يديعوت احرونوت: ثلاثة صراعات تمزق إسرائيل

يديعوت احرونوت 11/2/2026، آريه شابيط: ثلاثة صراعات تمزق إسرائيل
ثلاثة صراعات تمزق إسرائيل. الصراع الأول حول نتنياهو. الصراع الثاني حول هوية الدولة: هل هي أكثر يهودية أم أكثر ديمقراطية؟ الصراع الثالث حول طبيعة الديمقراطية: هل هي شعبية (حكم الأغلبية) أم جوهرية (حكم التنوير)؟ لكن تحت هذه الصراعات الثلاثة الظاهرة يكمن صراع رابع أقدم وأعمق لا يُذكر اسمه: الصراع بين إسرائيل الأولى وإسرائيل الثانية.
كما هو الحال في العلاقات المضطربة، عندما نتقاتل في إسرائيل يمينًا ويسارًا، فإننا في الواقع نتقاتل حول الخوف الرهيب الذي يساور ملايين الإسرائيليين من تغيير ديموغرافي يُغير وجه الدولة التي أسسها آباؤهم وأجدادهم. إننا نخوض صراعًا بسبب الغضب المكبوت لدى ملايين الإسرائيليين الآخرين الذين يشعرون بأنهم لم يُعترف بهم حتى اليوم على قدم المساواة، وأنهم لم يبلغوا غايتهم الحقيقية. نخوض صراعًا بسبب الفقر والإذلال اللذين عانتهما هجرات الخمسينيات والستينيات. نخوض صراعًا بسبب التمييز الذي ساد السبعينيات والثمانينيات. نخوض صراعًا حول مكانة كل قبيلة على هذه الأرض. نخوض صراعًا حول من يملك البيت هنا.
لم يعد التقسيم إلى “إسرائيل الأولى” و”إسرائيل الثانيةا” دقيقًا. فقد اندمج العديد من اليهود الشرقيين في دوائر النجاح الإسرائيلي، ولم يعودوا يشعرون بالحرمان والتهميش اللذين يشعر بهما غيرهم من اليهود الشرقيين. ويشعر عدد لا بأس به من اليهود الأشكناز أنهم يُرفضون أيضًا بسبب آرائهم. ومع ذلك، فإنّ الصدع بين مركزٍ اجتماعي-اقتصادي-سياسي راسخ وتحالف المهمشين في الأطراف قائمٌ، بل ويتعمق، ويهدد بأن يصبح صدوعًا حقيقية. ما يُقسّم الشعب ويُقوّض الدولة هو الصدام المباشر بين إسرائيل الداخلية وإسرائيل الطرفية.
ما يُميّز إسرائيل الداخلية هو الشعور الذي عبّر عنه أريك أينشتاين خير تعبير: يا وطني، أنتِ ذاهبةٌ إلى الجحيم. قبل وصول نتنياهو إلى السلطة، كان الوضع هنا رائعًا، ولكن قريبًا لن يبقى شيء. بعبارة أخرى: يُهدّد الإسرائيليون الجدد بتدمير واحة التقدم التي بنيناها هنا بجهودٍ جبارة من الداخل. بإمكانهم تحويلنا إلى جزءٍ لا يتجزأ من شرق أوسط ديني، متعصب، ومتخلف. أما ما يُميّز إسرائيل الطرفية، من جهة أخرى، فهو الشعور بأنّ هناك دائرةً خفيةً في مركز الدولة لا تزال تمنعها من الدخول. بينما تحققت المساواة ونال الجميع الاحترام في العديد من مجالات الحياة (الأعمال، الجيش، الكنيست، الحكم المحلي)، لا تزال هناك مراكز قوة (المحكمة العليا، كبار المسؤولين، الإعلام) حكرًا على فئة معينة، يسيطر عليها المحاربون القدامى. في حين أن تجربة إسرائيل الداخلية تُحتّم علينا الدفاع عن حصوننا وحماية قلاعنا وتحصين أسوارنا، فإن تجربة إسرائيل الطرفية تُحتّم علينا اقتحامها. لن نقبل بعد الآن أن نكون شركاء في الإدارة الحقيقية لمركز القوة الحقيقي في البلد الذي نمثل فيه الأغلبية.
كانت انتخابات 2022 بمثابة ثورة كبرى في المناطق المهمشة من إسرائيل. وقد أدت إلى ان انقلاب ثاني أكثر جذرية من انقلاب 1977. جادل الثوار بأن مناحيم بيغن، وإسحاق شمير، ونتنياهو في بداياته لم ينجحوا فعلياً في تغيير بنية السلطة، وأن الوقت قد حان. وكانت النتيجة كارثية: هجوم يريف لفين على النظام القضائي، والتطرف، والجنون، والشلل – وأحداث 7 أكتوبر. لكننا نواجه الآن خطر أن انتخابات 2026 لن تُصلح ما حدث هنا في السنوات الثلاث الماضية، بل على العكس تماماً. قد تُؤدي الى انقلاب ثالث، إلى تحول شعبوي لا رجعة فيه، سيُغير وجه إسرائيل جذرياً.
لن تدور الانتخابات المقبلة حول القضايا التي تُناقش في استوديوهات التلفزيون، بل ستكون معركةً حاميةً بين الخوف العميق (والمبرر) لدى سكان إسرائيل الداخلية، والغضب (المفهوم) لدى سكان إسرائيل الخارجية. فبينما سيحشد الأول كل ما تبقى لديه من قوى لإنقاذ الوطن الإسرائيلي، سيبذل الثاني قصارى جهده لإقامة وطن يهودي هنا. لن يكون الصراع سياسيًا، بل صراع هوية. ولن يكون صراعًا أيديولوجيًا، بل صراعًا عاطفيًا. ما سيحدث هنا في الأشهر المقبلة هو صراعٌ شرسٌ بين الخوف والغضب.
لتجنب الكارثة، لا بد من معالجة كل من هذه المعارك الأربع. يجب أن ينتهي عهد نتنياهو، ولكن بكرامة وسلام. يجب تحقيق التناغم بين الهوية اليهودية والهوية الديمقراطية لإسرائيل. لا بد من إيجاد طريقٍ يُوفّق بين الديمقراطية بوصفها حكم الشعب، والديمقراطية بوصفها الحفاظ على التوازنات والضوابط وحقوق الأقليات وحقوق الإنسان. ولكن قبل كل شيء: يجب تحقيق المصالحة بين إسرائيل الداخلية وإسرائيل الطرفية. ولتحقيق هذه الغاية، يجب على الليبراليين أن يُدركوا أخيرًا أن نهج التحصين قد استنفد أغراضه. لقد فشلت القوة القانونية. لم يعد بالإمكان فرض القيم الليبرالية من أعلى إلى أسفل، بل يجب إرساء أساس ديمقراطي متين عليها. لذلك، يجب استبدال نتنياهو وبن غفير عبر صناديق الاقتراع، لا في المحاكم. لذلك، يجب علينا الآن التعبئة والتنظيم والتواصل مع إسرائيل الطرفية. يجب على من يرون أنفسهم متنورين أن يُظهروا تعاطفًا مع من لا يزالون يشعرون بالإقصاء والرفض. يجب عليهم إزالة الحواجز، وتصحيح التشوهات، واقتراح نظام جديد قائم على التزام حقيقي بالمساواة في الحقوق والواجبات والفرص، والمساواة أمام القانون. لن يتوحد إسرائيل الداخلية ويصبح إسرائيل واحدة إلا إذا فتحت إسرائيل الداخلية قلبها وأبوابها لإسرائيل الخارجية. أما البديل فهو واضح وضوح الشمس: التمييز الانتخابي، والاضطرابات المتطرفة، والدمار.



