتهامات.

لكن لم تستطع إدارة أوباما الاعتراف بالحقيقة: تبين أن سياسة التدخل من وراء الكواليس في ليبيا لم تنجح في شيء: لقد غرقت ليبيا في الفوضى، فقد خطف الإسلام المتطرف الربيع العربي أو أعاق مساره. ولم تتفكك “القاعدة” بعد مقتل بن لادن أو بعد عمليات الاغتيال بالطائرات بلا طيار في باكستان. بدأت مصر تتحول إلى كيان إسلامي وكانت سورية قد غرقت في فوضى دموية.

على صعيد آخر، كانت إيران في طريقها إلى التحول إلى قوة نووية، كذلك، لم ينجح أوباما في تحسين نوايا الشرق الأوسط تجاه الولايات المتحدة أكثر من الرؤساء السابقين.

بعبارة أخرى، كانت تجربة الإدارة الأميركية في ليبيا (وفي معظم أنحاء الشرق الأوسط عموماً) مجرد كذبة فاضحة!

كتب: Victor Davis Hanson

قسم الترجمة – الجريدة – 23/10/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى