يحيى عباسي بن أحمد: القدس في الوعي الديني والحضاري: دراسة في الرمز والصراع والقانون التاريخي
يحيى عباسي بن أحمد 29-11-2025: القدس في الوعي الديني والحضاري: دراسة في الرمز والصراع والقانون التاريخي
مقدمة
تحتلّ القدس موقعًا مركزيًا في الوعي الإبراهيمي، إذ تمثّل نقطة التقاء الجغرافيا بالرمز، والدين بالتاريخ، والإنسان بالمعنى. وقد تحوّلت عبر القرون إلى فضاء تتنازع فيه القوى الدينية والسياسية، محوّلةً المدينة من مركز للقداسة إلى مركز للشرعية ومنصة للصراع. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مكانة القدس في المخيال الديني والحضاري، وبيان الأسس التي جعلتها “مشكلة الأديان” الثلاثة، مع استظهار القوانين القرآنية والنبويّة التي تفسّر تكرار الصراعات حولها دون الاعتماد على نبوءات سياسية محدّدة.
أولًا: القدس في البنية الرمزية للأديان الإبراهيمية
1- القدس بوصفها مركزًا للبداية الدينية
ترتبط القدس في اليهودية بمفهوم “الوعد الإلهي” و“الأرض المقدّسة”، حيث يُنظر إليها بوصفها مسرح الهيكل الأول والثاني، وهو ما يجعلها محور الهوية الدينية والسياسية لليهودية القديمة والمعاصرة[1] .
وفي المسيحية تُعدّ القدس فضاء التجسد والتضحية والفداء، إذ شهدت الصلب والقيامة، مما جعلها مركزًا للخلاص الروحي في العقيدة المسيحية[2].
أما في الإسلام، فتحتلّ مكانة خاصة بكونها أولى القبلتين ومسرى النبي ﷺ ومنطلق المعراج، كما ورد في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾.[3]
2- مركزية القدس في إنتاج “الزمن المقدس”
تجتمع الأديان الثلاثة على أن القدس ليست موقعًا جغرافيًا، بل لحظة زمنية متعالية ترتبط بالبداية والنهاية. فهي في اليهودية “أورشليم الأخيرة”، وفي المسيحية “مدينة القيامة”، وفي الإسلام “أرض المحشر والمنشر” في روايات متعددة[4]. هذا التراكم الرمزي جعل المدينة قابلة للاشتعال السياسي كلما شعر طرف بأن ذاكرته المقدسة مهددة.
3 – القدس كحامل للشرعية السياسية
أدركت الإمبراطوريات المتعاقبة أن السيطرة على القدس تمنحها مقامًا يضفي على سلطتها بُعدًا دينيًا. ولهذا تناوب على احتلالها وُلاة الروم والبيزنطيون والعرب المسلمون والصليبيون والعثمانيون ثم القوى الاستعمارية الغربية الحديثة[5].
فالمدينة تمثل عقدة الشرعية؛ امتلاكها يعني امتلاك خطاب القوة الروحية والسياسية في آن واحد.
ثانيًا: الصراع في القدس بين التراث الديني والهندسة الاستعمارية الحديثة
1- من العصور الوسطى إلى الحداثة: إعادة تشكيل الصراع
لم يكن الصراع حول القدس مجرد مواجهة بين أديان، بل كان أيضًا صراعًا بين نماذج حضارية. فقد كان الغزو الصليبي ذروة التداخل بين الدين والسياسة في الغرب الوسيط[6].
ثم أعادت القوى الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر تشكيل المنطقة عبر “الهندسة الجيو-لاهوتية” التي بلغت ذروتها في وعد بلفور 1917م الذي شرعن المشروع الصهيوني سياسيًا ودينيًا[7].
2 – القدس في الاستراتيجيات الصهيونية
يمثل الاحتلال المعاصر إعادة تفعيل للنموذج الديني-السياسي القديم، حيث يُعاد إنتاج “الهيكل” كرمز للسيطرة، ويتم تحويل القدس من مدينة للتعايش التاريخي إلى ساحة لفرض الهوية الأحادية.[8]
ويُستثمر الرمز الديني في تكوين شرعية استعمارية تقوم على الأسطورة التاريخية وتغذية الخوف الوجودي.
3 – القدس في الوعي العربي والإسلامي الحديث
تحوّلت القدس في الوعي العربي إلى مركز لمفهوم النهضة منذ سقوطها عام 1948م، ثم صارت بعد 1967م رمزًا لانكسار الإرادة السياسية العربية[9].
وفي الجانب الإسلامي، عادت القدس كرمز للهوية والمقاومة، حيث يجتمع فيها المقدس بالتاريخي، مما يجعل الصراع حولها تجسيدًا حيًا لأزمة العالم الإسلامي مع القوى الدولية.
ثالثًا: هل تتضمن النصوص الإسلامية نبوءات حول ما يحدث اليوم؟
1 – غياب النبوءة التفصيلية
لا تتضمن النصوص القرآنية أو النبوية نبوءات محددة بالمعنى السياسي الوقتي تشير إلى أحداث القرن الحادي والعشرين. فالقرآن يتحدث عن قوانين تاريخية لا عن سيناريوهات مستقبلية دقيقة، مثل قوله تعالى:
﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾[10].
2 – وجود توصيفات عن طبيعة الصراع
وردت أحاديث تتحدث عن ثبات طائفة من الأمة في بيت المقدس وما حوله، من أشهرها:
“لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق… وهم ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”[11].
كما ورد الحديث المشهور: “تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها”.[12]
وهذه النصوص لا تشير إلى واقعة محددة، بل إلى أنماط حضارية تتكرر عندما تضعف الأمة أو تتنازع قواها.
3- صراع القدس ضمن قوانين التاريخ لا ضمن نبوءة زمنية
إذن ما يحدث اليوم ليس تنفيذًا لحَدَث غَيبي محدّد، بل تجلٍّ لقوانين عامة تحكم حركة الأمم:
- قانون الاستضعاف والاستبداد.
- قانون تفكك الداخل وتكالب الخارج.
- قانون صمود الهوية عندما تتصل بالأرض والوظيفة الحضارية.
رابعًا: القدس ومعادلات النهوض والسقوط في المنظور القرآني
1 – قانون التغيير الداخلي
ينصّ القرآن على قاعدة مركزية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[13].
ويتمثل هذا التغيير في:
- إصلاح البنية السياسية،
- تحرير الإرادة،
- وتجاوز الانقسام الداخلي.
2 – قانون الشهادة الحضارية
يرتبط وجود الأمة بدورها في حمل الرسالة الأخلاقية: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾[14].
وكلما تراجعت الشهادة الحضارية، تراجعت القوة وتأخرت النهضة.
3 – قانون التداول التاريخي
تعبّر الآية: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ عن ديناميكية الصراع بين القوى، وأن الأمة ليست خارج حركية التاريخ.[15]
خاتمة
القدس ليست مشكلة الأديان لأنها مقدّسة فحسب، بل لأنها عقدة المعنى ونقطة التوازن الروحي والسياسي في الوعي الإبراهيمي والعالمي. وقد أدى التداخل بين المقدس والسياسي، وبين الوعد التاريخي والأسطورة الاستعمارية، إلى تحويل المدينة إلى مركز دائم للصراع.
كما لا تشير النصوص الإسلامية إلى نبوءة مباشرة عمّا يحدث اليوم، لكنها تضع قوانين تاريخية تفسّر استمرار المواجهة وتجدّدها.
وهكذا تتجلى القدس بوصفها مرآة لصراع الحضارات، وفي الوقت نفسه بوابة لنهضة الأمة عندما تستعيد شروط فعلها التاريخي.
هوامش:
[1] ابن ميمون، الهداية إلى مقاصد التوراة، ص 221–230.
[2] أوسكار كولمان، مصير المسيح في القدس، ص 45–50.
[3] القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية 1.
[4] الطبري، تفسير الطبري، ج 15، ص 89.
[5] ياقوت الحموي، معجم البلدان، مادة القدس.
[6]ستيفن رنسيمان، الحروب الصليبية، ج1، ص 114.
[7] آرثر كوستلر، الثالث عشر المختفي، ص 73–82.
[8] إيلان بابيه، التطهير العرقي في فلسطين، ص 102–118.
[9] عبد الوهاب المسيري، الصهيونية: رؤية معرفية، ج2، ص 41–52.
[10] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 141.
[11] البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان.
[12] أحمد بن حنبل، المسند
[13] القرآن الكريم، سورة الرعد، الآية 11.
[14] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 143.
[15] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 140.


