الضفة

اسرائيل ومخاطر التصعيد من جنين إلى المسجد الاقصى

اسرائيل ومخاطر التصعيد

عبير ياسين – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

على الرغم من الحديث الإسرائيلي المتزايد قبل بداية شهر رمضان عن أهمية التهدئة وتوفير البيئة الضرورية من أجل تجنب التصعيد، ساهمت التحركات الإسرائيلية الفعلية في الوصول إلى درجة حرجة من التصعيد، وإشعال الأوضاع في الضفة الغربية والقدس، مع عدم استبعاد شن عملية جديدة في مخيم جنين على طريقة عملية “السور الواقي”،  واحتمال دخول غزة على ساحة المواجهة.

وعلى هامش التحركات الإسرائيلية في محافظة جنين ومخيمها، واقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى تحت حماية الجنود الإسرائيليين، والعمليات الفردية الفلسطينية من الخضيرة إلى تل أبيب، وتزايد الاعتداءات وعمليات الاعتقال الإسرائيلية في المسجد الأقصى، عادت الهتافات باسم محمد الضيف، القائد العام لكتائب عز الدين القسام- الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، للظهور كما حدث قبل حرب غزة الرابعة في مايو من العام الفائت (2021). كما عاد الحديث عن انتظار “تاسعة البهاء”، في إشارة إلى توقيت بيانات أبو عبيدة، المتحدث الرسمي باسم كتائب القسام، خلال أحداث القدس في أبريل 2021، وحرب غزة الرابعة، ومعها تكررت الهتافات التي تطالب بالرد من قطاع غزة على استهداف المسجد الأقصى من قبل المستوطنين، وخاصة مع الحديث عن خطط تقديم قرابين في الأقصى خلال عيد الفصح اليهودي الذي يستمر لمدة 7 أيام بدءاً من 15 أبريل الجاري (2022).

ورغم ما يصل إليه البعض في التعامل مع المشهد الحالي من حديث عن التشابه والتكرار، يحمل المشهد الحالي سماته الخاصة، ويفرض تحدياته ومخاطره التي لا تقل تعقيداً عن تلك التي طرحتها حرب غزة الرابعة في مايو الماضي. وفي هذا السياق، يطرح الواقع سيناريوهات للتصعيد لا يتصور أن تقتصر على غزة، وفقاً لخطاب الفصائل الفلسطينية. كما يعبر عن مخاطر حقيقية فيما يرتبط بتعامل اليمين الإسرائيلي المتطرف مع المسجد الأقصى، ومحاولات تغيير الواقع والدخول في مرحلة الحرب الدينية الساعية إلى تغيير الوضع المكاني والزماني للمسجد الأقصى، وفقاً لخطاب السلطة الفلسطينية. وتحمل تلك الأوضاع بدورها الكثير من المخاطر التي تمتد من التصعيد المفتوح، بكل ما يحمله من صور تمتد من الانتفاضة إلى الحرب بكل تطوراتها المحتملة ونطاق امتدادها، إلى التهدئة المؤقتة التي لا تستبعد خيار التصعيد في المستقبل، في ظل استمرار السياسات اليمينية التي تستهدف المسجد الأقصى والقدس، وتقديم إسرائيل للسياسات الأمنية على الحلول السياسية.

وتزداد فرص التصعيد الحالية والمستقبلية في ظل المشهد السياسي الإسرائيلي الراهن، وما يحمله من فرص تطور تصب في دعم الخطاب اليميني بشكل مباشر وغير مباشر، والسياسات الناتجة عن تلك الأوضاع. ورغم ما يعرف عن رئيس الورزاء الإسرائيلي نفتالي بينيت، زعيم حزب يمينا (يمين)، من دعم للاستيطان، وتأكيده على استمرار وتعزيز الاستيطان  منذ توليه السلطة في يونيو الماضي، فإن وصف الحكومة القائمة بأنها حكومة ضعيفة وهشة بحكم تشكيلها، واستهدافها المستمر من قبل المعارضة بخطاب الضعف وفقد القدرة على حماية الأمن الإسرائيلي، يساهم في وضع سياسات الاستيطان في ساحة المزايدة السياسية بين حكومة بينيت والمعارضة وخاصة حزب الليكود ورئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو.

وزادت حدة الجدل حول الاستيطان وتحركات المستوطنين مع خسارة حكومة بينيت للأغلبية الضيقة التي كان يتمتع بها في الكنيست باستقالة النائبة عن حزب يمينا عيديت سليمان من رئاسة وعضوية الائتلاف في 6 أبريل الجاري، وما ارتبط بهذا الوضع من تساؤلات عن مستقبل الائتلاف والقدرة على الحفاظ على الوضع القائم، على الأقل، في مواجهة جهود المعارضة للدفع نحو إجراء انتخابات جديدة، وإعادة تشكيل الحكومة. وتظهر المنافسة واضحة بين تلك القوى في ساحة تعظيم التعامل الأمني مع الفلسطينيين، وتسريع الاستيطان، وتهويد المسجد الأقصى والقدس، وإسقاط فرص إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية في ظل رفض التسوية السياسية.

وعلى الرغم من تأثير سياسات التصعيد الإسرائيلية المحتملة على الائتلاف الذي يضم قوى إسلامية، يظل عامل نتنياهو، والمتمثل في التوافق بين أطراف مختلفة على الدخول في الائتلاف من أجل إبعاد نتنياهو عن السلطة، هو العامل المؤثر في اللحظة كما كان عند تشكيل الائتلاف. ويتجاوز الحديث عن عامل نتنياهو القوى الإسرائيلية إلى العديد من الأطراف المعنية في الداخل والخارج، ومنها السلطة الفلسطينية. وتفسر تلك الأوضاع ما تردد من أخبار عن مطالبة السلطة للنائب منصور عباس، زعيم حزب “القائمة العربية الموحدة”، بعدم الانسحاب من الائتلاف من أجل تجنب عودة نتنياهو للسلطة. وتزامنت تلك الأخبار مع حديث منصور عن  المسجد الأقصى بوصفه “خط أحمر وعقيدة.. فوق كل اعتبار سياسي بما في ذلك بقاء الحكومة”، وسبقت إعلان القائمة تعليق دعمها للحكومة مع استمرار العنف في المسجد الأقصى ومحيطه، والتهديد بالاستقالة الجماعية إذا استمرت الحكومة “في سياستها التعسفية بحق القدس وأهلها”، وفقاً للبيان الصادر عن القائمة مساء 17 أبريل الجاري.

ورغم ما تحمله عودة محتملة لليكود ونتنياهو من تحديات اتباع سياسات أكثر تشدداً ودعماً للاستيطان، وخاصة في ظل الأوضاع القائمة، بالإضافة إلى ما يمثله للسلطة الفلسطينية من تحديات مباشرة تتمثل في تهميشها ورفض التعامل معها، فإن القدرة على الحفاظ على الائتلاف تتوقف على حدود التصعيد وما يمكن أن تتطور إليه الأوضاع في ساحة الأقصى وجبهة مخيم جنين من نتائج بناءً على التفاعلات بين قوى اليمين والأطراف المكونة للائتلاف من جانب، والمقاومة الفلسطينية الشعبية والفصائلية من جانب آخر.

بدورها ساهمت التطورات على صعيد مخيم جنين واستهداف عناصر تابعة للفصائل في الضفة الغربية والمخيم، وخاصة عناصر “كتيبة جنين” التابعة لسرايا القدس- الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، في توسيع قواعد الاشتباك التي وضعتها الفصائل خلال التصعيد الذي شهده المسجد الأقصى في أبريل من العام الفائت، والتي أدت إلى دخول غزة على خط المواجهة وبداية حرب غزة الرابعة. وبعد أن توسعت قواعد الاشتباك من “الرد من غزة على التصعيد في القدس والمسجد الأقصى” لتشمل أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية مع تطورات أوضاع الأسير هشام أبو هواش خلال فترة الإضراب عن الطعام وخاصة في يناير الماضي، تطورت تلك القواعد مرة أخرى وامتدت إلى مخيم جنين في ظل التصعيد الجاري. ومع استهداف المخيم والتصعيد في المسجد الأقصى، وعدم إسقاط خطط تقديم القرابين داخل المسجد فعلياً، رغم ما يعلن من مواقف رسمية إسرائيلية، تتعرض قواعد الاشتباك للعديد من التحديات التي تهدد بتفعيل تلك القواعد وامتداد التصعيد إلى قطاع غزة.

وتتعامل جهود التهدئة والوساطة التي تقوم بها العديد من الأطراف المعنية وعلى رأسها مصر، مع وضع معقد عليها أن تواجه فيه تلك الأوضاع المتشابكة على الأرض، والتعارض بين قواعد اشتباك الفصائل وحسابات اليمين الإسرائيلي والمشهد السياسي الإسرائيلي بتناقضاته. وعلى تلك الأطراف في النهاية أن تصل إلى مساحة تسمح بالعودة إلى التهدئة قبل الوصول إلى قمة التصاعد التي لا يمكن التراجع عندها دون الدخول في حرب جديدة يصعب التنبؤ بحدودها المكانية والزمانية، وانعكاساتها على البشر والقضية الفلسطينية.

رسائل إسرائيل المتناقضة والطريق إلى اللحظة الراهنة

تبنت إسرائيل خلال الفترة السابقة على مشهد التصعيد الحالي الحديث بشكل متزايد وعلني عن أهمية الحفاظ على التهدئة خلال شهر رمضان، وضرورة إسهام كافة الأطراف في جهود تجنب التصعيد. وشملت التحركات الداعمة للتهدئة زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، إلى رام الله في 28 مارس الفائت، في زيارة هي الأولى للضفة الغربية منذ عام 2017، ضمن جهود منع التصعيد المحتمل، وخاصة في ظل الوصاية الهاشمية على المناطق المقدسة في القدس. وسبق تلك الزيارة لقاء حول نفس القضية بين الملك عبد الله ووزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد في 10 مارس الفائت بالعاصمة الأردنية عمان، والذي تحدث لبيد بعده عن الاتفاق بين الطرفين على التعاون من أجل “تهدئة الأوضاع في مدينة القدس، في ظل اقتراب شهر رمضان المبارك وعيد الفصح اليهودي”.

ويرتبط الحديث الإسرائيلي المسبق عن التصعيد المفترض خلال شهر رمضان بخبرة ما حدث في أبريل من العام الفائت، وتزايد فرص التصعيد في رمضان بشكل عام بحكم اقتحام المسجد من قبل جموع المستوطنين، والاستفزازات التي ترتبط بتحركات معينة للمستوطنين خلال الشهر أو تزامناً معه مثل مسيرة الأعلام في العام 2021، والحديث عن خطط تقديم القرابين خلال عيد الفصح اليهودي في العام الجاري. وإلى جانب توفر فرص التصعيد نظرياً قبل بداية رمضان، ساهمت العديد من التحركات الإسرائيلية، وتطورات المشهد في الضفة الغربية في الدفع نحو التصعيد.

وفي حين كان يتصور أن تقوم إسرائيل بسياسات من شأنها توفير الظروف الضرورية للتهدئة أو خفض فرص التصعيد، وخاصة فيما يتعلق بحركة المستوطنين، ساهمت السياسات الإسرائيلية في زيادة التصعيد ليس فقط في القدس والمسجد الأقصى أو حي الشيخ جراح، الذي مثل أحد أسباب التصعيد في 2021، ولكن في العديد من المناطق في الضفة الغربية وخاصة في مخيم جنين. وصاحب هذا التصعيد حديث وزير الأمن الداخلي عومر بارليف عن أهمية “الاستعداد لعملية عسكرية واسعة النطاق في مخيم جنين”، مع الحديث على هامش تلك التصريحات عن إمكانية قيام إسرائيل بشن حرب مفتوحة على المقاومة في المخيم أو بشن عملية على غرار “السور الواقي” في جنين. وتشير عملية السور الواقي بدورها إلى العملية التي نفذتها القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية عام 2002، وتم خلالها التوغل في المدن الفلسطينية في الضفة وحصار مقر الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، وهو التحرك الذي يمكن في حال حدوثه أن يطور المشهد الفلسطيني إلى صورة مختلفة بدرجة كبيرة عن الوضع الراهن.

بدورها اعتبرت العديد من الأصوات الفلسطينية أن الحديث عن أهمية التهدئة قبل رمضان عبر عن سياسة إسرائيلية تهدف إلى تمهيد الأوضاع من أجل التصعيد وليس العكس. ووفقاً لتلك الرؤية، يساهم هذا الخطاب في تبرئة إسرائيل عبر الحديث عن غياب الحاجة للتصعيد، والربط بشكل مسبق بين التصعيد المحتمل والتحركات الفلسطينية. وعلى أرض الواقع، يتم تسهيل وحماية اقتحامات المستوطنين، مع تزايد نشاط الجماعات اليمينية التي تتحرك في المسجد الأقصى بشكل علني أو عبر التشبه بالعرب والمسلمين، ويتم تقييد وصول الفلسطينيين للمسجد الأقصى. وتزايدت المخاوف الفلسطينية مع الإعلان منذ فبراير الماضي عن خطط تقديم قرابين داخل المسجد ضمن جهود تهويد القدس وفرض وقائع جديدة ضمن خطط إقامة المعبد الثالث. وتشمل التحركات التي يقوم بها اليمين من أجل تنفيذ تلك الخطط الاقتحامات المستمرة، وإقامة الصلوات التلمودية، وصولاً إلى استهداف إقامة الشعائر الممثلة في تقديم القرابين. ورغم قدم محاولات تقديم القرابين في المسجد، مثل السياق العام للأحداث في العام الجاري، وتطورات العام الماضي، وتنوع فرص وأسباب التصعيد بصفة عامة، مؤشرات واضحة على عدم مرور تلك المخططات المعلنة دون مواجهة.

ورغم حديث مكتب بينيت عن عدم وجود خطط حقيقية لتقديم قرابين في المسجد الأقصى، شهدت تلك الفترة محاولات إدخال قرابين واستمرار جهود دعم تلك التحركات من قبل عدد من التنظيمات اليمينية التي أعلنت عن تقديم مكافأة مالية للمستوطنين من أجل استمرار محاولات تقديم القرابين. بالمقابل، تم الربط بين إعلان بينيت واجتماع الفصائل في غزة والحديث عن الجهوزية والاستعداد للتصعيد في حال تم إدخال قرابين، واستمرت الاقتحامات، والعنف في مواجهة الفلسطينيين. وبشكل عام، تم التمييز فلسطينياً بين الحديث الإسرائيلي عن تجنب التصعيد وغياب السياسات اللازمة من أجل تحقيق هذا الهدف. وتمثلت التحركات المفترضة من أجل التهدئة في تقييد فرص التصعيد عبر تقييد أسبابه ممثلة في اقتحامات المستوطنين، مع بذل جهود حقيقية لمواجهة خطط تقديم قرابين في المسجد، والحفاظ بشكل عام على الوضع القائم للمسجد الأقصى. وبهذا، لم يساهم الحديث الإسرائيلي عن أهمية التهدئة في توفير أسبابها، وساهمت السياسات الفعلية وتحركات المستوطنين في دعم بيئة التصعيد، كما وضعت قواعد الاشتباك الفلسطينية في المواجهة.

التصعيد في جنين ومرونة قواعد الاشتباك

على الرغم من التحديات التي يمثلها مخيم جنين، والذي تتعامل معه إسرائيل بوصفه غزة المصغرة فيما يتعلق بالمقاومة والتحديات الأمنية، تزامن التصعيد في المخيم مع العديد من العوامل التي توفر فرصاً للمزيد من التصعيد ومنها الذكرى العشرون لمعركة مخيم جنين التي بدأت في الأول من أبريل عام 2002، واستمرت لمدة عشرة أيام واستشهد خلالها 58 فلسطينياً. بالإضافة، إلى ما ارتبط بالتصعيد في جنين في العام الجاري من اشتباك مع “كتيبة جنين”، قبل العودة لمواجهة المخيم بعد العمليات الفردية التي قام بها أفراد من أبناء المخيم. ورغم عدم وجود ارتباط بين منفذي العمليات الفردية والفصائل الفلسطينية بشكل عام أو فيما يتعلق بالعمليات التي قام بها أفراد من المخيم بشكل خاص، ساهم تاريخ المخيم والعلاقة بينه وبين القوات الإسرائيلية، ومحاولة تنفيذ القوات الإسرائيلية سياسات العقاب التي تقوم بها ضد أسر منفذي العمليات، في الدخول في مواجهة أخرى مع أسرة منفذ عملية تل أبيب، وأفراد من المخيم والفصائل. وساهمت تلك التطورات في دخول الفصائل على خط الأحداث، وإعلان الجهوزية في المخيم وغزة وخارجها، والتوسع في مرحلة تالية إلى تضمين المخيم ضمن قواعد الاشتباك.

وبهذا، يحمل المشهد الراهن تداخلاً بين قواعد الاشتباك الأساسية التي تم وضعها في أبريل من العام الفائت، والإضافة التي حدثت بتضمين مخيم جنين في أبريل الجاري. وبدون القدرة على ضبط التفاعلات القائمة، وتوفير الأسباب اللازمة من أجل دعم خيار التهدئة، يمكن أن يتجاوز المشهد القيود القائمة إلى تصعيد مفتوح على كل الاحتمالات. وتتنوع العوامل التي يمكن أن تتطور معها الأوضاع نحو المزيد من التصعيد، ومنها: التصعيد على ساحة مواجهة مخيم جنين، ارتباطاً بتحركات الفصائل داخل المخيم أو حدوث عمليات فردية جديدة ترتبط بالمخيم، أو قدرة المستوطنين على تمرير قرابين داخل المسجد الأقصى، أو سياسات رموز اليمين المتطرف مثل عضو الكنيست إيتمار بن غفير الذي أعلن عن إمكانية افتتاح مكتب له في باب العامود إذا استمرت “أحداث العنف من قبل الفلسطينيين في القدس”، وفقاً لما كتبه على حسابه بتويتر في 17 أبريل الجاري. ويزيد تواجد بن غفير في المسجد الأقصى من فرص التصعيد كما حدث من قبل في حي الشيخ جراح، مع احتمال أن تؤثر تحركاته على الأحداث بطريقة تتشابه مع تأثير اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون للمسجد الأقصى وما ارتبط به من اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000. ووسط  فرص التصعيد المتعددة يمكن أن تجد الفصائل نفسها في مواجهة قواعد الاشتباك دون انتظار الهتافات التي تطالب محمد الضيف بالرد أو أبو عبيدة بالحديث.

بدورها، تساهم مرونة الفصائل في التعامل مع قواعد الاشتباك، وتعديل وتوسيع تلك القواعد وفقاً للتطورات التي تشهدها القضية الفلسطينية، في تحويلها إلى وسيلة جديدة للفصائل في التعامل مع إسرائيل. وفي حين يمكن أن تساهم تلك الوسيلة في توفير فرص للردع وتقييد التصعيد، بشكل يوفر بعض الحماية لأعضاء الفصائل أحياناً، كما حدث في حالة أبو هواش، ويكسب الفصائل المزيد من الشعبية والقدرة على التأثير، فإن القدرة على فرض تلك الآلية وإثبات فاعليتها تتوقف على ردود الفعل الإسرائيلية، والحاجة لتجنب التصعيد نحو خيار الحرب في الداخل الفلسطيني. وفي حين ساهمت جهود الوسطاء، وخاصة الوسيط المصري، في الحفاظ على فرص التصعيد مقيدة ما بعد حرب غزة الرابعة، بما فيها تلك التي هددت بتفعيل قواعد الاشتباك كما حدث مع أبو هواش، تمثل اللحظة تحدياً أكثر تعقيداً في التعامل مع الواقع في ظل تصاعد خطاب وتحركات اليمين الإسرائيلي، وتحولها بشكل متزايد إلى عامل مؤثر في المشهد السياسي الإسرائيلي وفرص سقوط أو بقاء الائتلاف.

التصعيد والوساطة من أجل التهدئة: ما قبل حافة الحرب

تساهم تعقيدات المشهد الإسرائيلي الداخلي في الكثير من الأحيان فى الهروب نحو المزيد من التصعيد في مواجهة الجانب الفلسطيني. تصعيد لا يتوقف عند استخدام المزيد من القوة في مواجهة المقاومة الشعبية، أو التصعيد في مواجهة الفصائل، ولكن يمتد إلى السلطة الفلسطينية والتعامل معها في إطار من التقييد أو التهميش ورفض التعامل معها كلياً أو وفقاً لدرجات محددة تحافظ على التنسيق الأمني دون الحوار السياسي.

بدورها، ساهمت جهود الوساطة المصرية، عبر التحركات السريعة والنشطة على كافة الأصعدة، ومن خلال التواصل مع كافة الأطراف، في الوصول إلى إعلان وقف حرب غزة الرابعة. ومثلت قدرة مصر على ضبط فرص التصعيد التالية والحفاظ على الوضع، رغم التحديات، ضمن سياق التصعيد المقيد، أحد المنجزات المهمة خلال الفترة التالية لقرار وقف الحرب. ورغم التحديات التي واجهت التهدئة الهشة خلال الفترة السابقة، والتي وصلت إلى تهديد إسرائيل باستهداف قادة الفصائل الفلسطينية في غزة، وشهدت فرص دخول الفصائل على خط المواجهة وتفعيل قواعد الاشتباك في أكثر من موقف مثل وضع الأسير أبو هواش، وتحركات المستوطنين في حي الشيخ جراح والقدس عموماً، إلا أن الأوضاع الحالية تمثل تحدياً حقيقياً لفكرة الوساطة بحكم تداخل الملفات وتعدد أسباب ومناطق التصعيد. في حين تكتسب الوساطة أهميتها من دورها المطلوب من أجل تجنب الدخول في مرحلة التصعيد المفتوح والذي يمكن أن يتطور إلى أشكال عديدة ما بين الانتفاضة والحرب، ويمتد إلى مناطق متنوعة من القدس والضفة إلى القطاع والإقليم.

وتتمثل بعض عوامل التحدي فيما سبقت الإشارة له من تشابك العديد من محاور قواعد الاشتباك التي وضعتها الفصائل وطورتها عبر الوقت في المشهد الراهن، وحقيقة أن القدس ووضعية المسجد الأقصى، بما يمثله من خط أحمر كما أعلنت الفصائل، هي القاعدة الرئيسية التي أدى تفعيلها إلى حرب غزة الرابعة. بالإضافة إلى وضع مخيم جنين والمساس به ضمن تلك القواعد بكل ما يحمله المخيم من قيمة للمقاومة الفلسطينية، وارتباط ما يحدث فيه بفكرة الانتصار عبر الصمود والمقاومة، وتواجد عناصر للفصائل الفلسطينية في المخيم، ومكانة المخيم الأمنية بالنسبة لإسرائيل. وما بين المسجد الأقصى وجنين، تظهر العديد من العوامل المؤثرة وخاصة تأثير نتنياهو وبن غفير واليمين وتحركاته على الأوضاع القائمة، وارتباط ما يحدث بالوضع السياسي الإسرائيلي والقدرة على ضبط التصعيد من أجل الحفاظ على الائتلاف والسير الصعب الذي يواجه حكومة بينيت من أجل التوفيق بين تحفظات منصور عباس، ومتطلبات اليمين المتطرف، وضغوط نتنياهو والمعارضة.

ومع تعدد الأسباب تظل أوضاع قطاع غزة مؤئرة، وحقيقة عدم التوصل إلى حل على صعيد القضايا الكبرى والأكثر وضوحاً مثل فك الحصار والتوصل إلى اتفاقية لتبادل الأسرى ضاغطة على جميع الأطراف وخاصة على صعيد الفصائل الفلسطينية التي يمكن بسهولة أن تواجه نداءات محمد الضيف وقرابين المسجد الأقصى وخطاب الحصار والمواجهة في القطاع وجنين. وتزيد تلك الأوضاع من أهمية الجهود المصرية التي بدأت سريعاً مع التصعيد الذي حدث في المسجد الأقصى في يوم الجمعة الثانية خلال شهر رمضان، 15 أبريل الجاري، من أجل ضبط التصعيد في المسجد الأقصى عبر الوساطة السريعة بين الأطراف المعنية في تل أبيب وغزة ورام الله.

وظهرت فرص التهدئة مع الإعلان عن توصل مصر إلى توافق يقوم على تنفيذ المطالب التي وضعتها الفصائل من أجل عدم امتداد التصعيد إلى القطاع، وهي المطالب الخاصة بحرية العبادة الكاملة للمسلمين في الأقصى خلال شهر رمضان، والإفراج عن الفلسطينيين الذين تم اعتقالهم من المسجد الأقصى خلال الاقتحام الإسرائيلي والذين تجاوز عددهم 400 معتقل، وتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنين والضفة. بالمقابل، فرض التصعيد الإسرائيلي يوم الأحد 17 أبريل، وما شمله من اقتحام للمسجد من قبل الجنود والمستوطنين، ودخول بن غفير على خط التطورات، واعتقال المزيد من الفلسطينيين تحديات إضافية على فرص التهدئة وزاد من فرص تدحرج الأوضاع نحو قطاع غزة في حال استمرت التحركات الإسرائيلية على مدار الأيام التالية ضمن عيد الفصح اليهودي، وما يترتب عليها من صعوبة تهدئة الأوضاع داخل المسجد الأقصى ومنع المقاومة الفلسطينية الشعبية، أو منع رد الفصائل.

 وتعد الأوضاع وتطوراتها رهناً بالسياسات الإسرائيلية، وردود الفعل الفلسطينية، وتحركات الأطراف المعنية، والوساطة المصرية التي تتحرك بدورها وفقاً لاعتبارات تخص القضية الفلسطينية وتهدف إلى الحفاظ على الحقوق الفلسطينية وحماية الشعب الفلسطيني والمسجد الأقصى بوصفه “وقفاً إسلامياً خالصاً للمسلمين”، كما جاء في بيان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية يوم 15 أبريل الجاري، تعليقاً على الاقتحام الإسرائيلي الأول للمسجد الأقصى، مطالباً بتوفير الحماية الكاملة للمصلين المسلمين، بالتزامن مع جهود الوساطة المستمرة.

في المحصلة، تضع السياسات الإسرائيلية والتحركات اليمينية المشهد الفلسطيني في مواجهة أوقات صعبة، من شأنها، في حال تركت التطورات دون ضوابط وقيود ضرورية للتهدئة ولازمة من أجل نجاح الوساطة، أن تساهم في تطور التصعيد القائم إلى مستوى أعلى. كما قد يتطور التصعيد بدوره إلى مستوى يصعب معه ضبط الأحداث والخروج عن مساحة السيطرة وترك العديد من الخسائر البشرية والمادية، مع صعوبة تحديد تأثيره على القضية الفلسطينية وأوضاع القدس وفرص التسوية. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى