العميد أحمد عيسى يكتب - مسارات السجال السياسي والفكري في الساحة الفلسطينية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

العميد أحمد عيسى يكتب – مسارات السجال السياسي والفكري في الساحة الفلسطينية

0 111

بقلم العميد أحمد عيسى *- 1/11/2020

تشهد الساحة السياسية والفكرية في فلسطين منذ مطلع العام الجاري سجالاً (علنياً وآخر غير معلن)، لجهة التفاكر في ما آلت اليه أوضاعهم التي باتت تهيمن عليها المصائب في كل ركن من أركان حياتهم، وكذلك لغايات البحث عن مخرج يمكن الفلسطينيين من مواجهة المأزق الذي يواجه قضيتهم ويضمن بقائها على رأس جدول الإهتمام الإقليمي والدولي، لا سيما بعد كشف البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير من العام الجاري عن خطة الرئيس ترامب المعروفة بصفقة القرن، والتي أعلن على أثرها رئيس الوزراء نتنياهو عن عزمه ضم مساحات شاسعة من الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية، والأهم بعد خذلان وتخلي البعض وما أكثر هذا البعض من النظام العربي الرسمي لهم وانزياحه لرؤية اليمين الحاكم في كل من واشنطن وتل أبيب لحل الصراع مع الفلسطينيين.

وفيما لا زالت رؤية حركتي فتح وحماس للخروج من هذا المأزق والتي تقوم على رفض صفقة ترامب، وإدانة التنكر العربي الرسمي لمبادرة السلام العربية، ورفض الضم، وتسعى لتحقيق الوحدة والشراكة بين الحركتين كضرورة لإنخراط الشعب الفلسطيني في انتفاضة ثالثة قابلة للتطور، هي الرؤية التي تحتل المساحة الأوسع من هذا السجال، إلا أن وتيرة هذا السجال أخذة في التسارع في الساحة الفلسطينية، كما أن درجة حماوته أخذة في الإرتفاع.

الأمر الذي يشير من جهة، الى عدم نجاح أصحاب هذه الرؤية من الحركتين في إقناع المتصدين لهذا السجال في الساحة الفلسطينية سواء المعلن منه، أم غير المعلن بجدية الحركتين في تنفيذ رؤيتهم، ويشير من جهة أخرى لحاجة الفلسطينيين لرؤية أو إستراتيجية جديدة يتصدى لتنفيذها نماذج فلسطينية جديدة غير النماذج القائمة، ويشير من جهة ثالثة (وهذا هو الأهم) إلى قلق الشعب الفلسطيني الآخذ في الإزدياد من إحتمالات نجاح اليمين الحاكم في إسرائيل المدعوم بقوة من المسيحية الصهيونية (الأفنجلكانية) خاصة الأمريكية، والذي أصبح مدعوماً كذلك من النظام العربي الرسمي بعد توقيع الإمارات والبحرين والسودان على معاهدة أبراهام، بالتحكم في مسارات تطور هذا السجال، لإنتاج قيادة فلسطينية تقبل بالرؤية المتضمنة في صفقة ترامب.

ويجد هذا القلق التعبيرات الدالة عليه في مساهمات البعض من المنخرطين في المعلن من هذا السجال، كما عبر عنه جورج جقمان أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت وعضو المجلس المركزي الفلسطيني في ورقته التي قدمها في مؤتمر مشترك لمؤسسة الدراسات الفلسطينية ومعهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان بتاريخ 23-25 تشرين الأول/اكتوبر 2020، حيث قال فيها (أتوقع في مرحلة ما بعد أبو مازن أن البعض ممن حوله من المقربين سيقبلون على أنفسهم التعامل مع خطة ترامب)، كما يجد هذا القلق تعبيراته في حلقات النقاش التي بدأت تنظم بكثرة في الآونة الأخيرة عبر اللقاءات الإفتراضية بما في ذلك اللقاءات التي يتداعى إليها أعضاء من الصفين الثاني والثالث من حركة فتح.

أما السجالات التي تجري وسط العامة والتي تدور عادة في (المقاهي والأسواق الشعبية ووسائل المواصلات العامة في الضفة الغربية أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي)، فمن اللافت أن المتحدثين في هذه الأماكن لا يكتفون بالإعراب عن قلقهم وحسب، بل يتطرقون علاوة على ذلك للأسلوب الذي يتوجب على الفلسطينيين تطبيقه للخروج من المأزق الراهن، (والحديث هنا يدور عن وسائل عنيفة)، كما أنهم لا يترددون بالتعبير عن إعجابهم بنموذج حزب الله اللبناني في المقاومة الجادة، فضلاً عن عدم ترددهم في التعبير عن مدى حاجة الشعب الفلسطيني في اللحظة الراهنة لقائد يكون السيد حسن نصر الله قدوته في القيادة.

ويتوافق سجال العامة هذا، لا سيما في ما يتعلق بالأسلوب واجب التطبيق فلسطينياً، مع نتائج إستطلاع الرأي الذي نفذه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية والمنشور على صفحته الرسمية في منتصف أيلول/سبتمبر من العام الجاري، إذ تظهر نتائج هذا الإستطلاع، أن ما نسبته 61% من الجمهور في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة ترى أن حل الدولتين لم يعد عملياُ بسبب التوسع الإستيطاني، ويعتقد ما نسبته 77% من الشعب أن فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل خلال السنوات الخمس القادمة ضئيلة أو ضئيلة جداً.

أما حول الأسلوب واجب التطبيق فلسطينياً، فقد بينت النتائج أن ما نسبته 41% من الشعب ترى أن الكفاح المسلح هو الوسيلة الأمثل للخروج من الوضع الراهن، ويرى ما نسبته 14% أن المقاومة الشعبية السلمية هي الوسيلة الأفضل، فيما يفضل ما نسبته 27% التوصل لإتفاق سلام مع إسرائيل.

وفيما يتعلق بخصائص المؤيدين للكفاح المسلح من الشعب الفلسطيني فقد بينت نتائج الإستطلاع أن هذا الأسلوب يحظى بتأييد 62% من المؤيدين لحركة حماس مقابل 36% من مؤيدي حركة فتح، كما أظهرت النتائج أن54% من المؤيدين هم من سكان قطاع غزة مقابل 32% من سكان الضفة الغربية، وكشفت النتائج كذلك أن نسبة المؤيدين لهذا الأسلوب في المخيمات قد بلغت 53% مقابل 41% في المدن و35% في القرى، تبلغ نسبتهم بين الطلاب غير الجامعيين 57%، أما نسبتهم في صفوف حملة شهادة البكالوريوس فقد بلغت 47%، مقابل 27% في صفوف الأُميين، وعن نسبة المؤيدين لهذا الأسلوب في أوساط الشباب (18-22) سنة فقد أظهرت النتائج أنها قد بلغت 44%، فيما بلغت 39% في أوساط الفئة العمرية 50 سنة فأكثر، ووضحت النتائج كذلك أن 32% من الأكثر دخلاً يؤيدون هذا الأسلوب مقابل 46% من الأقل دخلاً، وكان من اللافت أن 56% من العاملين في السلطة الفلسطينية يؤيدون هذا الأسلوب مقابل 43% من العاملين في القطاع الخاص.

وتأسيساً على ما تقدم يمكن الخروج بجملة من الإستنتاجات التي تصلح كأسس ومحددات قابلة للتطوير في إثراء السجال الدائر في الساحة الفلسطينية:

ترى غالبية الشعب الفلسطيني أن حل الدولتين بالرؤية الفلسطينية له لم يعد حلاً ممكناً في المدى المنظور، الأمر الذي يفرض على المنادين به إعادة التفكير بالبحث عن حلول أخرى.

إحساس الفلسطينين بالقلق من إحتمالات منادة البعض في مرحلة ما بعد الرئيس بالتعامل الإيجابي مع صفقة القرن آخذ بالتزايد.

تحظي المقاومة الشعبية السلمية التي تنادي بها حركتي فتح وحماس كبرى مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية بتأييد نسبة متدنية من الشعب الفلسطيني مقارنة بتأييد المقاومة المسلحة والمفاوضات السياسية، الأمر الذي يعزز من إحتمالات سرعة فقدان سيطرة القيادة الوطنية الموحدة على ايقاعها إذا ما نجحت مساعي الحركتين في إنهاء الإنقسام وبناء الوحدة والشراكة.

يحتل أسلوب الكفاح المسلح كوسيلة تمكن الشعب الفلسطيني من الخروج من المأزق المعاش المساحة الأوسع من تفكير الشعب الفلسطيني مقارنة بالمساحة التي يحتلها أسلوبي المفاوضات السياسية والمقاومة الشعبية السلمية، ويجد هذا التفكير تجلياته الواضحة في أوساط الجيل الشاب، لا سيما في أوساط الحركة الطلابية، الأمر الذي سيعزز في مرحلة ما بعد الرئيس أبو مازن من احتمالات صعود التيارات التي ترفع راية الكفاح المسلح، ويستدعي من جهة أخرى تفسير توقيت إعلان القائد العسكري لجيش الإحتلال الإسرائيلي لكتلة القطب الطلابية (الجبهة الشعبية) كمنظمة إرهابية.

تأييد ستة أشخاص تقريباً من بين كل عشرة أشخاص من العاملين في السلطة الوطنية الفلسطينية للمقاومة المسلحة ينطوي على دلائل وقرائن لا تقبل الجدل على فشل المراهنة على احتمالات إنتاج الفلسطيني الجديد.

هناك علاقة عكسية ما بين الأوضاع المعيشية للشعب الفلسطيني في المناطق الفلسطينية، والميل لأسلوب الكفاح المسلح، الأمر الذي يفسر لماذا توصي مؤسسات التفكير الإسرائيلية دائماً بجعل تحسين الوضع المعيشي للسكان في الضفة الغربية وقطاع غزة أولوية إسرائيلية تتقدم على كل الأولويات.

*المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.