يديعوت أحرونوت: في الدم والنار: تنشأ وترتقي الحروب

يديعوت أحرونوت 9/3/2026، يونتان أديري: في الدم والنار: تنشأ وترتقي الحروب
في عالم الأحياء، تُصمَّم تجارب “اكتساب الوظيفة” لتعريض الكائن الحي لضغط شديد بهدف تحفيز التطور وتشجيع اكتساب سمات ووظائف جديدة. حفّز غزو 7 أكتوبر والأيام الـ 800 التي تلته سمات جديدة في إسرائيل: الشجاعة العسكرية والسياسية، والصبر على القتال المستمر، والاستعداد لدفع الثمن في الحاضر من أجل رسم ملامح المستقبل. يتطلب حجم ضحايا غزو أكتوبر مراجعة ذاتية واستخلاص العبر. إذا لم ننظر إلى التطورات بموضوعية، فلن نكون جديرين بقوة هذا الجيل.
فيما يلي عشرة استنتاجات أولية انبثقت من مجريات الأحداث التي بدأت يوم السبت في طهران.
1- تشكيل اليوم التالي، في اليوم السابق. حرفيًا
أحسنت دولة إسرائيل تقدير القيادة التأسيسية للرئيس الهندي ناريندرا مودي في بداية مسيرته السياسية. ففي الأيام التي عانى فيها مودي من تجاهل العالم الغربي له، أدركت إسرائيل عمق التغيير الذي كان يقوده، ورحبت به علنًا. وتُجسد الصورة الشهيرة لرئيسي الوزراء وهما حافيي القدمين يغمسان أقدامهما في مياه البحر الأبيض المتوسط عمق هذه العلاقة.
وتُظهر زيارة مودي وخطابه في الكنيست في اليوم السابق لإطلاق الحملة في إيران، حيث قال دون تردد وبكل ثقة “أنا أقف مع إسرائيل”، عمق الشراكة بين البلدين. فما بدأ كتحالف أمني شجاع، صمد أمام اختبارات القتال الشديدة بين الهند وباكستان خلال عملية سندور في صيف العام 2025، يشهد حاليًا تطورًا كبيرًا ليصبح علاقة مميزة بحق. يمثل التحالف الهندي الإبراهيمي، الذي سيمتد من الهند إلى كوش، الركيزة الشرقية لإسرائيل في المنطقة، وليس السعودية، التي برزت، كما كان متوقعًا، كحليف عنيف وغير مستقر، ينبغي لإسرائيل العمل معه على تطبيع العلاقات وإرساء السلام، ولكن دون أوهام بترسيخ مفهوم أمني إقليمي.
2- تفوق التحرك العسكري غير المخطط له
شهدت العقيدة العسكرية الإسرائيلية تحولًا هادئًا. فقد استُبدلت الفلسفة القديمة، التي كانت تتضمن تراكمًا تدريجيًا للضغط، وردًا متناسبًا، وتوضيحًا مستمرًا للشرعية الدولية، وإبقاء مجال للمناورة السياسية، بمبدأ جديد: تحقيق أقصى قدر من الإنجازات في البداية.
هذا ليس عدوانًا سافرًا، بل هو تفكير منظومي ينبع من التواضع وفهم تعقيدات ساحة المعركة الحديثة. تكمن ميزة الضربة الاستباقية الجذرية في سعيها للحد من قدرة العدو على التعلم الفعال. وعلى النقيض من ذلك، فإن خوض معارك متقطعة سعياً وراء تأثير “قوي” ينطوي على مخاطر فقدان الزخم، والسماح للعدو بالفوز، ومنع الإنجاز المطلوب.
3- قيادة سياسية مثالية
في كل ما يتعلق بالعمليات في إيران والمنطقة، أظهر رئيس الوزراء قيادة سياسية منظمة وفعّالة، تُعظّم من إمكانيات إسرائيل في هذه المرحلة. وتُعدّ الشراكة مع الولايات المتحدة، دفاعًا وهجومًا، فريدة من نوعها في تاريخ العلاقات بين البلدين. وهذا نضج استراتيجي يأتي في وقت يصعب فيه تصوّر تكراره. يجب على إسرائيل أن تعمل حيال ترامب كما لو أنه لا غد لها، وأن تستعد لغدٍ لن يكون فيه ترامب موجودًا، وهذا ما تفعله الآن. ويتم تنفيذ التحرك في إيران بما يتوافق تمامًا مع مبادئ الأمن القومي التي نشرها البيت الأبيض والبنتاغون، الذي يؤمن بالعمل من خلال الشركاء الإقليميين. وتعمل إسرائيل وفقًا للخطة الأمريكية، وتُثبت جدارتها كحليف استراتيجي. والنتيجة هي بسط نفوذ هائل في المنطقة، واستعادة مكانة القدس كـ”النموذج الأمثل لحليف الولايات المتحدة”، على حد تعبير وزير الحرب.
4- التفوق التكنولوجي: تحركات إيران متقدمة للغاية
كانت عملية التجسس الإلكتروني مذهلة. لكن ما يحدث حاليًا في إيران يعكس إنجازات تكنولوجية أعمق بكثير.
يُعدّ الهجوم على اجتماع القيادة للمرشد الأعلى خامنئي (الذي يُعتبر، وفقًا للدستور الإيراني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبالتالي هدفًا مشروعًا تمامًا بموجب القانون الدولي) استعراضًا فائقًا للبراعة العسكرية. لم يقتصر الأمر على قدرة استخباراتية فائقة سمحت بالاختراق إلى الدائرة المقربة، بل أظهر هذا الهجوم القدرات القصوى لنظام عسكري حديث: تشغيل أحدث الأدوات في العالم، وربط أحدث المقاتلين على الأرض بأنظمة منتشرة في الفضاء، على بُعد 2000 كيلومتر من الوطن، وبشكل مستمر، وهو إنجاز عسكري ستتعلم منه جميع جيوش العالم – من بكين إلى بوينس آيرس. ليس من قبيل المصادفة أن صرّح وزير الخارجية التركي النشط، هاكان فيدان، هذا الأسبوع قائلاً: “إن الجيوش التي تفتقر إلى القدرات المتقدمة، كما تجلّى هذا الأسبوع في مجال الفضاء الإلكتروني، من الأفضل لها ألا تُجري حواراً سلبياً مع إسرائيل أو الولايات المتحدة”.
5- حرج تركي
يُكمل الرئيس أردوغان حالياً 25 عاماً في السلطة. وخلال العام الماضي، وبعد نجاحه في تطبيق استراتيجيته العسكرية في ليبيا والصومال وصولاً إلى سوريا، انشغل الزعيم التركي باتخاذ خطوات فعّالة ضد إسرائيل. ومنذ انتخاب ترامب، روّج أردوغان لمواطنيه صورة “أفضل صديق لأمريكا”. وفي صباح السبت، الساعة 8:15، بدأت 72 ساعة من الكابوس لأنقرة، مُعلنةً انهيار هذه الاستراتيجية.
لم تكن تركيا غافلة عن الوضع. فبينما كان وزير الخارجية فيدان يتباهى بموقع بلاده “الحيوي” في المنطقة، ويحاول وضع صيغ لحل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، كانت إسرائيل والولايات المتحدة تُنسّقان اللمسات الأخيرة لعمل مشترك.
وإذا لم يكن كل هذا كافيًا، فإن الأتراك قلقون من احتمال صعود العناصر الكردية التي قمعها النظام الإيراني. ويُعدّ انتصار إسرائيلي-أمريكي في المنطقة، والذي من شأنه أن يُحدث فراغًا في السلطة في شمال العراق، كابوسًا بالنسبة لهم. فالأكراد يزدادون قوة، وتتجدد لديهم تطلعاتهم للاستقلال. ويتطلب تحسين المواقف الإسرائيلية من تركيا اتخاذ إجراءات، على سبيل المثال، لتعزيز سيطرتها على القرن الأفريقي وترسيم الحدود في سوريا على المدى البعيد.
6- انهيار “جهاز المناعة” الإيراني
كانت النتيجة المباشرة للضربة الإسرائيلية الأمريكية الافتتاحية انهيارًا “لجهاز المناعة” الإيراني. يُعيد العدوان الإيراني في جميع أنحاء الشرق الأوسط الانقسام السني الشيعي إلى الواجهة. وتتجلى أمام الجميع، من قطر إلى قبرص، كل المخاوف القديمة من عدوان القوة المهيمنة الإيرانية واستعدادها لإلحاق الضرر بالبنية التحتية الحيوية.
أظهرت أعمدة الدخان المتصاعدة من منشآت الطاقة في السعودية وقطر، ومراكز البيانات في البحرين والإمارات، عبثية محاولتهم اكتساب الحصانة عبر الحياد. مع ذلك، لا بد من القول بصراحة إن العنف الإيراني في هذه المرحلة لم يُشجع معظم دول الخليج على التخلي عن ضعفها العسكري، رغم أنه من المفترض أن قادتها لن ينسوا الهجوم الإيراني المباشر على أراضيهم.
7- تحييد روسي كامل للمنطقة، رسالة إلى الصين
لطالما شكلت إيران ومنطقة آسيا الوسطى مجال نفوذ عميق لروسيا. ليس من قبيل المصادفة أن الدفاع الجوي الإيراني كان قائماً بالكامل على التكنولوجيا الروسية، وأن المفاعل النووي في بوشهر بُني وشُغّل من قبل موسكو، وأن التدخل الروسي في مجلس الأمن حمى النظام لعقود. ومع ذلك، التزمت روسيا الصمت طوال فترة القتال، منذ أيام “الأسد الصاعد” وبشكل أكبر في الحرب الحالية. هذا تحول جذري يدركه جميع الفاعلين في المنطقة ويعملون على ترسيخه، برعاية أمريكية.
في الوقت نفسه، تُعد رغبة إسرائيل في قطع العلاقات التكنولوجية مع الصين والانخراط الكامل في “السلام الأمريكي”، إلى جانب عملية عسكرية مشتركة كهذه، رسالةً أيضاً إلى الصين. في نهاية الشهر، وبعد أن تنشر الصين خطتها الخمسية الجديدة، من المتوقع أن تُعقد قمة بين شي جين بينغ وترامب في بكين. وتُعدّ الحرب في إيران أيضاً، وربما في المقام الأول، استعراضاً للغاية الأمريكية في هذا السياق.
8- خطوة إسرائيل التالية: “قبة السيليكون”
تُعتبر “قبة السيليكون” في تايوان اليوم أسمى تعبير عن استخدام التكنولوجيا المتقدمة كأداة جيوسياسية. فقد جعلت هيمنة هذه الدولة الجزيرة على المجال العلمي الذي يُفضي إلى إنتاج أشباه الموصلات – حيث تُصنّع 96 في المئة من المعالجات الأساسية للذكاء الاصطناعي المتقدم حصرياً على أراضيها – منها عاملاً يعتمد عليه العالم بأسره.
ولإنشاء “قبة سيليكون” خاصة بنا، يجب على إسرائيل استغلال مزاياها التنافسية في المجالات الستة التي ستنبثق منها أعظم إنجازات البشرية بحلول العام 2050. ويمكن تلخيص هذه المجالات في “MARQS”، المواد، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والفيزياء الكمية، والفضاء، وعلم الأحياء التركيبي. إن أهمية تنمية العقول الإسرائيلية واستقطاب أفضل العقول في العالم، يهودية وغير يهودية، أمر بالغ الأهمية. يجب علينا دراسة كيفية تهيئة أفضل الظروف لزيادة احتمالية تحقيق هذا الإنجاز العلمي هنا في إسرائيل.
9- الدفاع الجوي والتأهب المدني
أظهرت إسرائيل قدرة لا تُشترى: تماسك اجتماعي في أوقات الطوارئ، وبنية تحتية مدنية متزامنة بفضل نظام رقمي متطور يضمن استمرارية العمل بشكل كامل حتى في ظل هجوم باليستي متواصل. كل هذا بفضل نظام دفاعي متعدد الطبقات يراقبه العالم أجمع.
يشهد سوق الأسهم ارتفاعًا، ويحافظ الشيكل على قوته. ويستمر قطاع التكنولوجيا المتقدمة في النمو، كما أثبت نظام الصحة العامة كفاءته. إنه نظام فريد من نوعه على مستوى العالم، ولا ينبغي لنا الاستهانة به.
10- نهاية الأمم المتحدة وأوروبا
أصدرت أوروبا بيانات تنديد. وعقدت الأمم المتحدة اجتماعًا طارئًا. وكلاهما لم يُحقق النتائج المرجوة: فقد كانا غير ذي صلة.
إسرائيل تستمع إلى واشنطن ونيودلهي وأبو ظبي. إنهم يمثلون الركيزة الأساسية للنظام الإقليمي. وقد صنّف البيت الأبيض منظومة المنظمات الدولية على أنها منظومة يجب تفكيكها وكشف فشلها الأخلاقي والعملي، ويبدو أن هذه الخطوة تؤتي ثمارها – سواء في محيط الولايات المتحدة (فنزويلا، وبشكل عام – مبدأ “دونرو”) أو في علاقتها مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) والشرق الأوسط.
في هذا السياق، من الصواب أن تسعى إسرائيل إلى تأسيس “تحالف ماسي” في نطاق نفوذها المتنامي: مستفيدةً من التطورات لتشكيل محور شرقي تُعدّ الهند ركيزته الأساسية، ومحور شمالي يتمحور حول الشراكة الجريئة مع أذربيجان، ومحور جنوبي في القرن الأفريقي في مواجهة إثيوبيا وأرض الصومال، وأخيرًا التحالف اليوناني مع قبرص واليونان. هذا المحور، إلى جانب الشراكة الأساسية مع الإمارات العربية المتحدة والعمق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، يُمثّل محورًا مرجعيًا لإسرائيل في المرحلة المقبلة.
وختامًا: يجب أن تكون هذه الإنجازات مثابة بوصلةٍ للتحركات الجذرية على الصعيد الداخلي في المرحلة المقبلة. إن استعادة صيغة الثقة وإرساء اتفاق داخلي جديد يتطلب تغييرًا في النظام العالمي. يجب ألا نسمح لأنفسنا بالانغماس في الغرور والتراخي كما كان الحال عشية الخروج من حرب الأيام الستة، بل يجب أن نتصرف كأحفاد مؤسسين للسيادة اليهودية في أرض إسرائيل.



