#شؤون إسرائيلية

شادي محسن: محددات مختلفة: قراءة في تطورات المزاج العام الإسرائيلي

شادي محسن 10-9-2022م

يَغلُب على القراءات البحثية المعنية بتفكيك العقل الإسرائيلي، اعتبار مفهوم “الأمن” هو المحدد الأول والرئيسي لفهم وتفسير السلوك والقرار السياسي الإسرائيلي. لذلك يدخل في تفسيرات العملية الإسرائيلية الأخيرة في غزة الأبعاد السياسية وحضور ظاهرة “التسييس” لكسب أسهم سياسية لدى الجمهور الإسرائيلي في انتخابات مقبلة، وهو ما يعني أن المستفيد الأول من العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة هو وزير الدفاع الإسرائيلي “بيني جانتس” زعيم حزب أزرق أبيض.

يبقى السؤال المطروح: هل لا يزال مفهوما الأمن والحرب هما محددات العقل والسلوك الإسرائيلي؟

الصورة العامة

1- أطلق رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق “نفتالي بينيت” مبادرة تشكيل الحرس المدني-الوطني لمواجهة العنف الذي انفجر بين العرب واليهود أثناء الحرب الرابعة في غزة (مايو 2021). وهو مشروع تشكيل مسلح شبه عسكري يشمل شرطة حرس الحدود ومتطوعين مدنيين قادرين على حمل السلاح، وتعزيز الجبهة الداخلية لتوفير الحماية والأمن الشخصي.

2- أطلقت الأجهزة الأمنية والعسكرية في إسرائيل عملية “كاسر الأمواج” في مارس 2022 في الضفة الغربية للقبض على قيادات التنظيمات المسلحة، وذلك عقب توالي الهجمات الفلسطينية داخل وخارج الضفة الغربية. عقب ذلك، شن عملية عسكرية محدودة في قطاع غزة ضد الجهاد الإسلامي عملية “الفجر الصادق” حسب ما أسماها الجيش الإسرائيلي.

3- تدخل إسرائيل معركة انتخابات عامة مبكرة، بعد حل الكنيست وحكومة نفتالي بينيت في يونيو 2022. وحسب استطلاعات الراي العام الإسرائيلي يتفوق حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو بـ 35 مقعدًا، بينما يحل ثاني أكبر حزب في إسرائيل وهو حزب “هناك مستقبل” بزعامة يائير لابيد (رئيس حكومة تسيير الأعمال الحالية) بـ 23 مقعدًا. يستطيع معسكر نتنياهو كسب 62 مقعدًا في أكثر التقديرات تفاؤلًا، وهو ما يؤهله لتشكيل حكومة يمينية متطرفة بامتياز، لذلك تميل القراءات السياسية إلى منح نتنياهو أوفر الاحتمالات حظًا بتشكيل حكومة إسرائيلية بعد انتخابات نوفمبر 2022.

4- يضم المشهد السياسي الإسرائيلي حالًيا ثلاث شخصيات سياسية بارزة قادرة على التأثير على ملامح الخريطة السياسية الإسرائيلية ومآلاتها النهائية، وهم: بنيامين نتنياهو (36 مقعدًا)، يائير لابيد (23 مقعدًا)، بيني جانتس وزير الدفاع الحالي وزعيم حزب أزرق أبيض (10 مقاعد). يحمل كل من الثلاثة أدوات تكتيكية للتأثير على ملامح السياسة الإسرائيلية مستقبلًا.

التوظيف السياسي لـ”السياسة الخارجية” و”الحرب” و”الاقتصاد”

أولًا: يائير لابيد.. السياسة الخارجية

شهد نشاط السياسة الخارجية الإسرائيلية طفرة ملحوظة تحت إدارة يائير لابيد كونه وزير خارجية ورئيس حكومة تسيير الأعمال الحالية. حرص لابيد على منح مسار التطبيع بين إسرائيل والدول العربية زخمًا أكبر على (أ) المستوى الرأسي: أي تعميق العلاقات مع الدول العربية المطبعة بالفعل مثل الأردن، والإمارات، والمغرب. إذ وقعت إسرائيل والأردن اتفاقية إنشاء منطقة صناعية مشتركة بتمويل إماراتي. كما استغلت الدعم الأمريكي في تعزيز فرص نجاح التجمع الرباعي الهندي-إبراهيمي مع الهند والإمارات. بالإضافة إلى توقيع اتفاقيات تعاون شاملة مع المغرب في مجالات الصحة، ومكافحة الإرهاب، والتصنيع الدفاعي العسكري.

(ب) المستوى الأفقي: أي محاولة فتح قنوات جديدة مع دول عربية لم توافق على التطبيع بعد مثل السعودية ولبنان. يتضح في محاولة الولايات المتحدة تشكيل تحالف دفاعي إقليمي يجمع إسرائيل والسعودية. والتنازل الذي قدمته إسرائيل للبنان من أجل إنجاح المباحثات الأمريكية مع الحكومة اللبنانية لترسيم الحدود البحرية، ورغم ذلك انتهى الأمر مع السعودية ولبنان بالفشل.

ثانيًا: بيني جانتس.. الأداة العسكرية

أطلق الجيش الإسرائيلي عمليتين عسكريتين في وقت واحد، عملية كاسر الأمواج في الضفة الغربية التي بدأت في تاريخ 31 مارس 2022، أي قبل قرار حل الكنيست والإعلان عن انتخابات مبكرة، وعملية الفجر الصادق في قطاع غزة في تاريخ 5 أغسطس 2022، أي بعد حل الحكومة.

اختلف الخطاب السياسي لوزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتس في العمليتين، أما عملية كاسر الأمواج فاحتكر رئيس الحكومة آنذاك الخطاب السياسي الذي يبرر العملية ومدى تحقيقها الإنجازات واعتقال قيادات فلسطينية كانت مسئولة عن الهجمات المتلاحقة من بداية العام الجاري. واكتفى بيني جانتس بالتقاط الصور أثناء اجتماعه برئيس الأركان أفيف كوخافي.

أما عملية الفجر الصادق، فانعكست الصورة؛ فلم يظهر رئيس حكومة تسيير الأعمال “يائير لابيد” إلا في بعض التصريحات البسيطة في بداية العملية، ثم استدعى نتنياهو (رئيس المعارضة حتى عقد الانتخابات) في جلسة إحاطة أمنية ضمن المجلس الوزاري الأمني المصغر.

بينما بشكل عام احتكر بيني جانتس المشهد الأمني للعملية العسكرية، بدأت برفضه الدعوة لعقد مجلس الوزراء وإبقاء العملية في إطار سري تام؛ بداعي أن مجلس الوزراء هو مجلس موسع، ولم يرد جانتس تسريب وقت العملية أو رفض إطلاقها من قبل وزراء محسوبين على التيار اليساري.

ظل جانتس يدافع عن وجهة نظره بشأن عدم إطلاعه المجلس المصغر على حيثيات ووقت العملية العسكرية عبر وسائل الإعلام، وروّج لنجاح العملية في تحقيق جميع أهدافها، وموافقة الفصائل الفلسطينية في غزة على اتفاق الهدنة.

يزيد في مؤشرات حرص جانتس على احتكار مفهوم “الأمن” واستخدامه كأداة سياسية تجاه الجمهور الإسرائيلي، هو تأكيده على تعزيز فكرة الحرس المدني-الوطني (التي أعلن عنها نفتالي بينيت لأول مرة رسميًا)، حيث صرّح أنه سيجند عشرات الآلاف من المتطوعين الإسرائيليين؛ بغية تعزيز مفهوم الأمن الشخصي.

وأخيرًا، عمل على توسيع قاعدة حزبه الشعبية بين الجمهور الإسرائيلي بضم رئيس الأركان السابق “جادي آيزنكوت” إلى حزب أزرق أبيض، ملوحًا بأن حزبه سيعمل على ضمان تحييد التهديدات الأمنية.

ثالثًا: نتنياهو.. الاقتصاد

اختلف زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو عن سياسته القديمة في تسييس الأمن للتأثير على اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي، حيث لم يقفز على العملية العسكرية الأخيرة في غزة ليستغل المشهد في انتقاد السياسات الأمنية لحكومة لابيد على سبيل المثال. وإنما في الواقع فضّل (حتى قبل تنظيمه للانتخابات التمهيدية للحزب) الإعلان عن أول برامج الحزب الانتخابية وهو البرنامج الاقتصادي.

في 3 أغسطس 2022 (أي قبل انطلاق عملية الفجر الصادق بيومين اثنين)، وعد نتنياهو الجمهور الإسرائيلي بالتعليم المجاني من سن الصفر، وخفض الضرائب بما فيها الوقود، وتجميد الضرائب على الممتلكات والإجراءات في مجال الإسكان.

يستغل نتنياهو بقاءه فترة طويلة على رأس السلطة، حيث شهدت فترته تحسنًا اقتصاديًا ملحوظًا، وأدى إلى رفع التصنيف الائتماني لإسرائيل إلى أحد أعلى المستويات في العالم.

علاوة على أن نتنياهو لم يصرح مطلقًا بعزمه تشكيل حكومة يمينية خالصة، بل دعا إلى تشكيل حكومة موسعة تشمل أغلب التيارات.

اتجاهات المزاج العام الإسرائيلي

بالنظر إلى استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي بعد اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، وبعد العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في غزة. يمكن استخلاص مجموعة من الاتجاهات الرئيسية، هي:

سيؤيد 44% من الإسرائيليين الحزب الذي يهتم بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية في إسرائيل، نتيجة ارتفاع معدل التضخم، والبطالة مقارنة بالأعوام الماضية. بينما قبل اندلاع الحرب الروسية كان يرى 34% من الإسرائيليين أن الوضع الاقتصادي يتقدم كأولوية أولى على الأوضاع الأمنية.

يرى 60% من الشباب الإسرائيلي (بين سن 18 إلى 35 عامًا) أن الاقتصاد هو المحدد الرئيسي لاختياراتهم السياسية وتقييمهم للثقة السياسية تجاه حكوماتهم.

يرى 88% من الإسرائيليين أن الوضع الأمني لا يتصدر اهتماماتهم الانتخابية، يشملهم 55% من الإسرائيليين متفائلون بقوة تجاه الأوضاع الأمنية. ولكن قبل اندلاع الحرب الروسية كان يرى 30% من الإسرائيليين أو الوضع الأمني هو الأولوية الأولى.

يشعر 100% من الشباب الإسرائيلي بالسخط تجاه قوانين العمل، وفرص الادخار، ومستقبل السلوك الاستهلاكي للشباب على شراء السلع والخدمات. و88% من الشباب يشتكي الاستقرار المهني والوظيفي، ويطالبون الحكومة بتكثيف البرامج التدريبية على المهارات.

يقرر 75% من الإسرائيليين بشكل عام انتخاب أحزاب المعارضة في الكنيست، أي معسكر نتنياهو اليميني.

يرى 95% من الشباب الإسرائيلي أن هناك انقسامًا أيديولوجيًا في إسرائيل يهدد مستقبلها، ويقترحون إنشاء مجلس مصالحة وطنية لرأب الصدع الأيديولوجي بين التيارين اليميني واليساري.

يؤيد 14% فقط من الإسرائيليين بشكل عام الأحزاب الإسرائيلية التي تهتم بمسألة علاقة الدين بالسياسة.

يرى 73% من الإسرائيليين بشكل عام أن إسرائيل تسير في اتجاه خاطئ، إذ تصرف انتباهها عن قضايا مصيرية ذات أهمية أكبر من قضايا الأمن.

لم تأخذ إسرائيل (على مستوى الحكومة) الاعتبارات الاقتصادية الجديدة الطارئة على المشهد، خاصة بعد أزمة كورونا. إذ يعيش 2،540،000 شخص في إسرائيل في فقر (27. 6٪ من السكان)، منهم 1،118،000 أطفال (36.9٪). ويشير تقرير التأمين الوطني (ديسمبر 2021) إلى ارتفاع معدل الفقر بين العائلات التي يعمل فيها واحد على الأقل من معيل الأسرة لحسابه الخاص.

تشكل هذه الظواهر المنتشرة على نطاق واسع تحديًا اجتماعيًا هائلًا يتطلب اتباع نهج حكومي منهجي وتحول نموذجي حاد في سلسلة من القضايا الأساسية، بما في ذلك البنية التحتية والتعليم والتوظيف والإسكان. لكن هذا لا يحدث عمليًا، والإصلاحات التي تمت الموافقة عليها في ميزانية إسرائيل لا تغير الصورة.

الخلاصة

بناء على ما سبق يمكن القول إن أغلب استطلاعات الرأي تمت على فترات زمنية متفاوتة؛ قبل وأثناء وبعد العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في غزة. وانتهت إلى بروز ظاهرة جديدة تحيل مفهوم الأمن والحرب إلى مرتبة متأخرة قليلًا بعد الاقتصاد (كأولوية أولى) في اتجاهات المزاج العام الإسرائيلي.

وفي واقع الأمر، يقترب نتنياهو كثيرًا من اتجاهات المزاج العام الإسرائيلي عبر تبنيه المقترب الاقتصادي في الترويج لنفسه سياسيًا بين الجمهور الإسرائيلي؛ لكسب مزيد من المقاعد حتى موعد الانتخابات. لا سيما وأنه حسب استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية؛ فإن 25% من الإسرائيليين لم يقرر نهائيا بعد التصويت لحزب معين، بينما يراهن رئيس الحكومة الحالي وزعيم حزب هناك مستقبل “يائير لابيد” على الترويج لصورة إسرائيل خارجيًا من خلال تفعيل نشط للسياسة الخارجية الإسرائيلية. أما بيني جانتس فتدخل محاولاته ضمن محاولات الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية من أجل إحاطة العقل الإسرائيلي في إطار مفهوم الأمن، وتسييس هذا المفهوم ضمن معادلات سياسية تصويتية على خلفية الأحزاب الإسرائيلية، وتعتبر أبرز هذه المحاولات هي تشكيل الحرس المدني الوطني.

أخيرًا، يساعد فهم اتجاهات المزاج العام الإسرائيلي في تحديد موضوعي لشكل الأجندة السياسية للحكومة الإسرائيلية مستقبلًا على المستويين الداخلي والإقليمي، والوقوف على حجم التوافق من عدمه بين العامة والنخب السياسية في إسرائيل.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى