القدس في "صفقة القرن": تحليل وبدائل - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

القدس في “صفقة القرن”: تحليل وبدائل

0 58

د. وليد سالم  *- 17/2/2020

مدخل

تعالج هذه الدراسة وضع القدس في إطار “رؤية السلام من أجل الازدهار”، والمعروفة باسم “صفقة القرن”، والتي أعلن عنها في البيت الأبيض tdواشنطن يوم ٢٨ كانون ثاني/ يناير الماضي من قبل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وبحضور رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

وتحلل الدراسة ما أتت عليه الخطة بشأن القدس، ثم تأتي بعد ذلك إلى تحليل انعكاسات بنود الصفقة على القدس، وعلى بقية فلسطين، وأخيرًا تقترح بعض البدائل لمواجهة تداعيات “صفقة القرن” على القدس بشكل خاص وعلى فلسطين بشكل عام.

“صفقة القرن” والقدس

ضمن صفحاتها الـ181، تتناول “صفقة القرن” موضوع القدس في قسم “المقاربة” (ص. 90)، وقسم “رؤية للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين والمنطقة: القسم الخامس” ( ص. 14 – 19). وفي القسمين تتعامل الصفقة مع القدس من منطلق ديني أساسًا، وذلك باعتبارها مدينة مقدسة للأديان الثلاث ولقسم كبير من البشرية (ص.10 – 15). وتعطي الأولوية للدين اليهودي من وقت قيام النبي إبراهيم عليه السلام بمحاولة ذبح ابنه إسحق إلى أن منعه الله من فعل ذلك، وما تبعه من قيام مملكة داود قبل 3 آلاف عام، ثم قيام الملك سليمان ببناء الهيكل الأول والذي أودع داخله الوصايا العشر. وبعد تدمير الهيكل مرتين، آخرهما في العام 70 ميلادية، راح اليهود حسب الوثيقة/ الصفقة يحيون ذكرى تدميره في التاسع من آب/ أغسطس من كل عام، مرددين عبارة “العام القادم في أورشليم”. وحسب الوثيقة فقد جاءت بعد ذلك المسيحية، فالإسلام للقدس، حيث ذكرت الوثيقة أهمية القدس لهاتين الديانتين، ولكنها تلت ذلك بكيل المديح لإسرائيل بأنها حافظت على الأماكن المقدسة لكل الأديان طيلة فترة حكمها للقدس منذ عام 1967، فيما السابقون لحكم إسرائيل كانوا يقومون بتدمير الأماكن المقدسة للأديان الأخرى، بحسب الوثيقة (ص. 16).

وبعد ذلك، تشير الوثيقة إلى ضرورة إبقاء القدس من دون تقسيم، وأن هذا الموقف يعكس رأي كل الإدارات الأميركية السابقة، كما ينعكس في “قانون القدس العاصمة” الذي أقره الكونغرس الأميركي عام 1995 ( ص. 16).

تشرعن الوثيقة/ الصفقة إبقاء القدس ضمن حدود جدار الفصل العنصري غير مقسمة وخاضعة خضوعًا تاما للسيطرة الإسرائيلية، فيما يجري إخراج مناطق من القدس سبق أن ضمتها إليها، والمكونة من كتلتين غير متواصلتين جغرافيًا: الكتلة الأولى هي كفر عقب وسميراميس ومخيم قلنديا وقرية قلنديا القريبة من مدينة رام الله؛ والثانية هي كتلة مخيم شعفاط وضاحية السلام ورأس خميس وأجزاء من عناتا القريبة نسبيًا لأبو ديس والعيزرية، وهما مناطق “ب” حسب تقسيمات اتفاق أوسلو 2 في العام 1995، والتي تعني خضوعهما للسلطة الوطنية الفلسطينية في الشؤون المدنية وخضوعهما لإسرائيل في ما يتعلق بالشؤون العسكرية. وتشمل هذه المناطق 120 إلى 140 ألف مواطن فلسطيني يعادلون أقل بقليل نصف فلسطينيي القدس الشرقية الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، والذين بلغ عددهم زهاء 284٫926 نسمة في منتصف العام 2018، بحسب إحصائيات الجهاز الفلسطيني المركزي للإحصاء (كتاب القدس الإحصائي، 2019، ص. 27). ويعني ذلك أنه سيبقى في القدس المضمومة قسرًا إلى إسرائيل ما بين 144 و164 ألفًا من الفلسطينيين فقط، في مقابل 225٫335 مستوطنًا استعماريًا إسرائيليًا يقيمون في المنطقة ذاتها (المصدر ذاته، ص. 175). أي سيصبح الفلسطينيون أقلية سكانية في الجزء المضموم من القدس إلى إسرائيل حسب الصفقة.

تتضمن الصفقة فكرة إقامة عاصمة فلسطينية تسمى القدس (ص. 17) في كتلتي كفر عقب ومخيم شعفاط غير المتواصلتين جغرافيًا، بالإضافة إلى أبو ديس، وحيث أن الأخيرة تخضع للسلطة الأمنية الإسرائيلية العليا، فإن ذلك يعني أن ما سيضم إليها من كتلتي كفر عقب ومخيم شعفاط سيخضعان لنفس السلطة العليا (الإسرائيلية). وقد أكدت “صفقة القرن” من جهة أخرى أيضًا أن السلطة الأمنية العليا ستبقى بيد إسرائيل على كل المناطق التي ستحول إلى الدولة الفلسطينية، وبذلك فإن الصفقة تعني إلغاء المنطقة “أ” الواردة في اتفاق أوسلو 2، بوصفها منطقة تخضع للسيطرة الأمنية والمدنية الفلسطينية في آن معًا. وفي هذا الإطار، ستكون السفارة الأميركية التي وعدت الصفقة بإنشائها في مناطق القدس التي ستحال لفلسطين خاضعة أيضًا للحماية الأمنية الإسرائيلية.

في ما يتعلق بمفهوم الصفقة لماهية القدس، فإنها بموافقتها في أجزاء أخرى منها على ضم كافة المستوطنات الاستعمارية إلى إسرائيل، فإن ذلك يعني تبنيها لمفهوم “القدس الكبرى” كما حددتها حكومات إسرائيل، والتي تشمل كتلة مستعمرات غوش عتصيون التي تلف محافظة بيت لحم وصولًا إلى مشارف محافظة الخليل. كما تشمل كتل مستوطنات معاليه أدوميم وملحقاتها مثل ميشور أدوميم ومنطقة “إي 1” (E1) المزمع البناء فيها للمستوطنين، وهي الكتل التي تشمل مخططاتها المستقبلية فكرة توسيعها لتصل حتى البحر الميت. كما تشمل كتلة غفعات زئيف التي تلف قرى شمال محافظة القدس. وإضافةً لهذه الكتل الثلاث، تقوم الحكومة الإسرائيلية بتوسيع كتلة رابعة من المستعمرات تشمل مستعمرات آدم وكوخاف يعقوب وبساغوت، وهي مستعمرات تقر الصفقة أيضًا بضمها إلى إسرائيل، ما يحد من إمكانية التوسع المستقبلي لمحافظة رام الله.

أما الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في المدينة، تثني الصفقة على دور إسرائيل الإيجابي “كحارس للأماكن المقدسة” كما سبق ذكره، وفيما تقول ببقاء الوضع القائم في المسجد الأقصى وما تسميه “حائط المبكى” (أي حائط البراق، الذي كان قبل العام 1948 مكانًا للصلاة لليهود والفلسطينيين وليس لليهود حصرًا كما هو عليه الحال اليوم)، فإنها في المقابل تنص على أن “الناس من جميع الأديان لهم حق الصلاة في الحرم الشريف/ جبل الهيكل بطريقة تحترم كلية أديانهم، مع الأخذ بعين الاعتبار أوقات الصلاة لكل دين، والأعياد، وعوامل دينية أخرى” (ص. 16 – 17). وفي هذا الإطار، تدعو الصفقة إلى تنظيم رحلات طيران من الدول العربية والإسلامية بهدف الوصول والصلاة في الأماكن المقدسة في القدس.

يسمح الاقتباس أعلاه بتقسيم الأقصى (والمسمى بـ”جبل الهيكل” في الصفقة) مكانيًا وزمانيا بين المسلمين واليهود، وبالتالي يعطي مصداقية لدعوات “منظمات الهيكل” للسيطرة على المسجد الأقصى (أنظر/ ي: محمود محارب: سياسات إسرائيل للسيطرة على الأقصى في العدد الأخير من مجلة “المقدسية”).

وتذكر الصفقة 31 مكانًا مقدسًا في القدس، منها 17 مكانًا مسيحيًا و13 يهوديًا، وواحد إسلاميًا تسميه باسم الأمكنة المقدسة للمسلمين، من دون تحديد أي اسم محدد من هذه الأمكنة. وحينما تذكر الصفقة الحرم الشريف، فإنها تعتبره مكانًا مقدسًا مشتركًا للمسلمين واليهود. وتتضمن هذه اللائحة مشكلتين كبيرتين اثنتين إضافة لاعتبارها الحرم الشريف مكانًا مقدسًا للمسلمين واليهود، وهاتان المشكلتان هما:

– أولا، أن الصفقة كما ذُكر لا تأتي على إشارة لأي من الأماكن المقدسة للمسلمين سوى بعبارة عامة هي “الأماكن الإسلامية المقدسة” (ص. 16)، وذلك من دون ذكر أي منها بالتحديد، علما أن عدد المساجد من هذه الأماكن فقط يزيد عن 40 مسجدًا حسب دراسة غير منشورة بعد للدكتور حنا عيسى، كما يزيد عدد الأماكن المسيحية المقدسة عن 70 وفق الدراسة نفسها. يضاف لذلك مئات المعالم الإسلامية داخل المسجد الأقصى وخارجه.

– وثانيًا، أن الأماكن المقدسة الـ13 المذكورة لليهود ليست غالبيتها مقدسة كما ورد في دراسة لمؤسسة “عيمق شفيه” الإسرائيلية (عيمق شفيه، شباط/ فبراير 2020). وتشير المؤسسة إلى أن المواقع التالية التي اعتبرت مقدسة في الصفقة في ما هي ليست كذلك: التلة الفرنسية، وممر الحجاج الذي أقامته منظمة إلعاد اليمينية المتطرفة في سلوان، ونبع جيحون وحدائق داود قرب سلوان أيضًا، والتي تقوم منظمة إلعاد بحفريات أثرية فيهما أيضًا، مع إهمال أهمية هذه المواقع للمسيحيين أيضًا، وأضرحة الرسل حغاي وزكريا وملآخي في جبل الزيتون، رغم أنه لا توجد دراسات علمية تؤكد وجود هذه الأضرحة في تلك الأماكن، ومقبرة سامبوسكي، وكنيس هورفا. كما اعتبرت مقبرة جبل الزيتون مكانًا مقدسًا لليهود وتجاهلت أهمية الجبل الدينية المقدسة للمسيحيين. يعني ذلك أن الصفقة تحاول تزوير التاريخ واختراع أماكن يهودية مقدسة جديدة من أجل تبرير الاستحواذ على المدينة.

وعدا عن هاتين المشكلتين، فإن الصفقة تطرح فتح الأماكن المقدسة في القدس للسياحة والصلاة للمؤمنين من كل أنحاء العالم، وتعطي إسرائيل صلاحية تنظيم ذلك. كما تطرح إشراك الأردن في تنظيم السياحة الإقليمية نحو القدس والأماكن المقدسة (ص. 19)، فيما تقسم المناطق الفلسطينية إلى أجزاء وتعطي الأمن الإسرائيلي أولوية، وبالتالي تجعل القدس مفتوحة لكل العالم باستثناء الفلسطينيين بذريعة الأمن.

وفي مجال الحقوق، تطرح الصفقة نقل ما بين 120 إلى 140 ألفا من المقدسيين في كتلتي كفر عقب ومخيم شعفاط من وضعية “الهوية” المقدسية التي ليست سوى “إقامة لمواطنين أردنيين في أرض إسرائيل”، وذلك حسب التعريف الإسرائيلي بعد ضم القدس أرضًا إلى إسرائيل عام 1967 من دون ضم سكانها إلى الأخيرة (سالم، 2018)، إلى حالة المقيمين الفلسطينيين تحت السلطة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي يصبح لهم الحق في الحصول على الجواز الفلسطيني وتنزع عنهم صفة الإقامة التي كانت تعطيها إسرائيل للمقدسيين.

يعني هذا التوجه تفريغًا سكانيًا للمدينة من أجل ضمان أغلبية يهودية في القدس الشرقية كما سبق ذكره أعلاه. في المقابل، تضع الصفقة ثلاثة خيارات أمام 144 – 164 ألفًا من الفلسطينيين الباقين تحت السيادة الإسرائيلية المفروضة في القدس، والخيارات هي: إما أن يحصلوا على الجواز الفلسطيني الذي لا يمنح وضعًا أكبر من حالة الإقامة في فلسطين، نظرًا لأن الصفقة لا تعطي فلسطين وضع السيادة على الإقليم والشعب والحكومة؛ أو أن يحافظوا على وضع الإقامة الحالي؛ والخيار الثالث هو الحصول على الجنسية الإسرائيلية.

الخيار الأخير لا تقبله غالبية المقدسيين وطنيًا، كما أن من الصعب الحصول على الجنسية الإسرائيلية لمن يتقدمون بطلبات للحصول عليها، نظرًا للإجراءات المعقدة والمهينة التي تشمل الفحص الأمني وشروط مثل إتقان اللغة العبرية وإثبات الولاء. ولذلك، يبقى خيار الإقامة في المدينة والذي يتعرض للمطاردة الإسرائيلية من خلال سحب بطاقة الهوية الإسرائيلية لمن يقيم خارج القدس، وفرض الضرائب الباهظة، والامتناع عن توفير تراخيص البناء، ما يضطر الأهالي للسكن خارج المدينة، وبالتالي فقدان تصريح الإقامة.

يترتب على ذلك أن الصفقة تطرح شكليًا ثلاثة خيارات، ولكنها تلغي فعليًا خيار التجنس بالجنسية الإسرائيلية، ولا تعطيه إلا لأقلية محدودة فقط من آلاف الطلبات التي تقدم لذلك. كما تجعل الإقامة في المدينة رهن المطاردة، وبالتالي فإن خيار إسرائيل في القدس هو خيار السيطرة على أرض من دون سكان عبر الترحيل المتدرج للمقدسيين إلى خارج القدس. ويلاحظ هنا أن الصفقة تطرح خيار الإبقاء على حالة الإقامة في المدينة بصيغة ملغومة، إذ نصت على أن قسمًا من المقدسيين “يريدون الحفاظ على هوية منفصلة عن فلسطين وإسرائيل تسمح لهم بالفخر بهويتهم المميزة وتاريخهم، وهذا الخيار يجب أن يكون متاحًا لهم” (ص. 17)، وكأن سعي الفلسطينيين المقدسيين للحفاظ على وجودهم في مدينتهم من خلال تصريح الإقامة فيها هو سعي للانفصال عن فلسطينيتهم.

أخيرًا، تطرح الصفقة في الجانب الاقتصادي تطوير منطقة سياحية في عطروت بمستوى عالمي، مثل إقامة فنادق ومطاعم وحوانيت ووسائل مواصلات مريحة نحو الحرم الشريف، ويساهم الأردن في تنظيم السياحة الإقليمية نحوها (ص. 19)، وإنشاء شركة مشتركة لتنمية البلدة القديمة من القدس من دون المساس بالسيادة الإسرائيلية عليها، وتقدم لها إسرائيل جزءًا من عائدات الضرائب (الصفحة نفسها).

انعكاسات بنود الصفقة على القدس وفلسطين

بناءً على ما تقدم، وبموافقتها على ضم المستوطنات الاستعمارية إلى إسرائيل، فإن الصفقة تجعل السيطرة على القدس أولًا مدخلًا لتمزيق الضفة الفلسطينية إربًا، ومنع قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، وذلك عبر توسيع الاستيطان الاستعماري في القدس تحت عنوان إنشاء مشروع “القدس الكبرى” المطروح ليصل إلى البحر الميت شرقًا، وإلى مداخل الخليل جنوبًا، وإلى محيط رام الله شمالًا، علما أن مخطط “القدس الكبرى” المستقبلي سيجعلها تصل إلى مستعمرة شيلو في منتصف الطريق إلى نابلس شمالًا. يعني ذلك إبقاء حدود القدس مرنة ومفتوحة للتوسع الدائم، بما يلغي أي حدود ثابتة حتى لدولة فلسطينية من دون القدس.

ويتضمن هذا المشروع أيضًا تغيير الطابع العربي الإسلامي للبلدة القديمة، عبر المشاريع المطروحة لإنشاء تلفريك وحديقة توراتية ومرافق سياحية عبرية حولها، وكذلك ربط المستعمرات الاستيطانية داخل المدينة ببعضها البعض لتضييق الخناق على الأحياء الفلسطينية، تمهيدًا لإجبار قطاعات واسعة من الفلسطينيين للرحيل عن المدينة.

وثانيًا، لا تأتي الصفقة بأية كلمة في ما يتعلق بحقوق المقدسيين في أملاكهم في القدس الغربية، وهي بالتالي تطرح حلًا لقضية لاجئي القدس عام 1948 ونازحيها لعام 1967 خارج فلسطين، وذلك تساوقًا مع نصوص الصفقة التي تدعو لحل قضية اللاجئين عبر توطينهم في الخارج، بما في ذلك استيعابهم تدريجيًا في دول الخليج العربي.

وثالثًا، مع فرضها للسيادة الإسرائيلية على المدينة، تنزع الصفقة الحقوق الوطنية الجماعية للمقدسيين الباقين في مدينتهم، ولا تبقي لهم ما هو أكثر من حقوق إنسانية فردية قابلة للانتزاع عبر التهجير وسحب الهويات، كما وتضعهم على شفير الترحيل. هنا تجدر الإشارة أيضًا إلى إزاحة كتلتي مخيم شعفاط وكفر عقب المكتظتين بالسكان إلى خارج القدس، لحل مشكلة التناسب الديموغرافي في القدس الشرقية، ما يعني أيضًا إخراجًا للاجئي مخيمي قلنديا وشعفاط من المناطق المضمومة لإسرائيل. يضاف لذلك إهانة للمقدسيين الذين يحافظون على الإقامة في المدينة بنعتهم في نص الصفقة باسم “المقدسيين الفخورين”، الذين لا يريدون الارتباط مع السلطة الوطنية الفلسطينية كما سبق ذكره. مع ما سيتبع ذلك من إمكانية إقفال مكاتب وكالة الغوث الدولية (أونروا) في المدينة.

ورابعًا، بتركيزها على الطابع الديني للصراع وحق إسرائيل في استمرار حراسة الأماكن المقدسة، تخلق الصفقة وضعًا متفجرًا في المسجد الأقصى من خلال تعزيز نشاطات ما تسمى “منظمات جبل الهيكل”، الهادفة للصلاة فيه وتقسيمه مكانيًا وزمانيًا، عوضًا عن أن هذا التوجه يخلق توترًا مع الأردن وحق الرعاية الأردنية في الأماكن الدينية المقدسة في القدس، كما ورد في نصوص اتفاقية السلام الإسرائيلية – الأردنية في العام 1994. كما يخلق هذا التوجه حالة يصل بها أصحاب الديانات الثلاث في العالم إلى القدس، فيما يحجر هذا الحق عن المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين من الضفة وغزة.

وخامسًا، توجد تبعات أخرى للصفقة، منها وأد أي وجود مؤسساتي فلسطيني في القدس، سواء كان سياسيًا أو تعليميًا أو صحيًا وغير ذلك، طالما هي عاصمة إسرائيل، بالإضافة لاعتقال وملاحقة الشخصيات الفلسطينية المقدسية ومنعها من حرية الحركة والتنقل، ومنع تنظيم نشاطات فلسطينية في القدس كما هو حاصل اليوم. يضاف لذلك منع الأسرى المحررين المقدسيين من تلقي أموال من السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث طالبت الصفقة ضمن إحدى شروطها السلطة الوطنية الفلسطينية بأن توقف دفع مساعدات للأسرى وعائلاتهم.

خيارات وبدائل

لا تقل “صفقة القرن” عن كونها محاولة لاستخدام قدرات أكبر قوة عظمى في الكون، من أجل القضاء على الإنجازات الفلسطينية وإعادة القضية الفلسطينية إلى نقطة الصفر. وفي القدس يظهر هذا الاستنتاج بشكل جلي للغاية.

وفيما تحافظ فلسطين على اعتراف من 141 دولة، وتبقى قرارات الشرعية الدولية ثابتة بشأنها، فإن هدف التحالف الأميركي – الصهيوني هو الإجهاز على فلسطين – على الأرض، بحيث تصبح الاعترافات والقرارات الدولية دون صلة بالواقع.

يترتب على ذلك أن المعركة من أجل القدس لا تنفصل عن المعركة من أجل استعادة فلسطين مجددًا على الخريطة، وهو ما يقتضي مشاركة الكل الفلسطيني، بما يشمل مهمات ومسؤوليات لكل فرد، إذ لم يعد أي أحد معفى من المسؤولية. ويشمل ذلك فعل الجاليات الفلسطينية الموحد في أميركا وأوروبا وباقي دول العالم من أجل تغيير مواقف دول العالم والتأثير فيها، واستعادة اللاجئين لكرامتهم من خلال استنهاض الكفاح الجماعي من أجل حق العودة.

وفعل الفلسطينيين داخل الوطن بأشكال كفاحية ميدانية إبداعية، كإعادة بناء قرية العراقيب في النقب عشرات المرات، وإقامة قرى باب الشمس والكرامة في الضفة، وكذلك فعلهم لبناء التنمية المبنية على المجتمع المحلي ما يعزز الصمود الإيجابي، الذي يبني للمستقبل وليس مجرد الصمود السلبي المستكين، إضافة لتنمية المنتجات المحلية والاستغناء عما عداها، على أن يتم تنسيق كل هذه الجهود من قبل منظمة التحرير الفلسطينية الموحدة، والتي تضيف إليها العمل الدبلوماسي مع المؤسسات الدولية ودول العالم، ورفع القضايا للمحاكم الدولية ومتابعتها، أي تحقيق التكامل بين البعد الشعبي المقاوم والتنموي وبين البعد الرسمي الدبلوماسي والقانوني. وإذا ما خططت هذه الأفعال بشكل جيد ومتراكم، فإنها كفيلة بتجاوز الأزمة واستعادة فلسطين خلال عدة سنوات لا أكثر.

*د. وليد سالم، باحث مقدسي، دكتوراه فلسفة في العلاقات الدولية – عن عرب 48 .

إحالات
Peace for Prosperity: “A Vision to improve the lives of the Palestinian and the Israeli Peoples”; www.whitehouse.gov (28.1.(2020.

– الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني . كتاب القدس الإحصائي السنوي 2019.

– محمود محارب. “سياسة إسرائيل تجاه الأقصى”. مجلة “سياسات عربية” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات )؛ 15 أيار/ مايو 2016.

Emek Shaveh. “ The Santification of the Antiquity Sites in the Jerusalem Section of the Peace to Prosperity Plan”. 4/2/2020
Walid Salem. “ Jerusalemites and the Issue of Citizenship in the Context of Israeli Settler Colonialism”. Holy Land and Palestine Studies Journal , 17:1, 2018.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.