يديعوت: رغم السعي الدولي لنظام جديد في غزة تقترح إسرائيل العودة للقتال
يديعوت 22/2/2026، د. ميخائيل ميلشتاين: رغم السعي الدولي لنظام جديد في غزة تقترح إسرائيل العودة للقتال
الانشغال المهووس والدقيق في إسرائيل في التشابه بين رمز النسر للجنة التكنوقراط التي يفترض أن تدير القطاع وذاك للسلطة الفلسطينية، وبخطوات دراماتيكية أخرى يجري العمل عليها عمليا، يشكل مقدمة لضياع الاتجاه الإسرائيلي في سياق غزة. فضلا عن الصراع الدون-كيشوتي لمنع مشاركة السلطة في غزة – في الوقت الذي أقيمت فيها أول أمس لجنة ارتباط بينها وبين لجنة تكنوقراط، بترحيب من مجلس السلام – تبرز فجوة مضاعفة تتسع بانتظام: بين الأهداف التي قررتها إسرائيل في القطاع وبين الواقع على الأرض، وكذا بين نهج نتنياهو تجاه غزة وبين نهج باقي العالم، بما فيه ترامب.
يرسم انعقاد مجلس السلام الأسبوع الماضي الاتجاه المتوقع قريبا، لكن أيضا المعاضل والمشاكل التي ستنشأ: يتسارع البحث بشأن القوة متعددة الجنسيات – وان كان من غير المعقول ان تنزع سلاح حماس؛ تجند أموال لاعمار القطاع – حتى بدون ان يتحقق تجريد القطاع، وفي هذا الاطار تعود قطر الى مقدمة الساحة، رغم روح إسرائيل التي تتطلع لان ترى دولا عربية أخرى وعلى رأسها السعودية (لكن بالتوازي تعارض شرطها الأساسي في الدفع قدما بالمفاوضات في الموضوع الفلسطيني)؛ وحكومة التكنوقراط ستصل الى غزة، لكن يبدو انها ستكون مجرد طلاء تجميليا، من خلفه ستحاول حماس ان توجد وفقا لنموذج حزب الله.
حيال السعي الدولي لنظام جديد في غزة، حتى لو كان بعيدا عن الكمال، تقترح إسرائيل حلا واحدا فقط: العودة الى الحرب والتي تترافق غير مرة واعلانات عن احتلال القطاع وبقاء طويل فيه، وثمة في إسرائيل حتى من يعدون بإعادة توطين المنطقة باليهود وافراغها من الغزيين. مثلما هو على مدى كل الحرب، الان أيضا لا يوجد أي بحث متعمق في إسرائيل في مسألة اليوم التالي، وكالمعتاد الخيالات والشعارات تحل محل السياسة الواعية: تتواصل تنمية ميليشيات وعشائر مشكوك فيها بدعوى أنه يحتمل لها أن تكون بديلا لحماس؛ وتطرح الشعارات بشأن نزع التطرف “مثلما في المانيا وفي اليابان بعد 1945″، وذلك رغم أن حماس متسيدة في القطاع، تسيطر على جهاز التعليم وتصمم وعي الفلسطينيين، فيما أن في الخلفية تبني تركيا مساجد جديدة في غزة – واحد منها على اسم عبدالله عزام، الاب الروحاني لابن لادن والشخصية القدوة في نظر حماس. هذا ليس بالضبط تعبيرا عن الترويج للاعتدال والتسامح.
بين هذا وذاك، تتمترس إسرائيل في الخط الأصفر الذي يقسم القطاع، والذي يعرفه الكثيرون كالحدود الجديدة. يدور الحديث عن نوع من تطبيق مفهوم امن جديد وبموجبه يتطلب تواجد في عمق أراضي العدو، ومن هناك الدفاع عن حدود إسرائيل. ظاهرا هذا ادعاء منطقي لكن مفهوم امن جديد يتطلب عملية عميقة، وهذا غير قابل لان تقوده قيادة خلقت مفاهيم مغلوطة ومسؤولة عن الإخفاقات. فضلا عن ذلك، فان المفهوم إياه يقوم على أساس الافتراض بانه لن تمارس ضغوط خارجية على إسرائيل وانه في مستقبل ما سيسمح لها بالعودة الى قتال قوي. عمليا، ترامب يواصل اشعال ضوء احمر لإسرائيل ويحتمل أن يطلب قريبا تعميق الانسحاب.
ان البقاء على الخط الأصفر بلا استراتيجية مرتبة، بما في ذلك صياغة اهداف وجداول زمنية يولد ظواهر سلبية تنشأ عن تواجد ثابت وطويل في ارض العدو: إعادة الاشتباكات؛ خروقات قيمية خطيرة، مثل التهريبات التي يشتبه بها بتسلئيل زيني وغيره؛ وكذا مغامرات منفلتة مثل تسلل المدنيين الى القطاع لغرض إقامة مستوطنات (كما يجري أيضا في سوريا وفي لبنان)، مثلما في الحادثة المأساوية التي سقط فيها جندي الجيش الإسرائيلي غور كهاتي، تعكس صداما حادا بين أماني اعتقادية واحتياجات عملياتية ومن شأنها أن تنتهي بكوارث جسيمة تحدث شرخا داخليا قاسيا. والد الجندي الإسرائيلي عوفري يافيه الذي قتل الأسبوع الماضي بالخطأ على ايدي قواتنا في القطاع، جسد بقدر كبير المعضلة المتشكلة، حين أثار تساؤلا حادا عن غاية البقاء في غزة منذ انتهى القتال في المنطقة. ان العناد المتمثل بعدم تطوير استراتيجية مرتبة والتحقيق في جذور اخفاق 7 أكتوبر يعكس عدم قدرة مزمنة على الاعتراف بالاخفاقات وعرض حقيقة معقدة للجمهور، وبدلا من هذا جهد لاخفاء او طمس الفجوات، بل وعرضها كانجازات. مقررو السياسة قد يكونوا يعرفون الحقيقة في خفاء قلوبهم، لكنهم لا ينقلوها الى الجمهور، مثلا، ان انهاء الحرب فرض على إسرائيل بخلاف إرادة الحكومة؛ ان سلسلة المشاريع العابثة التي جرى العمل عليها في غزة انهارت (وعلى رأسها صندوق غزة الإنساني) أنه لا جدوى من خيالات ترحيل الغزيين الى مكان بديل؛ انه رغم إرادة إسرائيل، لتركيا وقطر دور مركزي في تصميم غزة؛ انه بسبب العناد النابع من اعتبارات حزبية، يتقلص نفوذ إسرائيل في القطاع في ظل تدويل زاحف.
يبدو أن إسرائيل ستضطر قريبا لان تقبل بمزيد من الاملاءات من ترامب، مثلما كان مع انهاء الحرب (مرتين)، والانتقال الى المرحلة الثانية. وهذه على ما يبدو ستتضمن مطالبات بتسريع اعمار القطاع، استقبال قوة متعددة الجنسيات وحكومة تكنوقراط (كل هذا من شأنه ان يقيد حرية عمل إسرائيل في القطاع)، ويحتمل أيضا تبني صيغة “مركبة” لنزع سلاح حماس الثقيل فقط الى جانب تعميق الانسحاب الإقليمي.
بدلا من العناد والشعارات، مطلوب التركيز على ثلاثة اهداف حيوية: حفظ حرية العمل مثلما في لبنان؛ تحكم ليس فلسطينيا في محور فيلادلفيا؛ فيتو على وصول قوات معادية الى القطاع. لا يوجد أي بديل افضل وإسرائيل مطالبة بان تختار أهون الشرين الذي هو على ما يبدو حكومة التكنوقراط. ينبغي ان نرى في ذلك حلا مؤقتا الى أن تتبلور في إسرائيل استراتيجية لمعالجة جذرية لحماس، فيما تجري هذه المرة بالمبادرة وتحظى بالشرعية من الداخل ومن الخارج، لا توجد في هذه اللحظة.



