أقلام وأراء

رجب أبو سرية – اليمين الإسرائيلي: الأصل والصورة

رجب أبو سرية ٩-٤-٢٠٢٢م

بعد مرور أقل من عام بقليل على تشكيل الحكومة الإسرائيلية البديلة، والتي سميت بهذا الاسم، لأنها تشكلت فقط من أجل أن تكون بديلاً لحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو الذي ترأس الحكومات الإسرائيلية بشكل متواصل ما بين العامين 2009_2021، يمكن القول إن الحكومة البديلة خالفت التوقعات التي قدرت لها إما أن تسقط بعد وقت قصير، قد لا يتجاوز الأسابيع أو حتى الأشهر القليلة، أو أن تستمر الى منتصف ولايتها، أي الى أن يحين استحقاق التبادل ما بين كل من نفتالي بينيت رئيس الحكومة، ويائير لابيد رئيس الحكومة بالتناوب، حينها يكون الاختبار الحقيقي، في قدرة الحكومة التي تستند الى ائتلاف متباين بين أحزاب مختلفة تمتد من أقصى اليمين الى أقصى اليسار والوسط وجنرالات الجيش، على الصمود والبقاء والاستمرار.  
وكان التقدير هو أنه إن تجاوزت الحكومة الفترة الأولى، أي الى حين مثول بنيامين نتنياهو أمام القضاء، حيث يمكن حتى أن يتعرض نتنياهو الى احتمال السقوط من قمة الليكود نفسه، الى خارج الحلبة السياسية وبشكل نهائي، فإن ذلك سيضمن لها الاستمرار، لكن أن تستمر الحكومة لنحو عشرة أشهر، ثم فجأة يظهر احتمال تفككها، بعد نجاح المعارضة بزعامة نتنياهو الذي يبدو بذلك وكأنه شخصية سياسية بسبعة أرواح، بإغواء أحد نواب الحكومة بالاستقالة من الائتلاف الحاكم، فهذا أمر مفاجئ، بل ويعيد مجدداً المأزق الذي عانت منه إسرائيل على مدار السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، من عدم استقرار، جرّت خلالها الأحزاب السياسية بلادها الى إجراء أربع جولات انتخابية متتابعة دون حسم، وفي ظل شلل، بدا لوهلة بأن الحكومة البديلة نجحت في تجاوزه.
حقيقة الأمر أن هشاشة الحكومة البديلة لم يقتصر على استنادها الى “كوكتيل” حزبي مكون من ثمانية أحزاب، ثلاثة منها أحزاب يمينية، وحزبان يساريان، وحزبان وسطيان، إضافة لحزب عربي، ولكن كذلك استند لأغلبية ضيقة، مكونة من 61 نائبا من أصل 120 هم أعضاء الكنيست، لذا فقد كان التقدير يشير الى أنه يمكن في أي وقت أن ينهار الائتلاف، خاصة إزاء محطات مهمة مثل إقرار الميزانية، أو مواجهة مطب سياسي، من نمط عقد مؤتمر إقليمي أو دولي لإطلاق المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو حتى مع تقدم مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية في فيينا، لكن يبدو بأن الإدارة الأميركية كانت أحد العوامل التي ساعدت الحكومة البديلة على الصمود كل الوقت الذي مضى، فيما يبقى العامل الأهم في بقائها هو أنها ظلت حكومة يمينية، لم تختلف في شيء عن سابقتها، رغم أن اليمين فيها يعتبر أقلية مقابل الوسط واليسار، وبدا بينيت صورة معدلة عن نتنياهو، بل أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً سياسياً، بل إن إسرائيل بقيادته ظهرت كدولة ليست في الجيب الخلفي للولايات المتحدة، وظهر ذلك جليا حين انطلقت العملية الروسية في أوكرانيا، فشقت إسرائيل موقفا سياسياً غير متطابق مع الغرب عموماً، ومع الموقف الأميركي بشكل خاص.
لكن يبدو أن ناخبي اليمين يفضلون الأصل على الصورة، وعلى هذه الحال أيضا نواب حزب يمينا نفسه، وهذا كان حال رئيسة الائتلاف الحاكم عيديت سيلمان، عضو الكنسيت عن حزب يمينا، التي بتقديمها استقالتها من الائتلاف الحاكم، أفقدت الحكومة الأغلبية النيابية، ولكن ذلك لا يعني انتقال دفة الحكومة للمعارضة، ذلك أنه يتوجب على زعيم المعارضة نتنياهو حتى يسقط الحكومة، الحصول على أغلبية 61 صوتا من أجل حجب الثقة، حيث هنا يظهر اتجاه التصويت لدى القائمة العربية المشتركة، والتي رغم أنها معارضة إلا أنها ليست بالطبع مع نتنياهو، لذلك فإن عدم انضمام القائمة المشتركة في التصويت مع الحكومة أو ضدها كما أعلن قادتها، يعني بأن فقدان الحكومة الحالية للأغلبية مع عدم تمكن المعارضة كذلك من الحصول على أغلبية لحجب الثقة أولا، وثانياً لتشكيل حكومة من أحزابها والمنشقين، يعني شيئاً واحداً وهو الذهاب لانتخابات جديدة، وربما العودة الى الحالة التي كانت عليها إسرائيل ما بين عامي 2018_2021، من شلل داخلي.  
فرغم مناشدة أحد نواب ميريتس للقائمة المشتركة بقوله بأن اسرائيل ذاهبة لحكومة متطرفة مكونة من نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، إلا أن ايمن عودة، رئيس القائمة، وسامي أبو شحادة عضو القائمة أكدا بما لا يدع مجالاً للشك، بأن القائمة العربية لن تقدم شبكة أمان لحكومة بينيت، ولا لنتتياهو أيضا، بما يوضح مجددا الأهمية البالغة للعربية المشتركة، ويرجح ذهاب إسرائيل الى انتخابات مبكرة.  
ومع حكومة انتقالية ستكون برئاسة يائير لابيد، وخلال أشهر قليلة الى حين إجراء انتخابات قد لا تكون حاسمة، لن تتقدم إسرائيل إزاء الملف السياسي، الخاص بإطلاق المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، كما أن واشنطن لن تجرؤ على ممارسة الضغوط عليها، خشية أن يؤدي ذلك الى نجاح المعارضة في الفوز بأغلبية نيابية كافية لتشكل حكومة يمينية صرفة، وعودة نتنياهو الى سدة الحكم، وهو الرجل الذي أبدى الرئيس الأميركي جو بايدن عدم ارتياحه لعلاقته الشخصية مع الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي بدوره قد يرى في عودة نتنياهو للحكم مشجعا إضافيا لعودته هو أيضا الى البيت الأبيض.
أي أن دخول إسرائيل في حالة من عدم الاستقرار لجهة تشكل حكومة قوية، تستند الى أغلبية نيابية واضحة، سيجعل من التقدم في الملفات العالقة لجهة حلها أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا، والأسوأ من كل هذا سيجعل اليمين بشقيه، إن كان ذلك الذي هو حاليا في الحكم ( يمينا، اسرائيل بيتنا، أمل جديد)، أو ذلك الذي في المعارضة، أي الليكود وحزب الصهيونية الدينية، أكثر تطرفا ودعما لإرهاب المستوطنين، طمعا في أصواتهم وهم النواة الصلبة التي تقاتل عادة في ميدان الانتخابات، وكالعادة ستفتح الأحزاب الإسرائيلية كلها المزاد الانتخابي بالرقص على الدم الفلسطيني، بما في ذلك التصعيد خلال شهر رمضان وخاصة في منتصف الشهر، أي خلال الأسبوع الممتد ما بين 12_19 من الجاري وهو أسبوع عيد الفصح اليهودي، حيث لأول مرة ينوون السماح بتقديم القرابين في باحة المسجد الأقصى بعد اقتحامه بشكل مستفز وغير مسبوق.  
كذلك فتح جبهة غزة، بما قد يدفع الحكومة بوزير جيشها بيني غانتس الى شن الحرب على غزة، لكسب أصوات سكان الغلاف، والظهور بالمظهر الوحيد الذي طالما افتقرت له حكومة نتنياهو وهو خلوها من وزير دفاع محترف، أي عسكري، حيث كان قد تولاها تباعاً كل من افيغدور ليبرمان، ومن ثم نفتالي بينيت. 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى