ترجمات عبرية

القناة 12 العبرية: الموضوع الفلسطيني غائب عن حوار الانتخابات الإسرائيلية

القناة 12 العبرية 2022-08-05، بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

تقف إسرائيل منذ حرب “الأيام الستة” أمام معضلة استراتيجية صعبة في الموضوع الفلسطيني، وبصورة خاصة في كل ما يخص سيطرتها على الضفة: من جهة، كيف يمكن ضمان الأغلبية اليهودية في الدولة وشكلها الديمقراطي، ومن جهة أُخرى، عدم تقسيم الأرض والحفاظ على المصالح الأمنية الوجودية.

وفي هذا السياق، اندلع النقاش الذي كان يتكرر لدى أجيال مختلفة بين مَن يريد الحفاظ على الوضع القائم، من دون فصل ما بين المجتمَعين، وبين مَن يريد التقسيم الجغرافي. وفي عدة مرات تم اتخاذ قرارات من شأنها تغيير الوضع القائم في الضفة – اتفاق أوسلو، وبناء الجدار “الأمني” في الضفة، وكذلك فك الارتباط عن غزة – لكنهم جميعاً انقطعوا في مرحلةٍ ما في أعقاب أزمات مع الفلسطينيين، أو تغيّرات سياسية إسرائيلية، أو صراعات داخلية فلسطينية قسّمت السلطة.

ونتيجة ذلك، نشأ واقع كثير التناقضات، برزت في إطاره نماذج من التسويات السياسية والترتيبات المدنية في المنظومة الفلسطينية: دولة ناقصة في قطاع غزة؛ حكم ذاتي مناطقي “خفيف” في مناطق “أ” و”ب” في الضفة الغربية؛ سيطرة إسرائيلية مباشرة في مناطق “ج” في الضفة؛ بالإضافة إلى نحو 360 ألف فلسطيني في شرق القدس بمكانة سكان دائمين غير مواطنين في إسرائيل.

وفي هذا السياق، تتمركز إسرائيل داخل مصيدة استراتيجية تتفاقم منذ أكثر من نصف قرن: من جهة، يتضح الفهم أن استمرار الوضع القائم سيؤدي إلى دولة واحدة، وهو سيناريو ترفضه أغلبية المجتمع اليهودي؛ ومن جهة أُخرى، يختفي النقاش بشأن الانفصال، بسبب فهم حقيقة أن هذا السيناريو مستبعَد، والخوف من تداعيات وجود كيان فلسطيني مستقل. لذلك، من غير المفاجئ أن تدلل الاستطلاعات من الأعوام الماضية على وضع متناقض، إذ تعارض أغلبية المجتمع اليهودي الدولة الفلسطينية، وفي الوقت ذاته لا تتحمل الحياة المشتركة مع العرب في الكيان ذاته.

الجيل الذهبي لأفكار “كل شيء”

تولّد الأزمة الاستراتيجية في الأعوام الأخيرة مجموعة من الأفكار المؤقتة التي تحمل روح “كل شيء”، وتحاول وضع قناع الإبداعية.

وفي مركزها – التشديد على تقليص السيطرة على الفلسطينيين وتقليل التواصل ما بين المجتمعَين، من دون الحاجة إلى انفصال جغرافي. هذه هي فكرة “السلام الاقتصادي” مثلاً، وإلى حد ما أيضاً “تقليص الصراع” الذي يستند إليه معسكر الوسط السياسي؛ إحياء خطة بيغن التي تمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً ثقافياً، من دون حكم على الأرض، وهو ما يريده “الليكود” حتى يومنا هذا؛ وكذلك الأفكار المتعلقة بكونفدرالية فلسطينية – إسرائيلية تنمو في معسكر “اليسار”.

المشترك بين جميع الأفكار هو أنها غير أصلية. جميعهم يحاولون إحياء أفكار تم صوغها وطُرحت خلال النصف قرن الماضي: بدءاً من التنازل الوظيفي الخاص بموشيه دايان، الذي أراد خلق “وجود متعدد الأبعاد” وخالٍ من التواصل العربي اليهودي؛ مروراً بطريق “الحدود الناعمة” التي طوّرها شمعون بيريس؛ وصولاً إلى فكرة الكونفدرالية التي يطرحها يوسي بيلين اليوم “من جديد”.

وجميع هذه الأفكار تستند إلى الإيمان بقدرة “الحل الاقتصادي” على تليين الأيديولوجيا ونسيان التطلعات القومية. وهكذا يكون على شعبين يتصارعان كقبيلتين قديمتين على العلم والأماكن المقدسة، تبنّي نماذج مركّبة تحتاج إلى تطوُّر اجتماعي وثقافي يصل إلى حد ما بعد الحداثة.

أفكار “كل شيء” تخلق وهم حل ورؤية عملية، لكنها ليست سوى طريق طويلة وملتوية أكثر، تنتهي في الدمج الكلّي ما بين إسرائيل والضفة، وصولاً إلى كيان واحد.

طريق “كل شيء” ليست نتاج الواقع المركّب الذي حدث فقط، إنما تعكس أيضاً حال السياسة الإسرائيلية في أيامنا، والتي تتميز بطمس عميق للحدود ما بين “يمين” و”يسار” وفقدان البوصلة الأيديولوجية؛ كما تسيطر عليها حكومات عمرها قصير، من الصعب عليها إدارة حوار معمق ووضع استراتيجيا طويلة المدى، والأصعب بكثير هو اتخاذ قرارات تاريخية.

وضع الموضوع الفلسطيني في مركز النقاش

على الجمهور الإسرائيلي إبداء اهتمام أعمق في الموضوع الفلسطيني، والاعتراف بتأثيره في شكل الدولة ووجودها. ويجب الاعتراف أيضاً بأن جميع البدائل الموجودة أمام إسرائيل اليوم صعبة وقليلة، وأن الأقل سوءاً منها يحتوي على مخاطر وتحديات للمستقبل.

أمام إسرائيل اليوم خياران استراتيجيان فقط. الأول، الاستمرار في الانصهار مع الضفة الذي يتعمق بشكل ساخر كلما سرّعت إسرائيل خطواتها الاقتصادية والمدنية تجاه السلطة والجمهور في الضفة. وفي نهاية هذا الانصهار ستكون إسرائيل مطالَبة بالحسم ما بين نظام واحد يتضمن مستويين مدنيين بطريقة تهدد شكلها الديمقراطي؛ وبين توطين كامل للفلسطينيين الذين يعيشون تحت سلطة إسرائيل، وهو ما سيهدد استمرار وجود الأغلبية اليهودية.

البديل الثاني هو بحث انفصال جغرافي لا يعني بالضرورة دولة فلسطينية مستقلة، إنما توضيح أين تنتهي الحدود الإسرائيلية وأين تبدأ الحدود الفلسطينية. هذا السيناريو لا يخلو من التهديدات الأمنية والتحديات السياسية – على الأقل في المدى المنظور من دون غزة – لكنه يبقى أفضل من الواقع البلقاني وكابوس العيش في ظله.

أضاعت إسرائيل الكثير من الوقت الثمين خلال سنوات الفوضى السياسية: في الموضوع الإيراني، هناك صعوبة في التعامل مع “قطار التخصيب” الذي شق طريقه. وفي القضية الفلسطينية، اقتربت إسرائيل من نقطة “اللا عودة” التي تتطلب منها العودة إلى إجراء حوار بشأن الانفصال الجغرافي بين الشعبين. وعشية الانتخابات، على الجمهور الإسرائيلي أن يتشدد ويطالب السياسيين باتخاذ مواقف واضحة في الموضوع الفلسطيني، وعدم الاكتفاء ببث شعارات غير واضحة تدلل على انعدام وجود التفكير الاستراتيجي العميق.

هذا الحوار من شأنه دفع القيادة والجمهور معاً إلى النظر بصورة واعية إلى الحاضر، وبصورة خاصة إلى المستقبل، والتشكيك في إمكان الإبقاء على الوضع القائم لزمن طويل، أو العكس – هل يجب اتخاذ قرارات تاريخية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى